كيف ظهرت الزوايا بالمغرب واسباب انتشارها ؟

الكاتب : الجريدة24

27 مايو 2026 - 05:00
الخط :

الزاوية المغربية في العصر السعدي

عبد الجواد السقاط- مجلة دعوة الحق

يتميز تاريخ المغرب بجملة من السمات التي طبعته عبر مسيرته الطويلة، والتي جعلته مركز اهتمام الدارسين والباحثين، سواء في عصرنا الحاضر، أو في العصور المنصرمة.

ولعل من بين هذه السمات، ظاهرة الزوايا التي عرفها المغرب منذ عهد بعيد، والتي بلغت أوجها في أواخر الفترة السعدية، "حتى كاد عدها يفوق عدد المساجد"1.

مفهوم الزاوية

يبدو أن كلمة زاوية "كانت تطلق بادئ الأمر على صومعة الراهب المسيحي... ثم أطلقت على المسجد الصغير أو على المصلى، ولا يزال للكلمة هذا المعنى عند المسلمين في الشرق، ذك أنهم يفرقون بينها وبين المسجد الذي يفوقها شأنها"2.

أما في المغرب، فإذا نحن حاولنا الوقوف على مفهوم الزاوية، أمكننا أن نقف أولا عند تحديد ابن مرزوق الذي يقول : "والظاهر أن الزوايا عندنا بالمغرب هي المواضع المعدة لإرفاق الواردين وإطعام المحتاجين من القاصدين"3.

وهذا هو التحديد الذي انطلق منه الأستاذ محمد المنوني عندما حاول تعريف الزاوية في العصر المريني حيث قال : "كان المغرب المريني يستعمل كلمة الزاوية للدلالة على مؤسسات إحسانية تشيد بأرياض المدن أو في الفلوات برسم استقبال الواردين عليها لإيوائهم والقيام بضيافتهم، وذلك ما شرحه ابن مرزوق في هذه الفقرة"، يريد فقرة ابن مرزوق المتقدمة4.

ويذهب صاحب "سلوك الطريق الوارية" إلى أن الزاوية اتخذت أولا، والله أعلم، تشبيها وتبركا وتفاؤلا بالصفة التي كانت بمسجد النبي (صلع) ليأوي إليها الفقراء الذين لا أهل لهم ولا مال"5.

على أن الاجتماع فيها – يقول الزيادي – "فلجلب منافع شتى منها قراءة الأحزاب...ونزول الأضياف الواردين من الإخوان"6

أما الحسن اليوسي فيذهب إلى أن "الزاوية لا حقيقة لها شرعا، ولا ذكر لها، وإنما لفظة محدثة، ومعناها مركب من أمرين :

أحدهما : التفرغ إلى عبادة الله، ويكون ذلك بالهرب من التشاغل بالدنيا وأسباب المعاش، والانكماش في خلوة أو في ركن بيت أو في مسجد للاشتغال بذكر الله والإقبال عليه، وبهذا، والله أعلم، سميت زاوية لأن الركن يسمى زاوية.

الثاني : إطعام الطعام، وهو في عادة المتأخرين، ويرجع معناه إلى إكرام الضيف وإلى الصدقة"7.

وقد أضاف الأستاذ محمد بن تاويت جديدا إلى هذه التعاريف، إذ جعل الزاوية ثلاثة أنواع :

1) الزاوية البسيطة : وهي التي لم تبن على ضريح ولي، ولا نسب إلى ولي، أو إلى طريقة صوفية.

2) الزاوية ذات الولي : وهي ما أنشئت حول ضريح، وتكتسب سعة عظيمة من أجل ذلك، وسرعان ما تتحول إلى مركز عمراني كبير.

3) الزاوية الطرقية : وهي التي تنتسب إلى طريقة من الطرق الصوفية8.

ولعلنا من خلال هذه التعريفات ننتهي إلى أن الزاوية المغربية كانت تضطلع بمهمتين اثنتين هما : التفرغ لعبادة الله أولا، ثم إيواء الوافدين عليها وإطعامهم ثانيا.

على أننا نجد من المهام التي تقوم بها الزاوية المغربية ما يتجاوز المهمتين المذكورتين، كالتعليم والجهاد، وذلك ما لخصه الدكتور عباس الجراري عندما أكد الزاوية في المغرب والشمال الإفريقي عامة "تعني المكان الذي يجتمع فيه شيخ مع أتباعه ومريديه وتلاميذه، ومكانا يتحد للعبادة والتعليم، كما يتخذ للإطعام والإيواء، وقد يتخذ للتعبئة والجهاد حين يقتضي الأمر ذلك"9.

وهكذا يتضح أن الزاوية المغربية، وخاصة في العصر السعدي، كانت عبارة عن مجموعة من المباني والمرافق ذات الطابع الديني والاجتماعي، كما كانت ميدانا لتعاطي العلم بشتى أصنافه وضروبه، علاوة على أنها كانت تعرف نظاما معينا يمدها بالقضاة والنظار والأساتذة وغيرهم.

وجدير بالذكر هنا أن إطلاق كلمة زاوية في المغرب، قد جاء بديلا لمصطلح "رباط" الذي يعني منشأة دينية وحربية، يتصل نظامها "بالجهاد أي الذب عن بلاد الإسلام والعمل على توسيع رقعتها بحد السيف"10.

وقد عرف المغرب مجموعة من الرباطات منذ عهوده الأولى كرباط "تيط نفطر" من بلاد أزمور، وهو "من أقدم الرباطات بالمغرب قبل المرابطين، من أهله أبو عبد الله محمد بن أبي جعفر إسحاق بن إسماعيل بن سعيد الصنهاجي المعروف بابن أمغار"11.

ولقد اشتهر الموحدون بإقامتهم لرباطات مختلفة كانوا يتخذونها معقلا لجيوشهم، ومنطلقا لهم في القيام بمهمة الجهاد كرباط تازا الذي حصنه عبد المومن الموحدي عام 528 هـ، والذي منه خرج لقتال المرابطيـن12، ورباط الفتح الذي كانت تتجمع فيه جيوش الموحدين لعبور البحر نحو الأندلس13، ورباط سلا الذي نوى عبد المومن الموحدي أن ينطلق منه إلى الجهاد، ولكنه مرض فمات14 فلم تتحقق رغبته.

وقد ارتبط مفهوم الزوايا بمصطلحات متعددة كالشيخ والمريد والفقير والطريقة، وهي مصطلحات تقتضي إعطاء لمحة قصيرة حول كل واحد منها.

فأما الشيخ فهو ذلك المثل الذي يحتذى ليصل بالناس إلى درجات الكمال والسمو والطهارة. ولعل من أطرف ما قيل في تعريفه قول بعضهم : "ليس الشيخ من سمعت منه، إنما شيخك من أخذت عنه، وليس شيخك من واجهتك عبارته، إنما شيخك الذي سرت فيك إشارته، وليس شيخك من دعاك إلى الباب، إنما شيخك من رفع بينك وبينه حجاب، وليس شيخك من واجهك مقاله، إنما شيخك من نهض بك حاله، شيخك هو الذي أخرجك من سجن الهوى، ودخل بك على المولى، شيخك هو الذي لازال يجلو مرآة قلبك، حتى تتجلى فيه أنوار ربك"14.

وواضح من هذا النص أن الشيخ الحقيقي هو الذي يستطيع أن ينفذ بتأثيره إلى أعماق الغير، فيسيرون سيرته، ويخطون خطواته.

على أن من المتصوفة من جعل هذا الشيخ مراتب ودرجات، ومنهم الشيخ زروق الذي جعل "الشيوخ ثلاثة : شيخ التعليم وشيخ الترقية وشيخ التربية، فأما شيخ التعليم فشروطه ثلاثة : تحصيل عقد لباب المتكلم، والقدرة على الإلقاء بلا تقصير، والإنصاف في الرد والقبول، وشيخ الترقية شروطه ثلاثة : البصرة والفور والهمة العالية، وشيخ التربية شروطه ثلاثة : علم المعاملة ظاهرا وباطنا، والبصيرة النافذة، والتجربة الحاصلة"16.

وأما المريد فهو الذي يتبع الشيخ فيأتمر بأمره، وينتهي لنهيه، وقد اشترط فيه اليوسي شروطا كثيرة منها :

- التزام طاعة الشيخ واحترامه.

- توقيره وإكرامه.

- تفضيله على غيره من أهل عصره.

- تخصيصه بالصحية ومشاورته.

- ألا يكتم عنه شيئا من أحواله.

- أن يصدقه.

- ألا يتعدى أمره.

- أن يبادر إلى فعل أمره.

- ألا يلبس لباسه.

- ألا يتزوج زوجة طلقها أو مات عنها.

- ألا يعترض عليه بلسانه أو بقلبه في شيء17...

أما الكرامات فهي ما يخص الله تعالى به عباده الصالحين، ويؤثرهم به على غيرهم من الخلق، وقد قال اليوسي نقلا عن بعض أئمة الدين : "تأملت فيما يعطيه الله تعالى عبده إذا أطاعه ولزم خدمته فوجدته على الجملة أربعين كرامة، عشرين منها في دار الدنيا، وعشرين في العقبى.

أما التي في الدنيا :

1)  أن يذكر الله.

2) أن يشكره ويعظمه.

3) أن يحبه.

4) أن يكون له وكيلا.

5) أن يكون برزقه كفيلا.

6) أن يكون له نصيرا.

7) أن يكون له أنيسا.

8) عز النفس.

9) رفع الهمة عن أقذار الدنيا.

10) طيبة النفس والغنى.

11) أن ينور الله قلبه.

12) أن يشرح الله صدره.

13) أن يجعل الله في قلوب الخلائق مهابته.

14) أن يجعل محبته في قلوب العباد.

15) البركة العامة في جميع الأحوال.

16) تسخير الأرض من بحر وبر.

17) تسخير الحيوان.

18) ملك مفاتيح الأرض.

19) الوجاهة على الله.

20) إجابة الدعوة18.

وأما التي في العقبى :

1) يهون عليك سكرات الموت.

2) التثبت على المعرفة والإيمان.

3) البشرى بالروح والريحان.

4) الخلود في الجنان.

5) التحية لروحه في السر من ملائكة السماء.

6) الأمن من فتن القبر.

7) توسيع القبر وتنويره.

8) إيناس روحه وإكرامها.

9) الحشر في العزة والكرامة.

10) بياض الوجه ونوره.

11) الأمن من الأهوال.

12) إعطاء الكتاب باليمين.

13) تيسير الحساب.

14) تثقيل الميزان.

15) ورود الحوض.

16) الشفاعة في عرصات القيامة

17) ملك الأبد في الجنة.

18)......19.

19) الرضوان الأكبر.

20) لقاء رب العالمين20.

وأما الفقير فهو الذي كسر نفسه ذلا وخضوعا لله تعالى، وزهد في ملذات الدنيا ومباهجها، وهو الآخر قد وضعت له شروط ثلاثة هي "الصدق والأدب والتعطش"21.

ومما قيل في الفقراء والتنويه بهم :

هـم الفقــراء عنهـم فــارو ذكـرا        وحـــدث عنهــم ســرا وجهــرا

هـم الفقــراء أهــل الـلـه حقــا           وقـد حـازوا بهـذا الفـقـر فـخــرا

هـم الفقــراء قـد صبـروا وذلــوا        فعـوضهـم بـذاك الصـبـر أجـــرا

هـم الفقــراء والـســادات  حـقـا         ومنهـم تكتـمـي الألــوان عــطـرا

وقـد كسـروا الـنـفوس لـه وذلــوا        فـآتـاهـم بـذاك الكـســر جـبــرا

وقـد زاروا الحبـيـب وشـاهـــدوه        وقـد سجـدوا لـه حـمـدا  وشـكــرا22

وكذلك قيل فيهم :

عبـاد اللــه ســـادات كــــرام            لهـم فـي الخـيـر إن لاح  انـبـعـاث

عـلامتهــم نـحــول و اصـفـرار        وإخـفــاء وأطـمــار رثـــــاث

فهـم للنــاس فـي الـدنـيـا  أمـان         مـن الأمـر المخـوف وهـم غـيــاث

أبـادوا صحـبـة الــدنيــا وقـالوا         طـلاقـك فـي شـريـعـتـنـا  ثـلاث23

 

ومن هنا دأب المتصوفة عل الترغيب على صحبتهم، وملازمتهم، والتأدب معهم، على غرار ما نقرأ في قول أبي مدين :

مـا لـذة العيـش إلا صحبـة الفقــرا     هـم السـلاطيـن والسـادات والأمــرا

فـاصحبهـم وتــأدب فـي مجالسهـم     وخـل حظــك مهمــا خلفــوك ورا

ولازم الصمـت إلا إن سئـلـت فـقـل    لا علـم عنـدي وكن بالصمـت مستتـرا24

وعلى غرار قول المرابي كذلك :

اصحـب أخـي كرام النـاس من كملت     كـل المحاسـن فيهـم أينمـا  ظـهـروا

واخضـع لهـم وتـأدب فـي  مجالسهم     تحظـى بمـا لهـم وكـل مـا ظـفـروا

إن الـكــرام   إذا رأوا محـبتـهـم          يسعـى فـي حبهـم، لحبــه ابـتـدروا25

وأما الطريقة فهي النهج الذي يختاره المتصوفة لأداء طقوسهم وأورادهم، وتتعدد الطرق بتعدد هذه المناهج والمسالك المعتمدة، ومن ثم كانت الطريقة الشاذلية والناصرية والريسونية والتيجانية والدرقاوية والعيساوية والحمدوشية... وإن كان ابن عطاء يذهب إلى أن :

الطـرق شتـى وطـرق الحـق مفـردة     والسـالكـون طـريق الـحـق  أفــراد

لا يعـرفـون ولا تــدرى  مقـاصدهم     فهـم علـى مهـل يمـشــون قصــاد

والنـاس فـي غفلــة عمـا يراد بهـم       فجلهـم عـن سـبـيـل الحـق  رقــاد26

تاريخ الزاوية المغربية

وقبل أن نتعرض إلى الزاوية المغربية في العصر السعدي، نشير أولا إلى وجود ظاهرة الزوايا خارج المغرب كذلك، حيث نذكر على سبيل المثال زاوية أبي مدين بالجزائر، والتي خربها الأتراك27، وزاوية الشيخ حسين السيجومي بتونس28، وزاوية أبي الشتاء بفشتالة، ولتي فر إليها محمد الشيخ المامون السعدي الذي كان خليفة لأبيه على فاس بعدما دعا لنفسه وقاومه أبوه، وقد بقي بهذه الزاوية إلى أن لحق به أنصار أبيه فأخرجوه وجاؤوا به إلى مكناس حيث سجن29، وزاوية أحمد الصادق بن عبد القادر التاركى اللمتوني بمدينة آكر بالسودان30، وزاوية الصفي القشاشي بالمدينة المنورة.31

أما في المغرب فيظهر – كما قال الدكتور عباس الجراري – أن مصطلح الزاوية "لم يكن شائعا عند المغاربة قبل القرن السابع الهجري، وربما كانت الزاوية المقامة لأبي محمد صالح في منتصف هذا القرن بآسفي من أولى المؤسسات التي حملت هذا الاسم بالمغرب"32.

ومن هذا المنطلق يكون ميلاد الزاوية بالمغرب مرتبطا بالفترة المرينية، لاسيما ونحن نجد من الإشارات التاريخية ما يدل على أن هذه الفترة قد عرفت بناء بعض الزوايا واحترام شيوخها وأصحابها.

فمما أكده ابن أبي زرع عن السلطان المريني يعقوب بن عبد الحق أنه "بنى الزوايا في الفلوات، وأوقف لها الأوقاف الكثيرة لإطعام عابري السبيل وذوي الحاجـــــات"33.

وضمن هذه الزوايا أيضا تلك التي أنشأها السلطان أبو عنان المريني بفاس سنة 754 كما هو مثبت في قول ابن جزي المكتوب على أحد جدرانها كما يقول المقري :

هـذا محـل الـفـضـل و الإيـثــار          والـرفـق بـالسـكــان والـــزوار

دار علـى الإحســان شيـدت والتقـى      فجـزاؤهـا الحسنـى و عقبـى الــدار

هـي ملجــأ للـوارديــن ومــورد          لابـن السبيـل و كـل ركــب ســار

آثــار مــولانــا الخليفـة  فـارس          أكـرم بهـا فـي المجــد مـن آثــار

لازال منـصــور اللــواء مظـفـرا         مـاضـي العـزائـم سـامـي  المقـدار

بنيـت على يـد عبـدهـم و خـديم بـا        بهـم العلـي محـمــد بــن  جــدار

فـي عـام أربعـة وخمسيـن  انقضـت      مـن بعـد سبـع منـيـن في  الأعصـار34

وقد سماها بالزاوية المتوكلية نسبة إلى لقبه المتوكل، "ثم صارت تعرف بدار الضيفان تلميحا لوظيفتها الإحسانية"35.

ويشهد التاريخ لهذا السلطان فإقامته لزوايا كثيرة بالمغرب، جاءت "معالم عمرانية ذات هندسة رقيقة، وآيات فنية يقل نظيرها، شبيهة بمدارس فاس التي تشهد بعظمة الدولة المرينية"36.

ونقتصر في هذا العدد على الإشارة إلى زاوية النساك بسلا، وكذلك الزاوية التي أقامها بمنطقة شالة37.

ومن الزوايا المرينية كذلك نشير إلى زاوية جد الشرفاء القادريين بفاس التي "كان أمر ببنائها الأمير أبو سالم إبراهيم المستعين بالله المريني، وتم بناؤها في أواخر رمضان في عام 762 هـ"38، ثم زاوية أبي عبد الله اليابوري التي "نزل بها أحمد بن محمد بن عاشر الأنصاري المتوفى عام 765 هـ"39.

ويذهب بعض الباحثين المعاصرين إلى أن اهتمام المرينيين بالزوايا، وإقامتهم لعدد وفير منها، يرجع إلى اهتمامهم بالتطور العلمي في المغرب، وخاصة في الميدان الروحي، مما جعلها مراكز تعليمية هامة، إلى جانب كونها مرافق اجتماعية40. على أن "بعض هذه الزوايا، وخاصة في الفترة الوطاسية، كانت تتمرد على السلطة الحاكمة في البلاد، حيث نجد بعض العلماء كالجزولي والتباع وغيرهما، يؤسس كل منهم زاويته، حيث يمارس فيها حياة حافلة بالأنشطة السياسية والدينية41.

وما أن نصل إلى العصر السعدي حتى نجد الزاوية المغربية قد تعاظم شأنها وتكاثرت أعدادها، وخلدت ذكرها بمواقفها المختلفة إن على صعيد الدين أو العلم أو السياسة. ويكفي أن نشير في هذا الميدان الأخير إلى أن أرباب الزوايا هم الذين ساعدوا أبا عبد الله القائم السعدي على ولوج بيت الملك كما يقول صاحب الاستقصا42. وكذلك نشير إلى لجوء الأمير محمد بن ويسعدون بكتانة يم زحزحه عمه المتوكل السعدي عن العرش كما نقرأ في سوس العالمة43 ونشير أيضا إلى ما كانت تتمتع به زاوية غصاوة من نفوذ وحظوة لدى السعديين لمساندتها لدعوتهم "إلى أن عصفت بهم ريح السياسة حيث كتب محمد بن علي الحاج الأعضاوي الرسالة الصريحة إلى محمد الشيخ المامون يوبخه ويتبرأ منه حين سلم مدينة العرائش للإسبانيين، فقتله بفاس"44. ونشير أخيرا إلى الدور السياسي المتميز الذي لعبته الزاوية الدلائية سواء داخل المغرب أو خارجه45.

وجدير بالملاحظة هنا أن أرباب الزوايا في هذه الفترة قد بلغوا من تقدير العامة مبلغا يدعو إلى الحيطة والحذر أحيانا. فنحن نقرأ عند الناصري قوله : "لما سنة 958 هـ أمر السلطان أبو عبد الله الشيخ بامتحان أرباب الزوايا والمتصدرين للمشيخة خوفا على ملكه منهم لما كان للعامة فيهم من الاعتقاد والمحبة والوقوف عند إشارتهم والتعبد بما يتناولونه من عباراتهم"46.

ولعل موقف الحيطة هذا قد تحول إلى مقاومة أحيانا، وخاصة مع المدعين والمشعوذين، وذلك حفظا لاستقرار الأمة المغربية وتحصينا لها من أسباب التفرقة والإضعاف، وقد جاء في كتاب المعسول تأكيدا لهذا الرأي قول محمد المختار السوسي : "على أن هناك في عصر مولاي أحمد الذهبي افتتح سنة 986 هـ وانتهى سنة 1012 هـ لنظرة خاصة إلى امتثال هؤلاء المتزيين بالصلاح والتصوف، فإن رجال الحكومة إذ ذاك ينظرون إليهم نظرا شررا أدى بكثير منهم إلى أن يلاقي التنكيل والهوان"47.

على أن مثل هذه الحالات لم تكن لتصد الحكام السعديين عن احترام شيوخ الزوايا وتوقيرهم أحياء، وتكريمهم أمواتا، كما نقرأ في نشر المثاني : "من خط أحفاد صاحب الترجمة48  وهو الإمام أبو عبد الله المسناوي أن زمن وفاة صاحب الترجمة في دولة السلطان أبي عبد الله محمد الشيخ بن السلطان أبي المعالي زيدان، وهو الذي بنى عليه القبة المذكورة"49.

ولعل من المفيد أن نستعرض بعضا من هذه الزوايا السعدية التي انتشرت في كافة أرجاء المغرب : مدنه وقراه، شماله ووسطه وجنوبه.

فمن زوايا الشمال المغربي نذكر :

- زاوية محمد بن الحاج نوار بتطوان50.

- زاوية أبي المحاسن يوسف الفاسي بتطوان51.

- زاوية علي الجعيدي بتطون52.

- زاوية محمد بن يوسف الفاسي والد أبي المحاسن بالقصر الكبير53.

- زاوية الشيخ جابر بن مخلوف الطليقي بالقصر الكبير54.

- زاوية محمد بن علي بن يوسف بوعسرية الفاسي بالقصر الكبير55.

- زاوية علي بن أحمد دفين مدشر المعاصيين من جبل صرصر قرب القصر الكبير56.

- زاوية أبي الحجاج يوسف بن الحسن التليدي قرب شفشاون57.

- زاوية أبي القاسم الحساني ببني حسان شمالي شفشاون58.

- زاوية عبد الله الهبطي بجبل الأشهب بحوز شفشاون59.

- زاوية محمد بن علي بن ريسون بقرية تاصروت قرب شفشاون60.

وقد خلفه في عمارتها ابنه محمد بن عبد الله الهبطي المعروف بالصغير.

- زاوية الحاج علي البقال الأغصاوي بغصاوة شمالي وزان61.

وقد خلفه في القيام بشؤونها ابنه محمد بن علي.

- زاوية عبد الوارث الياصلوتي ببني دركول62.

ومن زوايا وسط المغرب نذكر :

- زاوية أبي عبد الله الغماري المالقي بفاس63.

- زاوية عبد الوارث الياصلوتي بفاس64.

- زاوية أحمد بن يحيى اللمطي بفاس65.

- زاوية القاسم الدرعي الملقب بالغازي بفاس66.

- زاوية سيدي رضوان بفاس67.

- زاوية أبي المحاسن يوسف الفاسي بفاس68.

- زاوية أحمد بن محمد الشاوي بفاس69.

- زاوية عبد الرحمن بن يوسف الفاسي بفاس70.

- زاوية قاسم بن رحمون بفاس71.

- زاوية محمد بن عبد الله معن بفاس72.

- زاوية حمدون بن عبد الرحمن الملاحقي بفاس73.

- زاوية الحسن بن إبراهيم السفياني بفاس74.

- زاوية أحمد بن محمد الشاوي بالكطاوي بناحية فاس75.

- زاوية أحمد بن محمد الشاوي بأبي شابل بناحية فاس76.

- زاوية أحمد بن محمد الشاوي ببني ظهير قرب وادي سبو77.

- زاوية أحمد بن محمد الشاوي بكربال على وادي سبو78.

- زاوية محمد بن زمام الرياحي على وادي سبو79.

- زاوية سيدي سعيد بن أبي بكر بمكناس80.

- زاوية عبد الله الخياط بزرهون81.

- زاوية محمد القجيري بسلا82.

- زاوية أحمد بن القاسم الصومعي بتادلا83.

- زاوية أبي بكر بن سعيد الدلائي بتادلا84.

- زاوية محمد بن أبي بكر العياشي بميدلت85.

وأما زوايا الجنوب المغربي فنذكر منها :

- زاوية أبي محمد الكوش بمراكش86.

- زاوية عبد الله بن ساسي على وادي تانسيفت بمراكش87.

- زاوية عبد الله بن حساين الأمغاري بتامصلوحت بناحية مراكش88.

- زاوية أبي القاسم الشيخ بدرعة89.

- زاوية سيدي محمد بن المهدي الجراري بدرعة90.

- زاوية أحمد بن علي بن داود لدرعي بدرعة91.

- زاوية أحمد بن إبراهيم الدرعي بدرعة92.

- زاوية سيدي علي التمكروتي بدرعة93.

- زاوية أبي حفص عمر الأنصاري بتامكروت94.

- زاوية محمد بن ويسعدن العمري السكتاني بسكتانة شمالي شرقي تارودانت95.

- زاوية عبد الله بن سعيد المناني الحاحي بزداغة شمالي شرقي تارودانت96.

- زاوية علي بن مخلوف بن زيدان جد الأشراف العلويين بسوس97.

- زاوية عبد الله بن عمر المدغري بمدغرة98.

- زاوية عمر بن محمد الشامي الخزرجي بوكرت99.

- زاوية عبد الله بن طمطم بتوات100.

ولعلنا من خلال هذه الظفرة الهائلة من الزوايا السعدية، والتي لم نذكر هنا إلا بعضها، نستطيع أن نخرج بالملاحظات الآتية :

1) أن هذه الزوايا ظهرت – بل انتشرت – في فترة مضطربة من تاريخ المغرب، هي الفترة التي تقع بين الدولتين : السعدية في انهيارها وتصدعها، والعلوية في بدايتها واستقرارها. وهي فترة زاد فيها تعرض المغرب للأطماع الاستعمارية، تلك التي تمثلت منذ القرن الخامس عشر الميلادي في احتلال بعد الشواطئ المغربية من قبل الإسبانيين والبرتغاليين، فقد وقع احتلال سبتة عام 1415م، وطنجة عام 1461م، وأصيلا عام 1471م، والعرائش سنة 1489م، وآسفي عام 1508م، والجديدة سنة 1502م، وأكادير عام 1505م، وأزمور عام 1513م، فالمعمورة عام 1515م.

ورغم محاولات الحكام السعديين الرامية إلى استرجاع هذه الشواطئ، فإن هذه المحاولات لم تحسم الموضوع حسما، بل إن بعض المصادر تذهب إلى عجز السعديين المتأخرين عن ذلك نظرا لأسبـاب متعـددة101، الشيء الذي أتاح الفرصة لنشوء حركة وطنية ودينية قادها شيوخ الزوايا من أجل القيام بما عجز عنه السعديون، ومحاولة صد هجومات ومضايقات العدو الإسباني والبرتغالي التي كانت تتزايد بين الحين والحين، ومن ثم نلاحظ أن هؤلاء الشيوخ – ومن خلالهم الزوايا طبعا – قد لعبوا دورا متميزا في سبيل استرجاع الثغور وتوجيه حركة الجهاد التي فرضتها الظروف إذ ذاك.

2) وجدر بالملاحظة أن من هؤلاء الشيوخ ونظرا لرغبتهم الملحة في الجهاد وتهيئ الناس لـه دينيا ونفسيا، من كان لا يكتفي بإقامة زاوية واحدة، بل إنه كان يعمل على تشييد أكثر من زاوية، سواء في المدينة الواحدة، أو في مدن ومناطق مختلفة. ويكفي أن نذكر في هذا المجال الشيخ عبد الوارث الياصلوتي الذي أسس زاوية بفاس وأخرى ببني دركول، والشيخ أبا المحاسن الفاسي صاحب زاوية بفاس وأخرى بتطوان، والشيخ أبا محمد القاسم الملقب بالغازي الذي كانت "له زوايا بفاس وأخرى منتشرة في الحواضـر والبـوادي"102 والشيخ أحمد بن محمد الشاوي صاحب الزوايا المتعددة بفاس.

وقد نجد في المضمار نفسه أفراد الأسرة الواحدة يؤسس كل منهم زاوية، كما هو الشأن مثلا بالنسبة للشيخ أبي المحاسن الفاسي الذي أسس زاويته بحي المخفية بفاس، وأخيه أبي زيد عبد الرحمن الذي أسس زاويته بحي القلقليين من فاس كذلك.

3) ولعل هذه الرغبة في الجهاد عسكريا وروحيا هي التي حملت شيوخ الزوايا السعدية – أو نخبة منهم على الأقل – على تطعيم خط الاستمرار والاتصال لحركة الزوايا، حيث نجد من الشيوخ من يأذنون لبعض تلاميذهم ومريديهم بإقامة زوايا جديدة، وفي مناطق متعددة. وكنموذج لهذه الظاهرة نشير إلى :

- الشيخ عبد الله بن حساين الأمغاري صاحب زاوية امصلوحت الذي أذن لتلميذه محمد بن علي بن ريسون بتأسيس زاويته بقرية تاصروت قرب شفشاون.

- الشيخ عبد الله الخياط صاحب زاوية زرهون الذي أذن لتلميذه أبي الطيب يحيى بن أبي القاسم الجباوي103 دفين ميسور بتأسي زاوية ملوية.

- الشيخ أبي المحاسن يوسف الفاسي صاحب الزاويتين بفاس وتطوان أذن لتلميذه محمد بن الحاج نوار بتأسيس زاوية تطوان.

- الشيخ محمد بن أبي بكر الدلائي صاحب الزاوية الدلائية الذي أذن لتلميذه محمد بن أبي بكر العياشي بإقامة زاويته بميدلت.

- الشيخ أحمد الشاوي وصاحب الزوايا بنواحي فاس الذي أذن لتلميذه موسى بن سعيد الدراوي بتأسيس زاويته بمدشر تاغزوت قرب صفرو بناحية فاس.

4) أن هذه الزوايا قد حافظت على استمرارية المنهج السني في المغرب، واستمرار التمسك بالمذهب المالكي الذي كان المغاربة وما يزالون متشبثون به، عاملين بأحكامه وتشريعاته، وقد تجلى هذا الحفاظ في كل من الأعمال الفكرية والعلمية التي صدرت عن رجال هذه الزوايا أو درست في رحابها، وكذلك في انتهاج الطريقة الشاذلية المتصلة بالإمام أبي القاسم الجنيد104.

ويكفي أن نشير مثلا إلى الزاوية الدلائية التي كانت طريقتها هي الأخرى شاذلية، علما بأنها تعتبر أكثر الطرق تجدرا في المجتمع المغربي نظرا لقربها من الكتاب والسنة، وابتعادها عن مظاهر الغلو والتفلسف105. ومن ثم كانت أكثر الطرق الصوفية "انتشارا بالمغرب حتى إنها لتعتبر الطريقة الرسمية في هذه البلاد، إلى جانب المذهب المالكي في الفقه والعقائد الأشعرية في التوحيد"106، وقد جمع هذه العناصر الثلاثة عبد الواحد بن عاشر في رجزه "المرشد المعين" فقال :

فـي عقـد الأشعـري وفقـه مـالـك  وفـي طـريقـة الجنـيـد السـالـك

5) أن هذه الزوايا ساهمت إلى حد بعيد في إغناء الحركة الفكرية والأدبية بالمغرب، تلك المساهمة التي ستكون موضوع القسم الثاني من هذا البحث بحول الله.

آخر الأخبار