أسعار اللحوم تفجر الجدل مجددا حول فعالية دعم 13 مليار درهم

الكاتب : انس شريد

19 أبريل 2026 - 06:30
الخط :

عاد الجدل حول مآل صرف غلاف مالي ضخم يناهز 13 مليار درهم لدعم استيراد اللحوم الحمراء إلى واجهة النقاش العمومي بالمغرب، تزامنا مع اقتراب عيد الأضحى، في ظل استمرار ارتفاع الأسعار وتنامي القلق لدى الأسر بشأن قدرتها على تلبية متطلبات هذه المناسبة الدينية.

ويأتي ذلك في سياق اقتصادي دقيق يتسم بتراجع القدرة الشرائية وارتفاع كلفة المعيشة، ما يجعل ملف اللحوم الحمراء أحد أبرز عناوين التوتر الاجتماعي خلال المرحلة الراهنة.

وتشير معطيات ميدانية متقاطعة توصلت بها “الجريدة 24” من مهنيين في القطاع إلى تسجيل تقلبات ملحوظة في أسعار اللحوم، خاصة لحوم الأغنام، التي بلغت في أسواق الجملة حوالي 135 درهما للكيلوغرام، فيما تجاوزت في محلات البيع بالتقسيط عتبة 150 و160 درهما، مقارنة بمستويات سابقة كانت تتراوح بين 90 و100 درهم.

هذا الارتفاع يعكس اختلالا واضحا في توازن العرض والطلب، ويغذي مخاوف المستهلكين من موجة غلاء جديدة مع اقتراب ذروة الاستهلاك.

ورغم اعتماد الحكومة حزمة من التدابير الاستثنائية، من بينها الإعفاءات الجمركية والضريبية على واردات اللحوم، فإن هذه الإجراءات لم تنعكس، بحسب متتبعين، بشكل ملموس على الأسعار النهائية، ما يطرح تساؤلات جدية حول نجاعة هذه السياسات ومدى وصول أثرها إلى المستهلك.

ويؤكد مهنيون أن تعدد الوسطاء داخل سلاسل التوزيع وغياب الشفافية في تحديد هوامش الربح يساهمان في تضخم الأسعار، ويحولان دون تحقيق التوازن المنشود داخل السوق.

وفي محاولة لتخفيف الضغط، تتجه السلطات إلى تعزيز العرض عبر استيراد أعداد إضافية من رؤوس الأغنام والأبقار من الأسواق الأوروبية وأمريكا اللاتينية، حيث استقبلت الموانئ المغربية خلال الأيام الماضية شحنات جديدة من سلالات موجهة للاستهلاك، في إطار خطة استعجالية تستهدف تدارك الخصاص المسجل في القطيع الوطني.

كما تفيد المعطيات ذاتها ببرمجة استيراد عشرات الآلاف من رؤوس الأبقار خلال الفترة المقبلة، بهدف مواجهة الطلب المتزايد وضبط إيقاع السوق.

غير أن خيار الاستيراد، رغم طابعه العملي، يواجه انتقادات متزايدة من قبل فاعلين مهنيين ونقابيين، الذين يرون أنه لا يشكل حلا مستداما في غياب إصلاحات هيكلية لمنظومة الإنتاج والتوزيع.

ويعتبر هؤلاء أن توجيه الدعم العمومي يجب أن يرتبط بشروط واضحة تضمن حماية القدرة الشرائية للمواطنين، بدل أن يتحول إلى امتياز تستفيد منه فئات محدودة داخل السوق.

في هذا السياق، عبرت المنظمة المغربية لحقوق الإنسان ومكافحة الفساد عن قلقها مما وصفته باختلالات حادة في سوق اللحوم، مشيرة إلى وجود فارق كبير بين أسعار الاستيراد، التي تتراوح بين 35 و40 درهما للكيلوغرام، والأسعار النهائية التي تصل إلى أكثر من 130 درهما.

واعتبرت في بلاغ لها أن هذا الفارق يعكس تضخما غير مبرر في هوامش الربح، نتيجة تعدد الوسطاء وغياب آليات المراقبة الفعالة، ما يؤدي إلى إفراغ الدعم العمومي من أهدافه الاجتماعية.

كما حذرت الهيئة ذاتها من ممارسات تضر بحقوق المستهلك، من بينها عدم توضيح مصدر اللحوم المعروضة للبيع، واحتمال خلط اللحوم المستوردة بالمحلية دون إشعار، وهو ما يفاقم أزمة الثقة داخل السوق ويقوض قواعد المنافسة الشريفة.

ودعت إلى فتح تحقيق شامل لتحديد المسؤوليات، وربط أي دعم مستقبلي بالتزامات دقيقة تضمن تحديد سقف للأسعار وتوجيه الدعم نحو الفئات المستحقة.

وعلى المستوى السياسي، دخل مجلس النواب على خط هذا الجدل، حيث وجهت النائبة البرلمانية عن حزب العدالة والتنمية، ربيعة بوجة، سؤالا كتابيا إلى وزير الفلاحة والصيد البحري والتنمية القروية والمياه والغابات، أحمد البواري، تساءلت فيه عن مآل الإجراءات التي اتخذتها الوزارة لضبط السوق. وأشارت إلى أن الغلاف المالي المرصود، إلى جانب التسهيلات الجبائية والجمركية، لم يحقق النتائج المرجوة، في ظل استمرار الأسعار في مستويات مرتفعة.

وأثارت النائبة البرلمانية ذاتها جملة من النقاط المرتبطة بمعايير اختيار المستوردين المستفيدين من الدعم، والبالغ عددهم 133 مستوردا، متسائلة عن أسباب إقصاء الكسابة الصغار والمتوسطين من هذه العملية.

كما طالبت بتوضيحات حول المعطيات التي تتحدث عن استفادة فاعلين سياسيين ومنتخبين من رخص الاستيراد، في ظل شبهات تضارب المصالح، داعية إلى الكشف عن نتائج أي تحقيق محتمل في هذا الصدد.

كما تساءلت عن مصير أزيد من 280 ألف رأس من الماشية تم استيرادها، وما إذا كانت قد وجهت فعلا إلى السوق بالأسعار المتفق عليها، مبرزة الحاجة إلى آليات صارمة لمراقبة الوسطاء الذين يتحكمون في هوامش الربح بين المستورد والمستهلك.

واعتبرت أن استمرار ارتفاع الأسعار رغم كل هذه التدابير يطرح فرضية هدر المال العام، ويستدعي تقييما شاملا لسياسات الدعم، خاصة في إطار مخطط “الجيل الأخضر” في شقه المتعلق باللحوم الحمراء.

ويضع هذا الجدل المتصاعد الحكومة أمام اختبار حقيقي لمدى قدرتها على تحقيق التوازن بين متطلبات السوق وحماية القدرة الشرائية للمواطنين، في ظرفية تتسم بتحديات اقتصادية واجتماعية متزايدة، ما يجعل من ملف اللحوم الحمراء قضية ذات أبعاد تتجاوز البعد القطاعي إلى رهانات الثقة في السياسات العمومية.

آخر الأخبار