هل تكشف نهاية الولاية تصدعات عميقة داخل الأغلبية الحكومية؟

الكاتب : انس شريد

16 مايو 2026 - 06:30
الخط :

يشهد المشهد السياسي المغربي مع اقتراب الاستحقاقات التشريعية المرتقبة في شتنبر المقبل تصاعدا غير مسبوق في حدة التوتر بين مكونات الأغلبية الحكومية، وسط تبادل متزايد للاتهامات والخطابات السياسية الحادة التي تعكس بداية مبكرة لمعركة انتخابية يبدو أنها ستتخذ طابعاً صدامياً خلال الأشهر المقبلة.

فبعد سنوات من التماسك النسبي داخل التحالف الحكومي، بدأت الخلافات تطفو إلى السطح بشكل علني، خاصة في ظل الضغوط الاجتماعية والاقتصادية المرتبطة بارتفاع أسعار المواد الغذائية والمحروقات وتراجع القدرة الشرائية للمواطنين، وهي الملفات التي تحولت إلى محور رئيسي للصراع السياسي ومحاولة كل طرف تحميل المسؤولية للآخر أمام الرأي العام.

وتكشف التصريحات المتبادلة بين قيادات حزب التجمع الوطني للأحرار وحزب الاستقلال عن وجود تباين واضح في الرؤية السياسية والاقتصادية داخل الحكومة، رغم استمرار الطرفين في التأكيد رسمياً على وحدة الأغلبية.

غير أن الخطاب السياسي الذي بات يتبناه كل حزب يعكس رغبة مبكرة في التموقع الانتخابي واستقطاب الشارع، خصوصاً مع تصاعد الانتقادات المرتبطة بتدبير الحكومة للملفات الاجتماعية والاقتصادية.

وفي هذا السياق، وجّه رئيس حزب التجمع الوطني للأحرار، محمد شوكي، انتقادات حادة لما وصفه بـ”السياسات البائدة”، في رد سياسي اعتبره متابعون موجهاً بشكل غير مباشر إلى مواقف الأمين العام لحزب الاستقلال نزار بركة بشأن ملفات الأسعار والتجارة والتوزيع.

وأكد شوكي، خلال لقاء سياسي بمدينة فاس ضمن محطة “مسار المستقبل”، أن الحكومة ماضية في تنزيل إصلاحاتها الاقتصادية والاجتماعية بعيداً عن ما اعتبره “الشعارات والسجالات العقيمة”، مشدداً على أن المغرب اختار منذ سنوات نهج الاقتصاد الحر القائم على المنافسة والانفتاح الاقتصادي.

ودافع المسؤول الحزبي عن الاختيارات الاقتصادية التي تتبناها الحكومة بقيادة عزيز أخنوش، معتبراً أن العودة إلى نماذج تدبيرية قديمة لم تعد قادرة على مواكبة التحولات الاقتصادية الراهنة.

وأوضح أن دور الدولة ينبغي أن يتركز على تعزيز المنافسة الحرة والشفافة وخلق بيئة اقتصادية محفزة للاستثمار والإنتاج، مشيراً إلى أن التجارب السابقة لبعض المؤسسات العمومية تقدم، بحسب تعبيره، “دروساً وعِبَراً” حول محدودية بعض المقاربات التقليدية في التدبير الاقتصادي.

ولم يخف شوكي خلال مداخلته وجود انزعاج داخل حزبه من الانتقادات المتزايدة التي يوجهها بعض حلفاء الأغلبية للحكومة، حيث شدد على أن الإصلاح لا يمكن أن يتحقق عبر “المزايدات السياسية” أو “الخطاب الشعبوي”، معتبراً أن المرحلة الحالية تتطلب قرارات عملية وسياسات واقعية تستجيب للتحولات الاقتصادية والاجتماعية التي يعيشها المغرب.

كما أشاد بما وصفه بالدينامية الحكومية في عدد من القطاعات، خصوصاً التعليم والاستثمار والبنيات الصناعية، مؤكداً أن الحكومة تمكنت من إطلاق أوراش اجتماعية واقتصادية كبرى رغم الظرفية الدولية الصعبة.

وكان الأمين العام لحزب الاستقلال نزار بركة، قد وجه يوم أمس الجمعة، خلال لقاء حزبي بمدينة سيدي قاسم رسائل سياسية قوية إلى مكونات الحكومة، منتقداً بشكل واضح طريقة تدبير الأزمات الاجتماعية والاقتصادية خلال السنوات الأخيرة.

وأكد بركة، أن الدولة القوية هي التي تحمي المواطنين في تفاصيل حياتهم اليومية، وليس تلك التي تكتفي بتبرير الأزمات بعد وقوعها، في إشارة فُهمت على نطاق واسع باعتبارها انتقاداً مباشراً للسياسات الحكومية الحالية.

وشدد بركة على أن ارتفاع أسعار المواد الغذائية والطاقة والمنتجات الأساسية أصبح يشكل تهديداً حقيقياً للتوازنات الاجتماعية والاستقرار الاقتصادي، معتبراً أن استمرار تدهور القدرة الشرائية من شأنه أن يفاقم هشاشة الفئات المتوسطة والفقيرة ويزيد من حدة التوترات الاجتماعية.

وأوضح أن حزب الاستقلال يدافع عن نموذج اقتصادي واجتماعي يجعل حماية القدرة الشرائية جزءاً من الأمن الاستراتيجي الوطني، من خلال التصدي للمضاربات والامتيازات غير المشروعة وتوجيه السياسات العمومية نحو تخفيف أعباء المعيشة وتحقيق العدالة الاجتماعية والمجالية.

وفي معرض حديثه عن مفهوم السيادة الاقتصادية، أكد بركة أن المغرب مطالب بالحفاظ على استقلالية قراره الاقتصادي وتعزيز قدرته على مواجهة الصدمات الخارجية والتقلبات الدولية، عبر تطوير الاقتصاد الوطني وتقوية الموارد الذاتية وتحديث النظام الضريبي وتحفيز الاستثمار المنتج.

واعتبر أن السيادة الاقتصادية لا تقتصر فقط على تطوير الإنتاج المحلي، بل تشمل أيضاً قدرة الدولة على حماية المواطنين من تداعيات الأزمات الدولية والتضخم المستورد وضمان توزيع عادل لثمار النمو الاقتصادي.

كما شدد الأمين العام لحزب الاستقلال على أن ما سماه “ثقافة الهمزة والتفرقيش” أصبح ينتشر بشكل مقلق داخل الأسواق المغربية، معتبرا أن هذه الظواهر ساهمت في تعميق معاناة الأسر ورفع أسعار عدد من المواد الأساسية، في وقت تتزايد فيه المطالب الشعبية بالتدخل من أجل ضبط الأسواق ومحاربة المضاربة.

وفي خطوة تحمل أبعادا سياسية وانتخابية واضحة، كشف بركة عن توجه حزبه نحو إطلاق شركات متخصصة في توزيع المواد الأساسية، بهدف تقليص دور الوسطاء داخل سلاسل التوزيع والمساهمة في ضبط الأسعار، معتبرا أن هذا المشروع يشكل جزءا من التصور الذي يحمله الحزب لمعالجة اختلالات السوق وتعزيز العدالة الاقتصادية والاجتماعية.

ومع اقتراب العد التنازلي للاستحقاقات التشريعية المقبلة، تبدو الساحة السياسية المغربية مرشحة لمزيد من التجاذبات الحادة بين مختلف الفاعلين السياسيين، في ظل استمرار الضغوط الاجتماعية وارتفاع سقف الانتظارات الشعبية المرتبطة بتحسين الأوضاع المعيشية.

وبين خطاب يدافع عن استمرار الإصلاحات الاقتصادية وخطاب يطالب بتشديد الحماية الاجتماعية والتدخل لضبط الأسواق والأسعار، تتجه الأنظار إلى قدرة الأغلبية الحكومية على تجاوز خلافاتها الداخلية والحفاظ على الحد الأدنى من الانسجام السياسي قبل الدخول الرسمي في أجواء المنافسة الانتخابية.

آخر الأخبار