ضغط نهاية الولاية الحكومية يعيد ملف إصلاح التقاعد إلى طاولة الحوار الاجتماعي
عاد ملف إصلاح أنظمة التقاعد ليتصدر واجهة النقاش السياسي والاجتماعي بالمغرب مع اقتراب العد العكسي لنهاية الولاية الحكومية الحالية، في وقت تستعد فيه الحكومة لاستئناف جلسات الحوار الاجتماعي مع المركزيات النقابية من أجل مناقشة واحد من أكثر الملفات حساسية وتعقيدا داخل المشهد الاجتماعي المغربي، بالنظر إلى ارتباطه المباشر بملايين الأجراء والمتقاعدين وبالتوازنات المالية للدولة في آن واحد.
ووفقا للمعطيات المتوفرة للجريدة 24 من مصادرها، فإن الحكومة شرعت خلال الأيام الأخيرة في توجيه دعوات رسمية إلى النقابات الأكثر تمثيلية من أجل استئناف جلسات الحوار الخاصة بإصلاح أنظمة التقاعد، حيث يرتقب عقد اجتماع جديد يوم 15 يونيو المقبل، بعد فترة من الجمود أثارت الكثير من الجدل داخل الأوساط النقابية والسياسية.
ويأتي هذا التحرك الحكومي في ظرفية اجتماعية واقتصادية دقيقة تتسم باستمرار ارتفاع أسعار المواد الأساسية وتزايد الضغوط المرتبطة بتكاليف المعيشة، ما جعل ملف التقاعد يتجاوز طابعه التقني والمالي ليتحول إلى قضية اجتماعية ذات امتدادات سياسية وانتخابية واسعة، خاصة مع تصاعد شكاوى المتقاعدين بشأن تراجع القدرة الشرائية وضعف المعاشات مقارنة بالارتفاع المتواصل في نفقات العلاج والسكن والمواد الاستهلاكية.
ويضع هذا الواقع حكومة عزيز أخنوش أمام تحد سياسي واجتماعي معقد خلال سنتها الأخيرة قبل انتخابات 2026، خصوصا في ظل تباين الرؤى بين الحكومة والنقابات حول طبيعة الإصلاح المطلوب وحدوده الاجتماعية وكلفته المالية، إلى جانب التخوف من أن يؤدي أي قرار غير توافقي إلى توسيع منسوب الاحتقان الاجتماعي في مرحلة سياسية حساسة.
وكانت الحكومة قد قررت خلال شهر أبريل الماضي تأجيل اجتماع اللجنة التقنية المكلفة بإصلاح أنظمة التقاعد، مع استبعاد الملف من جولات الحوار الاجتماعي الأخيرة، وهو القرار الذي خلف موجة انتقادات واسعة من طرف المركزيات النقابية وهيئات المتقاعدين، التي اعتبرت أن استمرار التأجيل يزيد من تعقيد الأزمة ويرفع الكلفة المستقبلية لأي إصلاح مرتقب.
وترى أطراف من المعارضة البرلمانية أن ضيق الزمن السياسي المتبقي قبل الاستحقاقات الانتخابية المقبلة قد يصعب إمكانية فتح نقاش مؤسساتي عميق ومسؤول حول مستقبل أنظمة التقاعد، معتبرة أن الحكومة مطالبة بتقديم تصور واضح يوازن بين الحفاظ على ديمومة الصناديق وحماية القدرة الشرائية للمتقاعدين، بدل الاكتفاء بتأجيل الحسم في الملف.
وفي المقابل، تؤكد الحكومة في خرجاتها الرسمية أن إصلاح صناديق التقاعد يظل ضمن أولوياتها الاجتماعية والمالية، مشددة على أن استدامة هذه الأنظمة تمثل شرطا أساسيا للحفاظ على الاستقرار الاجتماعي وضمان استمرارية صرف المعاشات خلال السنوات المقبلة، خاصة في ظل التحولات الديمغرافية المرتبطة بارتفاع أعداد المتقاعدين مقابل تقلص عدد المساهمين النشطين.
ويأتي استئناف الحوار الاجتماعي في وقت عاد فيه غضب المتقاعدين إلى الواجهة من خلال الوقفات الاحتجاجية التي شهدتها العاصمة الرباط خلال الأيام الماضية، بعدما نظم متقاعدون مدنيون وقفات أمام البرلمان للتنديد بما وصفوه باستمرار تجميد المعاشات وتجاهل المطالب الاجتماعية لفئة تعاني من ارتفاع تكاليف المعيشة وتدهور الأوضاع الصحية.
ورفع المحتجون شعارات تنتقد ما اعتبروه غيابا للعدالة الاجتماعية في التعامل مع ملف التقاعد، معتبرين أن آلاف المتقاعدين أصبحوا غير قادرين على مواجهة أعباء الحياة اليومية بسبب ضعف المعاشات وارتفاع أسعار الأدوية والخدمات الصحية، في وقت يرون فيه أن الخطاب الرسمي المرتبط بمفهوم “الدولة الاجتماعية” لا ينعكس بشكل فعلي على أوضاعهم المعيشية.
كما حمل متقاعدون الدولة مسؤولية الاختلالات المالية التي تعرفها بعض صناديق التقاعد، متسائلين عن مصير ديون المؤسسات العمومية تجاه هذه الصناديق وعن أسباب تحميل المتقاعدين تبعات أزمات مالية وتدبيرية لم يكونوا طرفا فيها، مؤكدين أن أي إصلاح لا يمكن أن يتم على حساب الفئات الهشة أو من خلال تقليص المكتسبات الاجتماعية.
ومن جهتها، رفعت المنظمة الديمقراطية للشغل من سقف انتقاداتها تجاه الحكومة، متهمة إياها بمواصلة سياسة “الهروب إلى الأمام” في تدبير ملف التقاعد وعدم التفاعل بالشكل المطلوب مع المطالب الاجتماعية للمتقاعدين والأرامل وذوي الحقوق، خاصة في ظل استمرار موجة الغلاء التي تثقل كاهل الأسر المغربية.
وأكدت المنظمة أن فئات واسعة من المتقاعدين المدنيين والعسكريين تتقاضى معاشات تتراوح بين 1000 و2000 درهم فقط، معتبرة أن هذه الأرقام تعكس حجم الهشاشة الاجتماعية التي يعيشها عدد كبير من كبار السن بالمغرب، في وقت تزداد فيه المصاريف المرتبطة بالعلاج والرعاية الصحية بشكل متواصل.
وأضافت الهيئة النقابية أن نحو 2.5 مليون مسن بالمغرب يوجدون خارج أي نظام للتقاعد، بينما يعتمد حوالي 70 في المائة منهم على التضامن العائلي كمصدر أساسي للعيش، وهو ما يطرح، بحسب المنظمة، تحديات اجتماعية حقيقية مرتبطة بمستقبل الحماية الاجتماعية والشيخوخة داخل المملكة.
كما حذرت المنظمة من تفاقم الأوضاع الصحية والنفسية للمتقاعدين، مشيرة إلى أن نسبة مهمة منهم تعاني من أمراض مزمنة تتطلب علاجات مكلفة، في وقت تستمر فيه الاقتطاعات المرتبطة بالتغطية الصحية رغم ضعف قيمة المعاشات، ما يزيد من حدة الضغوط الاجتماعية التي تواجهها هذه الفئة.
وطالبت النقابة بإقرار زيادة فورية في معاشات التقاعد والأرامل لا تقل عن 2000 درهم كحد أدنى، إلى جانب مراجعة القوانين المؤطرة للقطاع بما يضمن ربط المعاشات بنسبة التضخم وأي زيادات مستقبلية في أجور الموظفين، فضلا عن توفير تغطية صحية شاملة لفائدة المتقاعدين وإعفائهم من بعض الاقتطاعات المرتبطة بالعلاج والتأمين الصحي.
كما دعت إلى إشراك ممثلي المتقاعدين داخل جولات الحوار الاجتماعي وتمكينهم من الحضور داخل المجالس الإدارية لصناديق التقاعد، معتبرة أن أي إصلاح لا يضع البعد الاجتماعي والإنساني في صلب أولوياته سيظل عاجزا عن معالجة جذور الأزمة المتفاقمة التي تهدد مستقبل أنظمة التقاعد بالمغرب.