اجتماعات مكثفة بالبرلمان.. هل تشكل الأشهر الأخيرة فرصة لتدارك اختلالات التشغيل؟
مع اقتراب العد العكسي لانتهاء الولاية الحكومية الحالية، يتواصل النقاش السياسي والمؤسساتي حول حصيلة عدد من القطاعات الوزارية ومدى قدرتها على الوفاء بالالتزامات التي تضمنها البرنامج الحكومي، وفي مقدمتها قطاع الإدماج الاقتصادي والمقاولة الصغرى والتشغيل والكفاءات، الذي يقوده الوزير يونس السكوري.
وبينما تؤكد الحكومة أن الإصلاحات التي تم إطلاقها خلال السنوات الأخيرة بدأت تعطي نتائج ملموسة على مستوى التشغيل والإدماج المهني، ترى أصوات سياسية ونقابية أن المرحلة الراهنة تستدعي تقييماً دقيقاً وشفافاً للسياسات المعتمدة ومدى انعكاسها الفعلي على أوضاع الباحثين عن الشغل والطبقة العاملة.
وفي هذا السياق، عاد ملف التشغيل إلى واجهة النقاش البرلماني خلال الاجتماعات الأخيرة للمؤسسات التشريعية، حيث قدم وزير الإدماج الاقتصادي والمقاولة الصغرى والتشغيل والكفاءات، يونس السكوري، يوم أمس الثلاثاء أمام أعضاء لجنة القطاعات الاجتماعية بمجلس النواب، مشروع القانون رقم 51.25 المتعلق بتغيير وتتميم الظهير الشريف رقم 1.93.16 الصادر بتاريخ 23 مارس 1993، والمتعلق بتحديد التدابير الرامية إلى تشجيع المقاولات التي تقوم بتدريب الحاصلين على بعض الشهادات في إطار التكوين من أجل الإدماج.
ويهدف المشروع الجديد إلى توسيع قاعدة المستفيدين من برنامج "إدماج"، من خلال فتح المجال أمام فئات جديدة لم تكن مشمولة سابقاً، وعلى رأسها الباحثون عن الشغل غير الحاصلين على شهادات، في خطوة تعتبرها الوزارة استجابة للتحولات التي يشهدها سوق العمل الوطني ولمتطلبات عدد من القطاعات الاقتصادية التي تواجه صعوبات متزايدة في توفير اليد العاملة المؤهلة، خصوصاً في مجالات الفلاحة والبناء والأشغال العمومية.
كما يتضمن المشروع تعديلات تهم مدة الاستفادة من عقود التدريب، إذ يقترح تقليصها إلى اثني عشر شهراً غير قابلة للتجديد، عوض أربعة وعشرين شهراً كما كان معمولاً به سابقاً، وهو إجراء تقول الحكومة إنه يهدف إلى تشجيع المقاولات على الانتقال بشكل أسرع من مرحلة التدريب إلى التشغيل الفعلي، بما يساهم في تحسين فرص الإدماج المهني وتقليص فترات الانتظار بالنسبة للباحثين عن العمل.
وخلال مناقشة المشروع، قدم الوزير معطيات رقمية اعتبرها مؤشراً على تطور أداء البرنامج خلال السنوات الأخيرة، موضحاً أن الحكومة تستهدف توفير 180 ألف فرصة إدماج عبر برنامج "إدماج" خلال سنة 2026، مقابل ما يقارب 130 ألف فرصة خلال السنة الماضية.
كما أشار إلى أن عدد المستفيدين من البرنامج سنة 2021 لم يتجاوز 90 ألف شخص، في حين بلغ أعلى مستوى قبل جائحة كوفيد-19 حوالي 108 آلاف مستفيد.
وتؤكد المعطيات التي قدمتها الوزارة أن توسيع الاستفادة من البرنامج ليشمل غير الحاصلين على شهادات ساهم في رفع الطلب من طرف المقاولات، حيث بلغ عدد عروض الشغل المقدمة في إطار البرنامج إلى غاية نهاية أبريل 2026 أكثر من 111 ألف منصب، مقارنة بحوالي 80 ألف منصب خلال الفترة نفسها من السنة الماضية، وهو ما تعتبره الوزارة دليلاً على وجود تفاعل إيجابي من طرف النسيج الاقتصادي مع التعديلات المقترحة.
غير أن هذه الأرقام لم تمنع عدداً من النواب، سواء من فرق الأغلبية أو المعارضة، من إثارة تساؤلات مرتبطة بمدى قدرة هذه البرامج على خلق مناصب شغل مستقرة ودائمة، بعيداً عن الحلول الظرفية أو العقود المؤقتة.
كما دعا نواب إلى ضرورة تقييم أثر البرامج الحكومية على نسب البطالة، خصوصاً في صفوف الشباب وحاملي الشهادات، مع التركيز على جودة مناصب الشغل المحدثة وظروف العمل المرتبطة بها.
وفي موازاة ذلك، استأثر ملف حراس الأمن الخاص باهتمام خاص داخل المؤسسة التشريعية، بعدما شهد اجتماع لجنة بمجلس المستشارين، اليوم الأربعاء، مواصلة مناقشة مشروع القانون رقم 032.26 المتعلق بتتميم المادة 193 من القانون رقم 65.99 المرتبط بمدونة الشغل.
ويأتي هذا المشروع في إطار مساعٍ تروم تحسين أوضاع هذه الفئة المهنية التي ظلت لسنوات موضوع مطالب متكررة من قبل النقابات والهيئات الحقوقية.
وأكد يونس السكوري خلال مناقشة المشروع وجود تعبئة خاصة من أجل تفعيل مقتضيات تروم تقليص ساعات العمل بالنسبة لحراس الأمن الخاص من 12 ساعة إلى 8 ساعات يومياً، في خطوة اعتبرها العديد من المتابعين استجابة لمطالب طال انتظارها تتعلق بتحسين ظروف العمل واحترام المعايير الاجتماعية والمهنية داخل هذا القطاع.
وشهدت المناقشات البرلمانية حول المشروع أجواء وُصفت بالمسؤولة، مع توافق واسع على أهمية استكمال المسطرة التشريعية في أقرب الآجال، بما يسمح بإحالة النص على مجلس النواب لاستكمال مراحل المصادقة النهائية عليه.
كما سلط عدد من المستشارين الضوء على التحديات المرتبطة بظروف اشتغال حراس الأمن الخاص، داعين إلى تعزيز آليات المراقبة والتتبع لضمان التطبيق السليم للمقتضيات القانونية المرتقبة.
وتأتي هذه التحركات التشريعية في سياق سياسي يتسم بتزايد النقاش حول حصيلة الحكومة في الشق الاجتماعي والاقتصادي، خاصة مع اقتراب نهاية ولايتها.
فبينما تراهن الحكومة على إبراز الإصلاحات التي باشرتها في مجالات التشغيل والحماية الاجتماعية وتحسين ظروف العمل، تواصل أطراف سياسية ونقابية المطالبة بإجراء تقييم شامل لمدى نجاعة هذه السياسات وانعكاساتها المباشرة على حياة المواطنين.
ويبدو أن ما تبقى من عمر الولاية الحكومية سيحمل معه المزيد من الرهانات المرتبطة بملفات التشغيل وسوق الشغل والعدالة الاجتماعية، وهي ملفات ستظل حاضرة بقوة في النقاش العمومي والسياسي خلال الأشهر المقبلة، في انتظار ما إذا كانت الإجراءات الجديدة قادرة على تحقيق انفراج ملموس ينعكس على مؤشرات التشغيل ويستجيب لتطلعات فئات واسعة من المغاربة الباحثين عن فرص عمل مستقرة وظروف مهنية أكثر إنصافا.