المريزق: قضيتنا اليوم هي القضية الإجتماعية - الجريدة 24

المريزق: قضيتنا اليوم هي القضية الإجتماعية

الكاتب : سكينة الصادقي

الثلاثاء 31 يوليو 2018 | 10:00
الخط :
قال مصطفى المريزق، عضو المكتب السياسي لحزب البام، وزعيم حركة قادمون وقادرون الحديثة، إن ضمان التنمية الاجتماعية الشاملة، يمر عبر العناية اللازمة بقطاع التعليم، و توفير التغطية الصحية للجميع، والسكن اللائق للأسر الفقيرة و المحرومة، و توفير الشغل للعاطلين، والاعتناء بكل الطاقات المعطلة وتشجيعها على الخلق والابتكار والإبداع والتعاون.
وأضاف في مقال له توصلت الجريدة24 بنسخة منه، إن هذا المنظور الذي تتبناه الحركة، هو ما لمسناه في خطاب العرش 19 الذي جاء حاملا في قلبه وعقله إشكالية التنمية كخيار استراتيجي، يناهض اقتصاد الريع، ويسعى ليتبوأ الاقتصاد المحلي والجهوي مكانته كفاعل في التغير الاجتماعي، وتوسيع مشاركة جمعيات المجتمع المدني التي أصبحت حيويتها تزداد كل يوم في مسلسل بناء الديمقراطية التشاركية نصا وممارسة، وفي صيرورة النهوض بالتنظيم والتدبير، والمطالبة بإصلاحات جذرية عاجلة، تمكن كل أقاليم المملكة من حقوقها، احتراما لتاريخها، ولتراثها المادي واللامادي، المؤسس للحرية والتسامح والعيش المشترك، ومقاومتها التاريخية للاستعمار  ونبذ ثقافة الكراهية والعدوانية والتطرف.
وعلى ضوء ما جاء به خطاب العرش ال 19 من توجهات وإستراتيجيات كبرى، ومن تأكيد على أن المغرب وطن للجميع وبيتنا المشترك يجب أن نحافظ عليه ونساهم في تنميته وتقدمه؛ نستحضر من جديد ما أكدنا عليه في أكثر من مناسبة، والذي نلتقي فيه مع روح الخطاب الملكي الذي اعتبر الوطنية الحقة تعزز الوحدة والتضامن، وخاصة في المراحل الصعبة، وأن المغاربة الأحرار لا تؤثر فيهم تقلبات الظروف، رغم قساوتها أحيانا. لأننا نؤمن بأن ممارسة المواطنة من دون تحكم أو توجيه أو حذر أو حقد، هي أساس الديمقراطية الحقة التي نحلم بها. وهو ما يسائل كل الفاعلين السياسيين  والأحزاب السياسية ونخبها لكي لا تسقط في السلبية والعدمية وبيع الأوهام. لأن الأهم والأساس بالنسبة لنا، ليس هو التنمية الفردية والعائلية، بل تحقيق التنمية الشعبية الجهوية الشاملة للحفاظ على المكتسبات وللرقي بوطننا إلى مستوى إنجاز  الأوراش الكبرى بمنطق الفعالية والشفافية والإبداع والإنتاجية والمردودية.
لقد شكلت القضية الاجتماعية محورا مركزيا في الخطاب الملكي، حيث دعا الملك إلى تصحيح الإختلالات ومعالجة أي مشكل اقتصادي أو اجتماعي يقتضي العمل الجماعي، والتخطيط والتنسيق، بين مختلف المؤسسات والفاعلين، وخاصة بين أعضاء الحكومة، والأحزاب المكونة لها، والترفع عن الخلافات الظرفية، والعمل على تحسين أداء الإدارة، وضمان السير السليم للمؤسسات، بما يعزز الثقة والطمأنينة داخل المجتمع، وبين كل مكوناته.
ومن هذا المنطلق، نعتبر أن دورنا  في صفوف حركة قادمون وقادرون –مغرب المستقبل، كحركة اجتماعية منظمة ومسئولة، لا يقتصر فقط على النقد وفضح الإختلالات، بل نعتبر حركتنا شريكا نديا للسلطات العمومية، وفاعلا من أجل الدفاع عن إستراتيجية التضامن والمواطنة الهادفة إلى إرساء أسس سلطة مواطنة ديمقراطية، تكسر قيود الخوف والطابوهات، وتناهض الرشوة والمحسوبية والزبونية، وتناضل من أجل المناصفة الحقيقية وعدم الإفلات من العقاب، وتطالب بربط المسؤولية بالمحاسبة، والحفاظ على نزاهة وأملاك الدولة العمومية. كما تطمح للمساهمة في مشاريع كبرى، اقتصادية وتعليمية وصحية وسكنية.
إن مضمون ما جاء به خطاب العرش ال19 يجعلنا اليوم أمام مسؤلياتنا التاريخية، باعتباره درسا معمقا للخارطة السياسية الوطنية الجديدة، ومنطلق تأثير سيفرز ما سيفرزه في البلاد. لكن إذا لم تتم عملية الدرس هذه على كافة المستويات، في مربع السلطة والدولة، وفي الحكومة، وفي المؤسسات التشريعية والترابية، وإذا لم تشمل قيادات الأحزاب والنقابات والجمعيات المركزية ذات المنفعة العامة، فإن أي مسئول مغربي سيكون عاجزا عن رسم سياسة محلية تتجاوب مع المتغيرات الوطنية، وسيكتشف أن “اللغة القديمة” التي يستعملها في الحوار والتخاطب، أصبحت غير مفهومة، وأن “الخطاب الجديد” الذي يسمعه سينصب عليه كالصدمة.
إن انخراطنا النقدي والواعي والمسئول، يبدأ اليوم علنا باستخلاص الدروس والعبر من تجاربنا السابقة، ويقطع مع الأوهام التي اخترقت كياننا وعرقلت حرية مبادراتنا لزمن طويل. وهو انخراط في دينامية جديدة ومستقلة، واعية بذاتها، وقادرة على ربط  أقوالها بأفعالها. دينامية تهدف لفتح بوابة نهج جديد وعمل موحد ووحدوي أساسه حرية المبادرة والإبداع لخدمة الشعب، تعانق، كما جاء في خطاب العرش،  قضايا المواطن التي لا تقبل التأجيل ولا الانتظار، في السراء والضراء. وهو الطريق الذي نرسمه اليوم كحركة اجتماعية ديمقراطية مواطنة ومستقلة، من أجل الدفاع عن مصالح الشعب المغربي، انطلاقا من المشترك الذي يجمعنا، والوطن الذي يأوينا، والتعددية التي تغنينا،  والسلم الاجتماعي الذي يجب أن يحمينا. وهو ما يجعلنا نجدد مطالبتنا بالحكامة السياسية في كل مظاهرها، بدء من الدستور والمؤسســـــات والهياكل الدستورية والقوانين، وصولا إلى ضرورة  فصل السلط واحترامها، وتكريس دولة المؤسسات والحق والقانون، واحترام الحريات الأساسية الفردية والجماعية لكل المواطنات والمواطنين من دون ميز أو تمييز بين المرأة والرجل.
لقد جاء خطاب العرش19 ليذكرنا جميعا، مرة أخرى، بأزمة الحقل السياسي المغربي،  منتقدا الأحزاب السياسية، حيث دعاها للقيام بدورها الحقيقي واستقطاب نخب جديدة، وتعبئة الشباب للانخراط في العمل السياسي، لأن أبناء اليوم، هم الذين يعرفون مشاكل ومتطلبات اليوم. كما طالبها بالعمل على تجديد أساليب وآليات اشتغالها حتى تكون في مستوى التجاوب المستمر مع مطالب المواطنين، وأن تكون معنية بالتفاعل مع الأحداث والتطورات، التي يعرفها المجتمع فور وقوعها، بل واستباقها، بدل تركها تتفاقم.
وهذا ما يفرض علينا اليوم القطع النهائي مع الزبونية والمحسوبية في الممارسة السياسية، وجعل الأحزاب السياسية فضاءات عمومية وملتقى لتلاقح الأفكار وتبادل الخبرات، ومشتل للتجارب،  وحقل عمومي لتعميم ودعم إرادة التغيير كحس مجتمعي، وإدراك سبله بالتمرس على الانخراط في الحكامة التشاركية، و إقرار التربية الإجبارية على المواطنة الحقة، وخلق مقومات الدفاع الذاتي مخصصة للنساء والشباب والجمعيات الهادفة، بهدف النهوض بالمبادرات والمشاريع المهيكلة، في أفق بناء الدولة الاجتماعية، التي تفترض أن يحظى الشأن الاجتماعي باهتمام كبير، ليس من طرف ملك البلاد فقط، بل من طرف كل الفاعلين السياسيين والنقابيين ومؤسسات الدولة، من أجل إنجاز مهام ثورة الإصلاح والتصدي العاجل لحجم الخصاص الاجتماعي الذي تكلم عنه الملك، والشروع في نهج سبل تحقيق العدالة الاجتماعية والمجالية. وهو ما يجعلنا نفتخر بمنطلقات حركتنا وأهدافها التي جعلتنا نرفع شعار مغرب المستقبل. والقطع مع كل أشكال التخلف والتسلط والحكرة والاستبعاد الاجتماعي و”النسيان الإنساني”…
إن تفاعلنا مع خطاب العرش ال19 هو نابع من احترامنا لشخص الملك ومؤسسته أولا، ونابع من حرقتنا ومن بؤس واقعنا والمتحكمين فيه ثانيا، والذين يعتبرون اليوم عرقلة حقيقية في وجه تطيق وتنفيذ أبعاد الحكامة السياسية بمفهومها الديمقراطي، وجعل المؤسســـــــــات الوطنية والجهوية الكبرى في خدمة الحكامة الجيدة والديمقراطية والتنمية، ورافعة حقيقية لتنمية التمثيل السياسي والترابي والإداري، انطلاقا من الحق في الحريات المدنية، واحتــــرام الدستور، وممارسة الشفافية في كل التنظيمات والمؤسسات، بعيدا عن الرشوة السياسية والاقتصادية، وبعيدا عن المحسوبية والزيونية والطائفية والقبلية في السياسة وفي السلطة.
إنها ثوابتنا وعناصر مقومات وجودنا الجديد، وقناعتنا المكونة لشحنتنا المواطنة المؤمنة ببناء صرح الديمقراطية، وتقوية أسس الدولة، من أجل السلم والاستقرار، دفاعا عن الوطن وحمايته من النصابين السياسيين ومن التطرف والعنف والإرهاب.
ونحن نتفاعل مع الخطاب الملكي 19، نعتبر أن مبادرة “السجل الاجتماعي الموحد” من المطالب التي طالما ناضلنا من أجلها للقطع مع “سياسة الإحسان والمحسنين والشفقة والصدقة”، والتي نعتبرها انعكاسا للاختيارات اللاشعبية للحكومة ومؤسساتها، المؤدية للفقر والهشاشة والاستبعاد الاجتماعي و”النسيان الإنساني”، ما يطرح عليها إنتاج برامج اجتماعية تساوي بين كل الناس الذين يجمعهم المغرب المشترك. وهذا لن يتحقق إلا بجهود كل شرفاء الوطن الذين يناضلون بالغالي والنفيس من أجل تخليق الحياة العامة، ومعاقبة الفاسدين والمفسدين، الذين اغتنوا من السياسة، وباتوا يتربعون على كرسي المسؤولية من دون خوف ولا خجل، ومن دون قيم سياسية وإنسانية.
وإزاء هذا الواقع الذي كشف عورته خطاب العرش 19، يحق لنا أن نتساءل عن دور النخب وعن الحوار المجتمعي، وأن نتساءل عن أسباب الهزيمة التي أوصلتنا إلى ما وصلنا إليه لنغيب ونتأخر ونرجع إلى الوراء، تاركين من كنا ننتقدهم بالأمس يتحكمون في رقابنا..
نعم للنقد والنقد الذاتي، كما جاء في خطاب الملك، نعم للتفاعل الايجابي مع كل المبادرات الحاملة في روحها الإنقاذ والإصلاح. فالسياسي، مثل الاقتصادي، ومثل النقابي، معني بالحوار الاجتماعي والمجتمعي لنعرف مواطئ قدميه في واقع متغير، وموقفه من الاختلالات التي أشارت إليها  كل التقارير الوطنية التنموية. إنه الحوار الذي ينتظره المغاربة من أجل مغرب المستقبل.
إن الدول الديمقراطية قطعت مع سياسة “الخير والإحسان” منذ قرون، أي منذ أن انتقلت إلى الدولة المدنية وفتحت سجلات لإحصاء الأسر والعائلات وتمكينهم من الدعم الاجتماعي في إطار الحق في المساواة والعدالة الاجتماعية. وبهذه المناسبة، نعتبر تركيز الملك على مبادرة “السجل الاجتماعي الموحد” مدخلا لبناء الدولة الاجتماعية المدنية، كما نعتبر الدعوة لتحقيقها في أقرب الأوقات مهمة من مهام المرحلة الراهنة من الصراع.
ورغم ما لدينا من خلافات وتناقضات سياسية وفكرية مع الأحزاب والتنظيمات السياسية، فنحن مجمعون على هدف المساهمة إلى جانب الجميع في بناء صرح الدولة الاجتماعية التي تحمي مواطنيها من البرد والفيضانات والحر والعطش، ومن الأمية والمرض والتشرد ومن الهدر المدرسي والجامعي، ومن الفقر والهشاشة والبطالة، ومن القمع والتسلط والتعذيب، ومن السماسرة والنصابين السياسيين وغيرهم، ومن اللاعدالة مجالية واجتماعية، ومن المحسوبية والزبونية، ومن الرشوة والريع، ومن التجارة في البشر، ومن عدم ربط المسؤولية بالمحاسبة وعدم الإفلات من العقاب…
نعم، وكما جاء في خطاب الملك، إن الأمر يتعلق بمشروع اجتماعي استراتيجي وطموح، يهم فئات واسعة من المغاربة. فهو أكبر من أن يعكس مجرد برنامج حكومي لولاية واحدة، أو رؤية قطاع وزاري، أو فاعل حزبي أو سياسي.
إن قضيتنا اليوم هي قضية اجتماعية بامتياز، وهذا ما عبرنا عنه في أكثر من مناسبة، حينما اعتبرنا أن نضالنا اليوم، هو نضال اجتماعي بعمق سياسي وبنفس ديمقراطي، للمساهمة في النهوض بالأوضاع الاجتماعية.
لقد طلب منا في العديد من المناسبات أن نفصح عن برنامجنا، ونحن  نقول أننا لازلنا في بداية الطريق ولا برنامج لنا، بل لدينا رؤى في مضمون السياسات العمومية، وآليات ترافعية من أجل المساهمة في الحوار المجتمعي وإعادة هيكلة رموزه وثوابته.
ولأن عمق أهدافنا لا يخرج عن مجال الدعم والحماية الاجتماعية في كل تجلياتها، فإننا نتمنى أن يكون برنامجنا في المستقبل  تتويجا لمساراتنا التشاركية مع الجميع، بنفس نضالي لا متناهي، لمواجهة كل التحديات المرتبطة بترسيخ التنمية عبر المدرسة، والتنمية البشرية، والصحة، والشغل، و عبر توفير مناخ ايجابي للاستثمار، وإخراج ميثاق اللاتمركز الإداري للوجود، وإصلاح الإدارة، وتنفيذ برامج التنمية الاقتصادية والاجتماعية، في انسجام وتكامل مع الجهوية المتقدمة.

الأبرز