بين المغرب والجزائر وشهادة القائد صلاح الدين الأيوبي

هشام رماح
"أسكنتُ هنا من يثبتون في البر ويبطشون في البحر، وخير من يُؤْتَمَنون على المسجد الأقصى وعلى هذه المدينة"، هكذا قال القائد صلاح الدين وهو يتحدث عن المغاربة الذين سكنوا إلى ما يعرف حاليا بـ"حارة المغاربة" في القدس الشريف، وقد عنى أن هذا المقام لن يُؤْتَ أبدا من جهة الأشاوس القادمين من أقصى غرب القارة الإفريقية، كما أنه بصم على تجذر الوفاء فيهم وأنهم لا يضمرون الخديعة والشر لأحد.
مرت القرون ولم يتغير شيء في المغاربة، فهم لا يزالون مرابطين محافظين على وشائج الأخوة والمحبة تجاه أشقائهم أينما تعينوا ولو في بقاع المسلمين والعرب البعيدة، فكيف إن كانت الجغرافيا قد جعلتهم بمحاذاة إخوانهم الجزائريين؟، ولهذا وعلى منوال القائد الإسلامي صلاح الدين الأيوبي، أكد الملك محمد السادس، في خطاب الذكرى الثالثة والعشرين لعيد العرش المجيد، أن الجزائر لن تؤت أبدا من قبل المملكة.
وإذ عبر الملك محمد السادس عما يعتريه من أسى وأسف لما آلت إليه الأمور بين المملكة المغربية وجارتها الشرقية الجزائر، فإنما عبر عن ذلك الشعور الذي يتقاسمه والشعب المغربي التوَّاق لطي صفحة الماضي واستشراف مستقبل واعد ومشرق يخبيء كل ما هو جميل للشعبين متى اتحدا وذابت الفوارق الوهمية التي يصنعها دعاة الفتن ما ظهر منها وما بطن.
وظل قائد الأمة المغربية وفيا لحكمته مجسدا لكياسة ملك سليل النسب الشريف للرسول الكريم سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، يمد يداه ويد المغرب للجزائر من أجل كتابة غد أفضل، وهو دأب لم يتخل عنه البتة في كل عام متى تطرق إلى موضوع الخلافات بين البلدين اللذان تسربت بينهما عناصر شاذة وشاردة مثل الفُوَيْسِق الذي يفسد ولا يصلح.
ولا غرو أن الدعوة المتجددة والكريمة تنم عن نبل وسمو لا مثيل لهما من ملك كريم، انتصر لصوت العقل والتبصر ولم يلق بالا لما يردد هنا وهناك مثيرو الخلافات والنافخون في النار اللاعبين على ورقة "التطبيع" لتسميم الأجواء بين المغرب والجزائر والترويج لكون الثانية مستهدفة من الأول وقد تؤت من جهته من قبل إسرائيل، التي اختار المغرب إحياء علاقاته بها لإيمانه الراسخ كونه يستطيع عن قرب خدمة فلسطين والفلسطينيين أكثر من إن كان بعيدا عنها.
لقد استطاع صلاح الدين الأيوبي، القائد الإسلامي استرجاع القدس وحررها من يد الاحتلال الصليبي، وحينها طلب من المغاربة الإقامة بشكل دائم في المدينة المقدسة، بعد أن شاركوا في تحريرها، لأنه يعرف معدنهم وأنهم لن يتخلوا عنها ما دام ذكرهم على الأرض، فإن لم يكن بالحرب في زمن غير زمنها، فإنه بالسلم وربط علاقات طبيعية يمكن تحقيق الأكثر مما تحقق خلال العقود الخالية التي انطبعت بالدماء وبانتكاسات كبرى للقضية الفلسطينية.
إنها مقاربة سيادية للمغرب الذي اختار أن يغرد خارج نطاق الشعارات الجوفاء وبعيدا عن الغوغاء التي تطلق الكلام على عواهنه تضرب في كل ذلك، حتى يعجز الراتق عن جمع التمزق بين المملكة وجارتها الشرقية التي هي عند المغاربة في عداد قدس صلاح الدين الأيوبي.. أفلا يعقلون؟