هل يتوقف "البيجيدي" عن استعمال ورقة الأخلاق في السياسة؟ - الجريدة 24

هل يتوقف "البيجيدي" عن استعمال ورقة الأخلاق في السياسة؟

الكاتب : الجريدة24

04 فبراير 2019 - 07:00
الخط :

لن يكون الأمر سرا إذا اعتبرنا أن ورقة الأخلاق (بمفهومها الديني)، ساهمت بشكل كبير في الصعود الانتخابي لحزب "العدالة والتنمية". فمناضلو الحزب ومنتخبيه الجماعيين والبرلمانيين، كثيرا ما قدموا أنفسهم في صورة الأشخاص المتدينين الذين سيعملون على تدبير الشأن العام انطلاقا من مقاربة أخلاقية دعوية. كان هذا هو رأسمال "البيجيدي" منذ دخوله إلى أول انتخابات سنة 1997، وواهم من يحاول أن يؤكد غير ذلك. فهم جماعة من المغاربة سيعملون على المساهمة في تدبير شؤوننا بنظافة يد وحرص على المال العام لأن تدينهم الذي يعملون على إبرازه يمنعهم.. هكذا كانوا يقدمون أنفسهم دائما سواء بشكل واضح أو بشكل غير مباشر.

لم يكن خطاب حزب "العدالة والتنمية" سياسيا مائة في المائة، ولكنه كثيرا ما لجأ إلى الحقل الديني الإسلامي من أجل الدفاع عن مواقفه، مسنودا بحركته الدعوية "الإصلاح والتوحيد"، التي لم يسع الحزب يوما إلى فك الارتباط العضوي معها. يكفي في هذا الإطار الاضطلاع على مواقف نواب "المصباح" أيام المعارضة تحت قبة البرلمان، أو الاضطلاع على المواقف التي كانت تنشرها جريدة "التجديد" (الناطقة الرسمية باسم الحركة الدعوية)، المتوقفة عن الصدور  والتي اعتمدت مثلا في معارضتها لحكومة عبد الرحمان اليوسفي على معجم مغرق في النهل من الخطابات الدينية من وجهة نظر "التوحيد والإصلاح".

إن هذا "الخطاب السياسي" بلبوس دعوي جعل الحزب يحوز ثقة جزء من المواطنين في الانتخابات، بالإضافة طبعا إلى مؤهلات أخرى يزخر بها حزب "المصباح" من بينها القوة التنظيمية والاحترافية التواصلية وشبكة الجمعيات..وبالتالي تمكن الحزب ما بين انتخابات 1997 و2007 من أن يضمن كتلة انتخابية ثابتة ومستقرة.

ومع هبوب رياح ما سمي بالربيع العربي، كان حزب "البيجيدي" في الموعد وتمكن من حصد المرتبة الأولى في انتخابات 2011. هذه الانتخابات عرفت بعض التغيير في الكتلة الانتخابية لحزب "البيجيدي" التي لم تتكون فقط وفق الدراسات من شبكة الأعضاء والمتعاطفين وإنما من مواطنين آخرين كانوا يصوتون لأحزاب أخرى أو مقاطعين، تصويتهم كان سياسيا بدرجة أولى وليس إيديولوجيا. وفي انتخابات 2016 زاد عبد الإله بن كيران في تكريس هذا الوضع.

الأخير وإن كان مهندسي "الخطاب الدعوي" لدى "البيجيدي" حاول بمهارة تواصلية لافتة، من خلاله خطاباته المتكررة إخراج "المصباح" من دائرة الأحزاب اليمينية الدينية إلى دائرة الأحزاب ذات الخطاب السياسي فقط، الذي يقدم للمواطنين حلولا لمشاكلهم الاقتصادية والاجتماعية وليس خطابا مبنيا على تصور معين مثلا للحريات الفردية والجماعية، وهذا ما عززه إقبال عدد كبير من المنخرطين على الحزب لا صلة تربطهم بالحركة الدعوية. لكن هذا لم يكن كافيا من أجل إخراج "البيجيدي" من دائرة الأحزاب المعتمدة على الخطاب الديني بشكل كبير، لاسيما وأن خطابه ظل مقسوما ما بين الحديث عن الإشكاليات السياسية والدستورية لدى بعض الأعضاء، والتعبير عن مواقف ثانية بشأن الحريات الفردية والمواقف التي تثير الجدل.

من هذا المنطلق كانت القضايا ذات الصلة بممارسات بعض الحريات الفردية التي يدافع عليها التيار الحداثي، تثير الجدل بالنسبة إلى "العدالة والتنمية". لقد عاش الحزب أو حركة التوحيد والإصلاح على إيقاع أزمات عديدة بفعل ممارسة أعضائه لبعض من حرياتهم الفردية بشكل يتعارض والتصور الأخلاقي الديني الذي يروجونه ويدافعون عليه ويدعون أن أعضائهم ملتزمون به.

فمن حدث عمر بنحماد وفاطمة النجار مرورا بعلاقة محمد يتيم مع مدلكته وصولا إلى خلع آمنة ماء العينين للحجاب خارج المغرب ووضعه داخله، أصبح الحزب تحت نيران قصف خصومه السياسيين. صحيح أن عدد كبير من أعضاء الحزب يدفعون بعدم جواز التناول الإعلامي للحياة الخاصة لمسؤولي الحزب وتحريم التعاطي الإعلامي معها، ولكن الوضع يختلف مع حزب "العدالة والتنمية" الذي بنا خطابه على الجانب الأخلاقي وأي مساس به من طرف قيادييه يكون مدعاة للتعاطي الإعلامي.

ففي وقت سابق تناول صحافي استقصائي فرنسي الحياة المثلية لقيادي في حزب "الجبهة الفرنسية" اليميني المتطرف، وحكمت المحكمة الأوربية لصالح الجريدة التي نشرت التحقيق، لأنها فضحت التناقض بين القول والفعل لدى فاعل سياسي يهاجم المثليين ويأتي مثلهم وهذا من صميم رسالة الإعلام، أي مراقبة الفاعلين السياسيين ومدى التزامهم بأقوالهم.

وفي حالة "العدالة والتنمية" فإن تناول الحياة الخاصة لبعض قيادييه اعتمد على نفس المبدأ. فالعلاقة بين الحياة الشخصية والعامة أطرتها أخلاقيات مهنة الصحافة. فتناول الحياة الشخصية للمسؤولين لا تكون بناء على التلصص من أجل كسب عدد نقرات أكبر وعدد قراء أكثر وإنما لعلاقة واضحة مع تدبير الشأن العام. فبمناسبة الجدل حول حجاب آمنة ماء العينين، فإننا كنا أمام إشكالية حقيقية لعلاقة الحياة الخاصة بتدبير الشأن العام.

الحجاب بالنسبة إلى حزب العدالة والتنمية ليس مجرد رمز مجتمعي وإنما رمز ديني وسياسي يشكل أحد أعمدة مشروعه وبرنامجه الانتخابي مهما حاول الحزب إخفاء ذلك، فعندما تتقدم للانتخابات لكي يصوت عليك المواطنون فليس فقط للبرنامج الذي تقدمه وإنما أيضا لشخصك وما يمثله لباسك من تصورات معينة لأفراد المجتمع.

ولا داعي هنا للتذكير بمواقف البيجيدي وذراعه الدعوي حركة التوحيد والإصلاح من اللباس الشرعي وحملة حجابي عفتي وعندما تتخلى عن هذا اللباس في سياق معين عليك توضيح ذلك للمواطنين الذين يكون لهم عليك واجب المحاسبة.

إن كل ما سبق ذكره يمكن أن يكون فرصة لحزب "العدالة والتنمية" من أجل إعادة نظره في تصوراته السياسية المرتبطة بخطاب دعوي أساسا. على هذا الحزب أن يكف اليوم عن استخدام الدين في الحياة السياسية وهو ما خطا فيه للإنصاف خطوات عديدة وإيجابية، حتى لا يسقط في فخ التناقض بين القول والفعل ويغني أعضائه من النبش في حياتهم الخاصة. كما أنها فرصة من أجل إعادة النظر في تصوره للحريات الفردية أساسا للمواطنين. وهذا كله لن يتأتى سوى بالحسم والفصل بين جناحه السياسي (الحزب) والدعوي المتمثل في حركة التوحيد والإصلاح.

آخر الأخبار