تحولات المجتمع والعنف في العصر الحديث: من العائلة إلى العولمة
كانت الحياة اليومية في الماضي تتنظم ضمن ثلاثة أطر رئيسية: الأسرة النووية، العائلة الممتدة، والمجتمع المحلي الحميم (الذي يتألف من أفراد يعرفون بعضهم البعض ويعتمدون على بعضهم). كانت العائلة تمثل النظام الأساسي للرعاية الاجتماعية، كما كانت مسؤولة عن الرعاية الصحية والتعليم، وتهتم بالفرد سواء كان مريضًا أو مسنًا أو يتيمًا.
كان المجتمع المحلي يقدم الدعم الاجتماعي من خلال التقاليد المتعارف عليها واقتصاد المصالح المتبادلة، حيث كان العائلة والمجتمع يلبّيان معظم احتياجات الأفراد. رغم وجود إمبراطوريات وممالك قوية تقوم بأدوار كبيرة مثل شن الحروب وبناء القصور، إلا أن الملوك كانوا يفضلون البقاء بعيدين عن شؤون العائلات والمجتمعات، باستثناء ما يتعلق بتحويل رؤساء العائلات والزعماء المحليين إلى وكلاء للحكومة.
ومع ذلك، لم تكن الحياة ضمن هذه الأطر مثالية، فالعائلات والمجتمعات كانت قد تفرض قمعًا على أعضائها بوحشية، ولم يكن أمام الناس الكثير من الخيارات. من كان يفقد أسرته أو مجتمعه كان يُعتبر ميتًا اجتماعيًا، بلا عمل أو تعليم، ويجب عليه إما إيجاد عائلة أو مجتمع بديل، أو يصبح خادمًا في منزل أحدهم، وفي أسوأ الحالات ينضم إلى الجيش أو يتورط في الدعارة.
في القرنين الماضيين، أدت الثورة الصناعية إلى ظهور قوى جديدة في السوق وأتاحت للدولة وسائل متطورة في الاتصال والنقل. كما أتاح ذلك للحكومات تشكيل جيش من المعلمين والشرطة. ومع مرور الوقت، أصبحت السوق والدولة تدرك أن العائلات والمجتمعات التقليدية لا تسمح بالتدخل الخارجي، مما دفعهما إلى العمل معًا لتقويض الروابط التقليدية. فتم منع الثأر الذي كان شائعًا في الماضي واستُبدل بالقرارات القضائية، وتم الاعتماد على "الطابور الخامس" لتنفيذ هذه التغييرات.
كما شجعت الدولة والسوق الأفراد على الاستقلال عن الأسرة في قرارات مثل الزواج والعمل، مع توفير الدعم مثل المأوى والرعاية الصحية والمعاشات التقاعدية. وبهذا أصبحت الدولة والسوق بمثابة "أب" و"أم" للفرد.
لم يقتصر هذا التحول على الرجال فحسب، بل شمل النساء والأطفال أيضًا. في حين كانت المرأة في الماضي تُعتبر ملكًا للعائلة أو المجتمع، فإن الدولة الحديثة ترى المرأة كفرد مستقل له حقوق قانونية واقتصادية، ولها الحق في العيش بمفردها.
اليوم، يشعر العديد من الناس بالأسى لفقدان الروابط العائلية، ويشعر المجتمع بالغربة والخطر الناتج عن الهيمنة المتزايدة للدولة والسوق. ورغم استغلال الأفراد وتهديدهم من قبل هذه القوى، إلا أن الصفقة تمثل نجاحًا جماعيًا في خلق نظام جديد، حيث أصبح الناس يعيشون كأفراد منعزلين بدلاً من كأعضاء في مجتمع مترابط.
يشير يوفال هراري إلى أن الأسرة النووية لم تختف تمامًا، بل لا تزال تؤدي بعض الوظائف العاطفية، حتى بعد أن استولت الدولة والسوق على معظم أدوارها الاقتصادية والسياسية. ومع ذلك، أصبحت الدولة قادرة على التدخل في العلاقات الأسرية، لا سيما في قضايا تتعلق بالأطفال، مما أدى إلى تراجع سلطات الوالدين.
من الروابط الحميمية إلى الانتماء الوهمي
على غرار الأسرة النووية، لا يمكن للمجتمع التقليدي أن يختفي تمامًا من حياتنا دون أن يترك وراءه حاجة عاطفية. يشير هراري إلى أن الثنائي المكون من الدولة والسوق يوفران الاحتياجات المادية، ولكن كان لا بد لهما من توفير روابط عاطفية من خلال "المجتمعات المتخيلة"، والتي تضم ملايين الغرباء الذين لا يعرفون بعضهم البعض ولكنهم يتخيلون أنهم يشتركون في انتماء واحد. على الرغم من أن هذه المجتمعات ليست حديثة العهد، فقد لعبت الممالك والإمبراطوريات والكنائس دور "المجتمعات المتخيلة" لآلاف السنين، بينما كانت المجتمعات الحميمة الصغيرة ضرورية للبقاء والرفاهية. ومع مرور الوقت، تراجعت هذه المجتمعات الحميمة لصالح المجتمعات المتخيلة.
يعرف هراري "المجتمع المتخيل" على أنه وطن و"قبيلة المستهلكين"؛ حيث يعمل الاستهلاك والمفهوم الوطني على جعلنا نتصور أننا ننتمي إلى نفس المجتمع، وأن لدينا ماضيًا مشتركًا ومصالح وقيم متشابهة. وبينما يعتبر هذه الروابط "خيالية"، إلا أن تأثيرها في المجتمع هائل. ويضيف أن هذه المجتمعات الوطنية قد تراجعت لصالح قبائل المستهلكين.
التغيرات الاجتماعية والثورية في العصر الحديث
لقد أحدثت الثورات تغييرات جذرية في النظام الاجتماعي الذي كان قائمًا على الثبات والاستقرار. على مدى القرنين الماضيين، اكتسب النظام الاجتماعي طابعًا ديناميكيًا، حيث أصبح هناك تدفق دائم للمتغيرات الاجتماعية والسياسية (مثل الثورة الفرنسية والثورة الروسية). وأصبح التغيير الاجتماعي المستمر جزءًا من العمل السياسي، إذ يعد الجميع بإصلاحات اجتماعية، اقتصادية، وتعليمية. ومع أن الحركات الثورية غالبًا ما أدت إلى أعمال عنف، فإن العصر الحديث شهد أيضًا مستويات غير مسبوقة من العنف، لكنه في الوقت نفسه شهد فترة من السلام النسبي.
يصف هراري العصر الحديث بأنه الأكثر سلمية في تاريخ البشرية. حيث تراجعت الحروب والعنف بشكل ملحوظ مقارنة مع الماضي. كما يلاحظ أن الحروب في العصر الحديث لم تعد مقياسًا للحروب العالمية الكبرى، بل تراجعت لصالح حروب محدودة في مناطق معينة مثل الشرق الأوسط. لكنه يضيف أن الحروب أصبحت أقل فاعلية سياسيًا، حيث أصبح السلام أكثر ربحية.
يشير هراري إلى أن العنف الدولي انخفض إلى أدنى مستوياته، وأن الإمبراطوريات القديمة مثل الإمبراطورية البريطانية والفرنسية، وكذلك الاتحاد السوفيتي، انهارت بشكل هادئ ومنظم. كما تراجعت حركة الغزو بعد عام 1945، ما جعل الحروب الدولية أقل شيوعًا.
بعد عام 1945، تراجعت الحروب الدولية الكبرى بشكل ملحوظ. ورغم بعض الحروب الإقليمية في العالم العربي وأماكن أخرى، فإن الحروب الكبرى التي كانت شائعة في الماضي لم تعد المعيار. وعليه، يمكن القول إن العالم شهد فترات من الهدوء النسبي، على الرغم من أن احتمالية الحرب كانت قائمة بين القوى الأوروبية حتى بداية الحرب العالمية الأولى. وفي النهاية، أشار هراري إلى أن الحروب أصبحت أقل فائدة، بينما أصبح السلام أكثر ربحية.
يخلص هراري إلى أن معظم الدول لم تعد في صراع شامل لأن النظام الدولي أصبح مترابطًا على مستوى عالمي، مما يفرض السلام داخل الحدود العالمية. ومع ذلك، يظل المستقبل مفتوحًا، ونحن على مفترق طرق بين الجنة والجحيم، ولم يحدد التاريخ بعد إلى أين ستقودنا هذه التحولات.