تأثير الثورة الصناعية على حياة البشر – الجريدة 24

تأثير الثورة الصناعية على حياة البشر

الكاتب : الجريدة24

02 أبريل 2025 - 09:45
الخط :

أمينة المستاري

نتج عن الثورة الصناعية تركيبة غير مسبوقة من طاقة رخيصة ووفيرة ومواد خام ، وأثرت الثورة على الزراعة، فقد أصبحت أساليب الإنتاج الصناعي خلال 200 سنة الماضية الركيزة الأساسية للزراعة( الجرارات، الأسمدة والمبيدات، الثلاجات والسفن والطائرات ...) وكذا على الصناعات الحيوانية( صناعة البيض، مزارع الخنازير الصناعية، الأبقار اللبونة..).

يستطرد يوفال هراري في كتابه "العاقل" أنه، على خلاف الاعتقاد السائد بأن الحيوانات تفتقر للأحاسيس، فقد أكد علم النفس التطوري أن الاحتياجات العاطفية والاجتماعية لحيوانات المزرعة تطورت في البرية عندما كانت ضرورية للبقاء والتكاثر، ويستخلص بكون الشعور الذاتي يستمر برغبة تشكلت في البراري حتى لو لم تعد الرغبة ضرورية للبقاء والتكاثر، وبأن الزراعة الصناعية تعتني كثيرا بالاحتياجات الموضوعية للحيوانات بينما تهمل احتياجاتها الذاتية.

يضيف الكاتب أن صحة هذه النظرية ظهرت منذ خمسينات القرن 20 ، عندما درس عالم النفس الأمريكي هاري هارلو تطور القرود، وفصل الرضع عن أمهاتها بعد الولادة بعدة ساعات، واعتنت بها أمهات من الدمى إحداهما بالأسلاك والأخرى بالقماش، ولاحظ أن القرد الرضيع يفضل دمية القماش لذلك قام بتركيب مصباح كهربائي تنبعث منه الحرارة، فاستمر معظم القرود في تفضيل الأم القماشية باستثناء الصغار جدا.

فقد أظهرت البحوث اللاحقة أن قرود هارلو كبرت وأصبحت مضطربة عاطفيا، رغم تلقيها كل الطعام. ولم تتأقلم مع مجتمع القرود، وعانت من القلق والعدوانية، ليستخلص أن القرود ينبغي أن يكون لها احتياجات ورغبات نفسية تتجاوز متطلباتها المادية. واستخلص أن الملايين من حيوانات المزارع في وقتنا الحاضر لنفس ظروف قرود هارلو، فالمزارعون يفصلون العجول وغيرها من صغار الحيوانات عن أمهاتها وتربى في عزلة.

ينتقل الكاتب إلى القول أن البشر ينتج ويصنع ويبني وينتج سلع، وهو ما أدى لظهور مشكلة جديدة :من سيشتري كل تلك السلع؟ فيجب على شخص شراؤها وإلا انهار الصناعيون ومعهم المستثمرون.

من أجل منع الكارثة ظهر نوع جديد من الأخلاق :النزعة الاستهلاكية. هذه النزعة ترى أن استهلاك المنتجات والخدمات أمر إيجابي وتشجع الناس على تديل أنفسهم،  وترى في التقشف مرض يحتاج لعلاج.  وتشجع على "المتع الصحية من حبوب وفواكه ومكسرات لتجربة تجمع بين الذوق والمتعة والصحة".

قديما كان الناس ينصرفون عن هذه الكلمات ولا ينجذبون لها، لكن النزعة الاستهلاكية عملت بمساعدة علم النفس الشعبي على إقناع الناس أن الانغماس في الملذات جيد، في حين التقشف قمع للذات. فبدأ الناس يستهلكون عددا لا يحصى من المنتجات، وتعمل الشركات بتصنيع مواد قصيرة الأجل، وجعل الناس مواكبين لمنتجات، وأصبح التسوق هواية مفضلة، وأصبحت السلع الاستهلاكية وسيطة بين أفراد الأسرة والأزواج والأصدقاء ...ويؤكد الكاتب أن السمنة اعتبرت انتصارا مزدوجا للنزعة الاستهلاكية.

ويعتبر هراري أن الأخلاق الرأسمالية والنزعة الاستهلاكية وجهين لعملة واحدة( الوصية الأسمى للأغنياء "استثمر" والوصية الأسمى لبقيتنا "اشتر").

ثورة دائمة

فتحت الثورة الصناعية طرقا جديدة لتحويل الطاقة وإنتاج السلع وتحرير البشرية إلى حد كبير من الاعتماد على النظام البيئي المحيط.

تم قطع الغابات وبنوا ناطحات السحاب...ودمرت الكائنات الحية وانقرضت الأنواع، حتى كاد كوكب الأرض أن يصبح مركز تسوق من الخرسانة والبلاستيك.

يشير هراري إلى أن التدهور البيئي لا يتساوى مع ندرة الموارد، فالموارد المتاحة للبشرية تتزايد باستمرار ومن المحتمل أن تكون النبوءات الكارثية لندرة الموارد في غير محلها، في المقابل فالخوف من التدهور البيئي له أسس جيدة للغاية، فقد يشعد المستقبل سيطرة العقلاء على وفرة من المواد ومصادر الطاقة الجديدة، وتدميرهم في الوقت ذاته لما تبقى من الموائل الطبيعية ودفع الأنواع الأخرى إلى الانقراض.

وقد تهدد الاضطرابات البيئية بقاء الإنسان العاقل نفسه في الواقع، بسبب الاحتباس الحراري وتلوث الأرض، وقد يشهد المستقبل سباقا متصاعدا بين القوة البشرية والكوارث الطبيعية التي يسببها الإنسان.

لذلك يطلق الكثيرون على هذه العملية اسم "تدمير الطبيعة" لكنها تعتبر تغييرا وليس تدميرا، فالطبيعة لا يمكن تدميرها.

يقول هراري أن الشائعات عن انقراض البشر لا تزال سابقة لأوانها، حيث يصل عدد السكان أقل بقليل من 7 مليارات عاقل، بعد أن تضاعف عددهم مرات.

فتحت الثورة الصناعية الطريق أمام سلسلة طويلة من التجارب في الهندسة الاجتماعية والتغييرات الغير مسبوقة في الحياة اليومية والعقلية البشرية.

أصبح العقلاء عرضة لإملاءات الصناعة الحديثة والحكومة، وفتحت الثورة الصناعية الطريق أمام سلسلة من التجارب في الهندسة الاجتماعية وسلسلة من التغييرات غير المسبوقة في الحياة اليومية البشرية.

يتناول هراري اعتماد الزراعة التقليدية على دورات الزمن الطبيعي والنمو العضوي بخلاف المجتمعات السابقة التي لم تتمكن من أخذ قياسات زمنية دقيقة واستمر العالم دون ساعات أو جداول زمنية، محكومين بحركات الشمس ودورات نمو النباتات.

بخلاف العصور الوسطى، تقدس الصناعة الحديثة الدقة والتجانس ولا تهتم إلا قليلا بالشمس أو الموسم. فيجب الالتزام بجدول زمني دقيق، وتحول الجدول الزمني وخط التصنيع إلى قالب لجميع الأنشطة البشرية تقريبا. وانتقلت العدوى إلى المدارس والمستشفيات والمكتب الحكومية...وذلك بمساعدة النقل العام الذي ساهم في انتشار نظام الجدول الزمني.

بعد أن اختلفت التوقيتات المحلية أصبحت مزعجة، تم اعتماد توقيت مرصد غرينيتش بدلا من الأوقات المحلية لليفربول أو مانشستر أو غلاسكو، ووضعت الحكومة البريطانية قانونا واعتمدت توقيتا وطنيا، ثم أصبحت الساعات المحمولة الرخيصة والدقيقة موجودة في كل مكان، لتشغيل شبكة الجدول الزمني.

يضيف الكاتب أن الثورة الصناعية جرت العشرات من التقلبات الكبرى على المجتمع البشري والتكيف مه الوقت الصناعي كالتحضر واختفاء الفلاحة، صعود طبقة البروليتاريا الصناعة، تفكك النظام الأبوي...

لكن الثورة الأخطر: يقول هراري، هي الثورة الاجتماعية: انهيار الأسرة والمجتمع المحلي واستبدالهما بالدولة والسوق.

آخر الأخبار