مخاوف إسبانية من تداعيات التقارب العسكري بين المغرب وأمريكا
تتصاعد في العاصمة الإسبانية مدريد خلال الأسابيع الأخيرة مؤشرات القلق داخل الأوساط السياسية والإعلامية الاسبانية بشأن تداعيات التحولات المتسارعة في موازين التعاون العسكري بمنطقة غرب البحر الأبيض المتوسط، في ظل تزامن توتر نسبي في العلاقات بين الولايات المتحدة وإسبانيا مع تعزيز الشراكة الدفاعية بين واشنطن والرباط، وهو ما أعاد إلى الواجهة نقاشا واسعا حول مستقبل التوازنات الأمنية في محيط مضيق جبل طارق.
ومن المرتقب أن يفتح الاتفاق الدفاعي الجديد بين المغرب والولايات المتحدة، الممتد بين سنتي 2026 و2036، أمام الرباط آفاقا غير مسبوقة للحصول على تكنولوجيا عسكرية متقدمة، كانت في السابق مقتصرة على دول حلف شمال الأطلسي، من بينها نظام الاتصال التكتيكي “Link-16”، الذي يعد من الركائز الأساسية في التنسيق العملياتي بين الجيوش الحديثة.
ويأتي هذا التحول في سياق يتسم بتباين واضح في مواقف مدريد وواشنطن إزاء عدد من القضايا الدولية، خاصة المرتبطة بالتوترات في الشرق الأوسط، حيث أبدت الحكومة الإسبانية بقيادة بيدرو سانشيز رفضها الانخراط في أي عمل عسكري محتمل ضد إيران.
كما امتنعت عن السماح باستخدام القواعد العسكرية الأمريكية الموجودة على أراضيها لتنفيذ عمليات في المنطقة، وهو موقف أثار انتقادات داخل بعض الدوائر السياسية الأمريكية التي اعتبرته خروجا عن تقاليد التعاون العسكري الوثيق بين البلدين.
هذا التباين في المواقف انعكس بدوره على طبيعة الخطاب السياسي بين الطرفين، حيث شهدت المرحلة الأخيرة تصعيدا ملحوظا، خاصة بعد صدور تصريحات من مسؤولين أمريكيين ألمحوا إلى إمكانية اتخاذ إجراءات ذات طابع اقتصادي أو عسكري، في حال استمرار هذا التباعد في الرؤى الاستراتيجية، ما يعكس درجة من التوتر غير المسبوق في العلاقات الثنائية خلال السنوات الأخيرة.
وفي هذا السياق، أفادت تقارير إعلامية إسبانية، من بينها ما نشرته صحيفة “إل إسبانيول”، بأن توقيع خارطة الطريق الدفاعية الجديدة بين الرباط وواشنطن أثار مخاوف داخل إسبانيا من انعكاسات محتملة على التوازنات الأمنية في منطقة غرب المتوسط ومحيط مضيق جبل طارق، خاصة في ظل حساسية هذه المنطقة من الناحية الجيوسياسية وتداخل المصالح الاستراتيجية فيها.
وأشارت الصحيفة إلى أن تفاقم الخلاف بين مدريد وواشنطن قد يمنح المغرب هامشا أوسع للتحرك على المستوى الدبلوماسي، خصوصا في ما يتعلق بالملفات المرتبطة بالسيادة، من قبيل مدينتي سبتة ومليلية المحتلتين، وهو ما يثير نقاشا متزايدا داخل الأوساط السياسية الإسبانية بشأن كيفية التعامل مع هذه التحولات في ظل المعطيات الجديدة.
وبحسب المصادر ذاتها، فإن هذه المخاوف لا تقتصر على الجانب السياسي فقط، بل تمتد إلى البعد العسكري، حيث يسود نوع من التوجس داخل بعض الدوائر العسكرية الإسبانية من طبيعة الصفقات النوعية التي تعزز التعاون بين المغرب والولايات المتحدة، خاصة تلك المرتبطة بأنظمة التسليح المتطورة وتطوير القدرات السيبرانية والاستخباراتية، والتي قد تساهم في إعادة رسم موازين القوة داخل المنطقة على المدى المتوسط.
كما تبرز هذه التطورات في سياق دولي يتسم بإعادة ترتيب التحالفات الاستراتيجية، حيث تسعى القوى الكبرى إلى تعزيز شراكاتها مع الفاعلين الإقليميين في ظل تصاعد التحديات الأمنية غير التقليدية، وهو ما يجعل من منطقة غرب المتوسط مجالا مفتوحا على احتمالات متعددة، تتراوح بين تعزيز الاستقرار أو تصاعد التنافس الجيوسياسي.