جماعة الدار البيضاء تمتص غضب عمال النظافة.. وعود برفع الأجور وتحديث القطاع
باشرت جماعة الدار البيضاء خطوات لاحتواء حالة التوتر في صفوف عمال وعاملات قطاع النظافة، عقب تصاعد المطالب الاجتماعية المرتبطة بتحسين الأجور وظروف العمل، في سياق يتسم بارتفاع تكاليف المعيشة وتراجع القدرة الشرائية لهذه الفئة.
ويأتي هذا التحرك في وقت تسعى فيه السلطات المحلية إلى إعادة هيكلة القطاع وفق مقاربة جديدة تراهن على تحديث آليات التدبير وتعزيز النجاعة الميدانية.
وفي هذا الإطار، احتضن مقر جماعة الدار البيضاء، يوم الخميس الماضي، اجتماعا جمع مسؤولي الجماعة بممثلي المكاتب النقابية التابعة للاتحاد المغربي للشغل، حيث خُصص اللقاء لمناقشة الملف المطلبي للشغيلة وبحث سبل الاستجابة لمطالبها الاجتماعية والمهنية.
وعرف الاجتماع حضور مولاي أحمد أفيلال، نائب العمدة المكلف بالتدبير المفوض بقطاع النظافة، حيث تركزت أبرز مطالب العمال على ضرورة الرفع من الأجور وتحسين التعويضات والمنح الاجتماعية، في ظل ما وصفوه بتدهور أوضاعهم المعيشية نتيجة موجة الغلاء التي أثرت بشكل مباشر على قدرتهم الشرائية.
كما تم التطرق إلى عدد من الإكراهات المرتبطة بظروف العمل، خاصة ما يتعلق بالتجهيزات والحماية المهنية، وهو ما دفع ممثلي النقابات إلى التشديد على ضرورة اعتماد إجراءات عملية تضمن كرامة العاملين واستقرارهم المهني.
ووفقا للمعطيات التي توصلت بها “الجريدة 24”، فقد قدم مجلس جماعة الدار البيضاء جملة من الالتزامات الرامية إلى الاستجابة التدريجية للمطالب الاجتماعية المطروحة، من بينها الزيادات العامة في الأجور وإقرار منح إضافية، وذلك في إطار تنزيل دفتر التحملات الجديد الذي سيؤطر عمل الشركات المفوض لها تدبير القطاع خلال المرحلة المقبلة.
وتشير مضامين دفتر التحملات، التي اطلعت عليها “الجريدة 24”، إلى توجه واضح نحو إرساء نموذج تدبيري حديث يقوم على توظيف التكنولوجيا وتعزيز آليات المراقبة والتتبع، بما يرفع من جودة الخدمات المقدمة ويضمن احترام الالتزامات التعاقدية.
ويرتكز هذا النموذج على اعتماد أدوات رقمية متطورة لتتبع عمليات جمع النفايات، إلى جانب تعميم الكنس الميكانيكي في المحاور الكبرى، واعتماد حاويات تستجيب للمعايير الدولية المعتمدة في هذا المجال.
وفي هذا السياق، تقرر تجهيز شاحنات جمع النفايات بأنظمة تحديد المواقع الجغرافية “GPS”، إضافة إلى كاميرات ذكية وحساسات رقمية تتيح مراقبة المسارات وعدد الدورات ونقط التوقف، وهو ما من شأنه توفير معطيات دقيقة حول الأداء الميداني وضمان تدخلات أكثر فعالية، فضلا عن الحد من أي اختلالات محتملة في تنفيذ الخدمات.
كما يتضمن المشروع إحداث 4700 نقطة جمع جديدة للنفايات، وتركيب 8400 سلة مهملات بمختلف أرجاء المدينة، مع الالتزام بضمان تفريغها بشكل يومي وصيانتها بشكل دوري، إلى جانب التدخل في أجل لا يتجاوز 12 ساعة لمعالجة أي اختلال يتم تسجيله. ويواكب هذا التوجه اعتماد نظام يفرض جمع النفايات بشكل يومي طيلة أيام الأسبوع، مع تقليص مدة التدخل لإزالة الإيداعات العشوائية إلى ساعتين فقط.
وتسعى الجماعة أيضا إلى إدماج البعد البيئي في هذا الورش من خلال اعتماد المياه المعالجة في عمليات غسل الشوارع، في خطوة تروم الحفاظ على الموارد المائية وترشيد استعمالها، خاصة في ظل التحديات المرتبطة بندرة المياه.
كما يشمل المشروع معالجة خاصة للأراضي المهملة والمناطق غير المهيأة، عبر إرساء نظام للمراقبة المنتظمة والرصد المبكر للنفايات الضخمة ومظاهر التلوث العرضي، بما يحد من تحول هذه الفضاءات إلى نقط سوداء تهدد البيئة والصحة العامة.
وتبرز المقاربة الجديدة كذلك من خلال التركيز على الجانب الوقائي، عبر برمجة عمليات دورية لإزالة الأعشاب الضارة وتنظيف المناطق القابلة للولوج، بهدف الحد من انتشار الحشرات والقوارض وتقليص مخاطر الحرائق، خاصة خلال الفترات التي تعرف ارتفاع درجات الحرارة.
كما يفرض دفتر التحملات على الشركات المفوض لها إعداد مخططات خاصة بالنظافة في التجزئات الجديدة، مع إلزامية توفير نقاط تجميع مجهزة وتنظيم عمليات الجمع بشكل يومي، بما يواكب التوسع العمراني الذي تعرفه المدينة.
وفي الجانب المتعلق بالتحسيس، يشدد المشروع على ضرورة انخراط الشركات في تنظيم حملات توعوية بشراكة مع فعاليات المجتمع المدني، مع تثبيت لوحات إرشادية في الفضاءات العمومية لتعزيز السلوك البيئي السليم لدى المواطنين.
ويعكس هذا التوجه تحولا نحو إشراك الساكنة في الحفاظ على نظافة المدينة، بدل الاقتصار على المقاربة الزجرية، بما يرسخ ثقافة جماعية قائمة على المسؤولية المشتركة.
ويأتي هذا التحرك في وقت تراهن فيه جماعة الدار البيضاء على إنجاح هذا الورش الاستراتيجي، الذي يجمع بين تحسين أوضاع الشغيلة والارتقاء بجودة خدمات النظافة، بما يستجيب لتطلعات الساكنة ويعزز صورة العاصمة الاقتصادية كقطب حضري حديث قادر على مواكبة تحديات التنمية الحضرية.