المعارضة تهاجم تجربة "مدارس الريادة": كرّست التفاوتات والتمييز بين المغاربة

الكاتب : انس شريد

11 مايو 2026 - 08:30
الخط :

عاد مشروع “مدارس الريادة” إلى واجهة السجال السياسي والتربوي بالمغرب، بعدما فجرت فرق المعارضة بمجلس النواب انتقادات حادة لطريقة تنزيل هذا الورش الإصلاحي الذي تراهن عليه الحكومة لإعادة هيكلة المدرسة العمومية وتحسين جودة التعلمات، معتبرة أن التجربة بدأت تفرز، بحسب تعبيرها، اختلالات عميقة تهدد بتكريس التفاوتات والتمييز بين التلاميذ بدل تقليصها.

وخلال جلسة الأسئلة الشفوية المنعقدة، اليوم الاثنين، بمجلس النواب، تحولت تجربة “مدارس الريادة” إلى محور مواجهة مباشرة بين مكونات المعارضة ووزير التربية الوطنية والتعليم الأولي والرياضة، محمد سعد برادة، في ظل تزايد الجدل حول مدى قدرة هذا النموذج التربوي على تحقيق العدالة التعليمية وضمان تكافؤ الفرص بين مختلف الفئات والمناطق.

واعتبر عدد من النواب أن المشروع، رغم ما يحمله من شعارات مرتبطة بتطوير التعليم العمومي، ما يزال يصطدم بإكراهات ميدانية وبنيوية معقدة، خاصة في العالم القروي والمناطق الهامشية، حيث تعاني مؤسسات تعليمية عديدة من ضعف البنيات التحتية وغياب الوسائل الرقمية والاكتظاظ الحاد داخل الأقسام، وهو ما يحد، وفق تعبيرهم، من فرص نجاح أي إصلاح تربوي حقيقي.

وانتقدت مداخلات برلمانية ما وصفته بـ”الطابع الانتقائي” الذي يطبع تجربة مدارس الريادة، معتبرة أن استمرار العمل بهذا النموذج داخل عدد محدود من المؤسسات قد يخلق نوعا من “النخبوية” داخل المدرسة العمومية، من خلال توفير ظروف وتجهيزات أفضل لفائدة فئة معينة من التلاميذ، مقابل استمرار معاناة مؤسسات أخرى من خصاص حاد في الموارد البشرية والتجهيزات الأساسية.

وفي هذا السياق، أكد الفريق الفريق الاشتراكي المعارضة الاتحادية أن الحديث عن نجاح “مدارس الريادة” لا يمكن أن يحجب، بحسب تعبيره، الأعطاب الهيكلية التي يعيشها قطاع التعليم العمومي، مشددا على أن الإصلاح الحقيقي يجب أن يشمل جميع المؤسسات التعليمية دون استثناء، بدل خلق نماذج تعليمية متفاوتة داخل المنظومة نفسها.

وقال النائب البرلماني عبد القادر الطاهر إن عددا كبيرا من المؤسسات التعليمية ما يزال يعيش أوضاعا مقلقة بسبب الاكتظاظ وضعف البنيات التحتية وارتفاع نسب الهدر المدرسي، مستشهدا بمدينة طنجة وجماعة اكزناية، حيث يتجاوز عدد التلاميذ داخل بعض الأقسام خمسين تلميذا، وهو ما ينعكس، بحسب قوله، بشكل مباشر على جودة التعلمات وظروف التحصيل الدراسي.

وأضاف المتحدث ذاته أن مؤشرات الهدر المدرسي ما تزال تثير القلق داخل عدد من المناطق، مشيرا إلى أن ثانوية الحسن الثاني بمقاطعة بني مكادة سجلت مغادرة 249 تلميذا خلال الموسم الدراسي الحالي، معتبرا أن هذه الأرقام تكشف عمق الأزمة التي تعيشها المدرسة العمومية، في ظل الخصاص الحاد في المؤسسات التعليمية والأطر التربوية بعدد من الأحياء ذات الكثافة السكانية المرتفعة.

وأشار النائب البرلماني إلى أن أحياء كاملة، من بينها حي رهراه بمدينة طنجة، الذي يضم أكثر من مائة ألف نسمة، ما تزال تفتقر إلى مؤسسات تعليمية كافية، موضحا أن غياب الثانويات والإعداديات داخل هذه المناطق يفاقم أزمة الاكتظاظ ويرفع من احتمالات الانقطاع المبكر عن الدراسة.

وانتقد الفريق الاشتراكي ما اعتبره استمرار الوزارة في تبرير تعثر بناء المؤسسات التعليمية بإشكالية العقار، داعيا إلى اعتماد سياسة استباقية تقوم على تعبئة الأوعية العقارية اللازمة وإنجاز مؤسسات جديدة بشكل عاجل لمواجهة الضغط المتزايد على المدرسة العمومية وتحسين ظروف التمدرس.

وأكدت مداخلات المعارضة أن المغاربة ينتظرون إصلاحا تعليميا شاملا يعيد الاعتبار للمدرسة العمومية ويضمن المساواة الفعلية بين التلاميذ، بعيدا عن أي مقاربة قد تؤدي إلى إنتاج تفاوتات جديدة داخل المنظومة التعليمية.

في المقابل، دافع وزير التربية الوطنية والتعليم الأولي والرياضة، محمد سعد برادة، عن حصيلة مشروع “مدارس الريادة”، مؤكدا أن الوزارة ماضية في توسيع التجربة على الصعيد الوطني، حيث ستشمل، مع الدخول المدرسي المقبل، حوالي 80 في المائة من المدارس الابتدائية بالمملكة.

وأوضح الوزير أن عدد مؤسسات “مدارس الريادة” انتقل من 626 مدرسة فقط قبل سنتين إلى أكثر من 6626 مؤسسة ابتدائية مرتقبة خلال الموسم الدراسي المقبل، بعد إضافة آلاف المؤسسات الجديدة بشكل تدريجي، معتبرا أن هذا التوسع يعكس نجاح التجربة وقدرتها على تحسين مستوى التعلمات الأساسية لدى التلاميذ.

وأشار برادة إلى أن الوزارة شرعت أيضا في توسيع تجربة “إعداديات الريادة”، بعدما انطلقت السنة الماضية بـ230 مؤسسة، قبل رفع العدد تدريجيا ليصل إلى أكثر من 1230 مؤسسة إعدادية خلال الموسم المقبل، أي ما يعادل نصف مؤسسات التعليم الإعدادي بالمغرب.

وأكد المسؤول الحكومي أن الوزارة انطلقت في هذا المشروع من تشخيص دقيق كشف وجود ضعف كبير لدى عدد من التلاميذ في المواد الأساسية، خاصة الرياضيات واللغة العربية واللغة الفرنسية، ما دفع إلى اعتماد برامج دعم تربوي مكثف خلال بداية الموسم الدراسي، تختلف مدتها بحسب حاجيات كل مؤسسة ومستوى المتعلمين بها.

وأضاف أن المشروع يعتمد مقاربات بيداغوجية حديثة ترتكز على أساليب تعليمية جديدة، من بينها “القراءة بطريقة الإكسبليسيت” و”النمذجة”، بهدف تبسيط التعلمات وتحسين قدرة التلاميذ على الفهم والاستيعاب التدريجي داخل الفصول الدراسية.

كما أبرز الوزير أن الوزارة اعتمدت نظام تقييم دوري يتم كل ستة أسابيع، إلى جانب اختبارات موحدة على المستوى الوطني، تسمح بتتبع تطور مستوى التلاميذ ورصد مكامن التعثر داخل الأقسام والمؤسسات التعليمية، بما يمكن من تقديم الدعم اللازم بشكل مستمر.

وشدد برادة على أن الوزارة تعمل أيضا على تطوير آليات التصحيح والتقييم عبر اعتماد نظام “المطابقة” سواء داخليا أو خارجيا، بهدف توحيد معايير التنقيط وتحسين جودة النتائج التعليمية، معتبرا أن المشروع يشكل جزءا من رؤية شاملة لإصلاح المدرسة العمومية والرفع من مردوديتها خلال السنوات المقبلة.

آخر الأخبار