مطالب بمحاسبة المسؤولين.. هل يفجر ملف "الأضاحي" أزمة داخل الأغلبية الحكومية؟

الكاتب : انس شريد

05 يونيو 2026 - 08:30
الخط :

يتجه ملف تدبير سوق الأضاحي بالمغرب إلى التحول من قضية ذات طابع اجتماعي واقتصادي إلى موضوع سياسي يثير نقاشا متزايدا داخل الأغلبية الحكومية نفسها، بعدما صعد حزب الاستقلال من انتقاداته للجهات المشرفة على تدبير هذا الملف، مطالبا بفتح تحقيق شامل وتحديد المسؤوليات المرتبطة بما وصفه عدد من برلمانييه بالأزمة التي رافقت عيد الأضحى لسنة 2026.

ويأتي هذا التطور في سياق سياسي لافت، إذ يواصل حزب الاستقلال، أحد المكونات الرئيسية للتحالف الحكومي، توجيه رسائل نقدية متكررة مع دخول الولاية الأخيرة، بشأن عدد من الملفات المرتبطة بالقدرة الشرائية للمواطنين وارتفاع الأسعار واختلالات بعض الأسواق، وهو ما اعتبره متابعون مؤشرا على تغير في طبيعة الخطاب السياسي للحزب مع اقتراب الاستحقاقات الانتخابية، مقارنة بالمراحل السابقة التي طبعها الدفاع عن الحصيلة الحكومية وتبني خياراتها الاقتصادية والاجتماعية.

وخلال الأيام الأخيرة، عاد ملف الأضاحي إلى واجهة النقاش العمومي بقوة، بعدما شهدت أسواق عديدة حالة من الندرة وارتفاعا ملحوظا في الأسعار خلال الفترة التي سبقت عيد الأضحى، الأمر الذي أثار موجة واسعة من الانتقادات والتساؤلات حول مدى نجاعة التدابير التي تم الإعلان عنها في وقت سابق لضمان تموين الأسواق وتحقيق التوازن بين العرض والطلب.

وفي هذا الإطار، طالب الفريق الاستقلالي للوحدة والتعادلية بمجلس النواب الحكومة بتقديم توضيحات دقيقة بشأن الملابسات التي أحاطت بأزمة الأضاحي، داعياً إلى الكشف عن المسؤوليات السياسية والإدارية المرتبطة بالوضع الذي عاشته الأسواق خلال الموسم الحالي.

ويأتي هذا الموقف في وقت تتزايد فيه الأصوات المطالبة بإجراء تقييم شامل للبرامج المعتمدة لدعم القطاع وتدبير تداعيات الجفاف والتقلبات التي عرفتها الأسواق الوطنية والدولية.

وفي سياق هذا التصعيد، وجه النائب البرلماني محمد الركاني عن الفريق الاستقلالي للوحدة والتعادلية سؤالا كتابيا إلى وزير الفلاحة والصيد البحري والتنمية القروية والمياه والغابات أحمد البواري، اعتبر فيه أن الأسر المغربية عاشت خلال عيد الأضحى لسنة 2026 على وقع صدمة غير مسبوقة بسبب ندرة الأضاحي والارتفاع الكبير في أسعارها، مشيراً إلى أن آلاف الأسر وجدت نفسها عاجزة عن اقتناء الأضحية لأول مرة نتيجة الاختلالات التي عرفها السوق خلال الأيام التي سبقت العيد.

واستحضر الركاني المعطيات التي سبق لوزارة الفلاحة الإعلان عنها مطلع السنة الجارية بشأن تخصيص اعتمادات مالية مهمة لدعم استيراد أكثر من مليون رأس من الأغنام بهدف تعزيز العرض وضبط الأسعار، متسائلا عن الأسباب التي جعلت هذه الخطة لا تحقق النتائج المعلنة، بعدما أفرز الواقع الميداني، وفق ما ورد في السؤال، وضعاً اتسم بالندرة وارتفاع الأثمان بدل تحقيق التوازن المنشود داخل الأسواق الوطنية.

كما استند البرلماني الاستقلالي إلى معطيات واردة في مذكرة للمندوبية السامية للتخطيط حول تطور القدرة الشرائية، والتي سجلت عجزاً في العرض تجاوز 20 في المائة ببعض الأسواق الكبرى، معتبراً أن هذه المؤشرات كانت تستوجب تدخلاً أكثر فعالية لتفادي الأزمة التي عاشها المستهلكون خلال الموسم الحالي.

ولم يقتصر السؤال الكتابي على مساءلة الوزارة بشأن حصيلة برنامج الاستيراد المدعوم، بل امتد إلى المطالبة بالكشف عن مآل التحقيقات المرتبطة بشبهات احتكار الأغنام المستوردة من طرف بعض الوسطاء وكبار المضاربين، في ظل استمرار الجدل السياسي والإعلامي حول الجهات المستفيدة من الدعم العمومي الموجه للقطاع، وما إذا كانت آليات المراقبة المعتمدة قد نجحت فعلاً في ضمان وصول الأغنام المدعمة إلى الأسواق بالشكل الذي يحقق الأهداف المعلنة.

كما طالب الركاني بتوضيح الفارق الذي وصفه بالكبير بين الأرقام الرسمية المتعلقة بترقيم القطيع الوطني والمعطيات التي قدمتها المؤسسات المختصة حول وفرة العرض، وبين حالة الندرة الحادة التي شهدتها الأسواق خلال الأيام الثلاثة الأخيرة التي سبقت عيد الأضحى، معتبرا أن هذا التناقض يفرض تقديم توضيحات دقيقة للرأي العام وترتيب المسؤوليات بشأن المعطيات التي قدمت للمغاربة قبل العيد.

كما أعاد البرلماني الاستقلالي فتح النقاش حول الاختلالات المرتبطة بسلاسل التوزيع والتسويق، مستحضراً التحذيرات التي سبق أن تضمنتها تقارير رسمية بشأن وجود أعطاب هيكلية داخل السوق، معتبرا أن معالجة هذه الإشكالات كان من شأنها الحد من المضاربات وضمان وصول الأضاحي إلى المستهلكين في ظروف أكثر توازناً.

وتزامنا مع هذه التطورات، برزت مطالب حزب الاستقلال بفتح تحقيقات موسعة بشأن مختلف المراحل التي رافقت تدبير ملف الأضاحي، سواء ما يتعلق بعمليات الاستيراد أو الدعم العمومي أو آليات التوزيع داخل الأسواق.

كما عاد إلى الواجهة النقاش حول إمكانية اللجوء إلى الآليات الرقابية التي يتيحها البرلمان من أجل التدقيق في المعطيات المتداولة وتحديد المسؤوليات المحتملة.

وفي خضم هذا الجدل، انتشرت خلال الأيام الماضية معطيات متباينة بشأن وجود تحركات داخل مجلس المستشارين لإحداث لجنة لتقصي الحقائق حول عدد من الجوانب المرتبطة بسوق الأغنام والدعم العمومي الموجه للقطاع.

بل ذهبت بعض المنشورات إلى الحديث عن رفض هذه المبادرة من قبل عدد من الفرق والمجموعات البرلمانية، وهو ما فتح الباب أمام موجة واسعة من ردود الفعل والتوضيحات.

وفي هذا السياق، خرجت المستشارة البرلمانية هناء بنخير، عضو فريق الاتحاد العام للشغالين بالمغرب بمجلس المستشارين والمنتمية إلى حزب الاستقلال، لتوضيح عدد من النقاط المرتبطة بهذا الملف، مؤكدة أن الأخبار المتداولة بشأن رفض مجلس المستشارين تشكيل لجنة لتقصي الحقائق لا تستند إلى معطيات دقيقة.

وأوضحت أن المساطر القانونية والدستورية المنظمة لإحداث مثل هذه اللجان تختلف عن الصورة التي يتم تداولها في بعض المنصات، مشددة على أن أي مبادرة من هذا النوع تخضع لإجراءات محددة ومؤطرة قانونياً.

وأكدت بنخير أن المؤسسة التشريعية تضطلع بأدوار رقابية أساسية في ما يتعلق بحماية مصالح المواطنين ومتابعة القضايا المرتبطة بالقدرة الشرائية والعدالة الاجتماعية، معتبرة أن النقاش حول تدبير سوق الأضاحي يندرج ضمن الملفات التي تستوجب قدراً كبيراً من الشفافية وتوفير المعطيات الدقيقة للرأي العام.

ومع استمرار السجال السياسي حول أزمة الأضاحي، يبدو أن هذا الملف مرشح للبقاء في صدارة النقاش العمومي خلال المرحلة المقبلة، خصوصا مع تزايد الدعوات المطالبة بالكشف عن مختلف المعطيات المرتبطة بتدبير السوق الوطنية، وتحديد المسؤوليات المحتملة في الاختلالات التي عرفها الموسم الحالي، في وقت تتجه فيه الأنظار إلى رد الحكومة والقطاعات المعنية على الأسئلة المتصاعدة داخل البرلمان وخارجه، قبل نهاية الولاية الحكومية.

آخر الأخبار