"يوسف" بوعشرين - الجريدة 24

“يوسف” بوعشرين

الكاتب : الجريدة 24

الخميس 07 يونيو 2018 | 11:10
الخط :

علي الغنبوري

يبدو ان تشبيه حامي الدين  لقضية بوعشرين  بقصة سيدنا يوسف ، لم يمر مرور الكرام،  دون ان يترك الأثر البليغ في نفسية السيد توفيق بوعشرين داخل خلوته السجنية ، فالرسالة التي اطل بها علينا مؤخرا ، تدل و بشكل كبير ان الرجل تقمص بالفعل شخصية سيدنا يوسف و دخل حالة الهينمة و اصبح  يفكر بأنه نبي و ان الجميع كاد له المكائد و الدسائس لادخاله السجن ، و ان الامر لا يعدو أن يكون اختبارا من الله لعزيمة نبيه في الارض المليئة بالفساد و المفسدين ، و ان بشائر النصر المؤزر تملئ زنزانته و هو يناجي الملائكة و يبسط معهم اراء و مواقف أعدائه و خصومه الذين تربصو به ، و هم يمدونه بالعزم و الدلائل و البراهين و يعلمونه الكلمات السحرية التي تكفل له البراءة و الخروج من كمائن الصابئين .

و حتى لا ننساق وراء هذه الحالة الميتافيزيقية التي يعيشها السيد بوعشرين ، استسمحكم ان  ننزل من علياء السماء و نعود الى طبيعتنا البشرية و نحاول الإجابة عن دفوعات رسالته ، خاصة و أن الرسالة اصبحت مثارا للنقاش العام ، و لم تعد  تلزم احد بالتحفظ اتجاهها ، فصاحبها لم يعد سجينا عاديا او متهما ينتظر انتهاء مسار العدالة في قضيته ، فهو يوجه التهم يمينا و شمالا و يتجاوز منظومة العدالة و يقفز على شروطها و مقوماتها و يتجاوز منطقها .

ان اهم ما حملته رسالة السيد بوعشرين في طياتها ، هو الدفع إلى تسيس القضية و اخراجها من مسارها الجرمي ،  المتعلق بممارساته الجنائية اتجاه ضحاياه،  و محاولة ربطها باختيارته و توجهاته و عداواته السياسية ، فالرسالة او ” المرافعة ” كما يسميها المتهم ، من بدايتها الى نهايتها تسترسل في نقاش مواقف و توجهات و “كمائن ” و صراعات سياسية يحاكم من اجلها حسب زعمه ، لكنها تسقط عمدا موضوع القضية الاساسي”الاغتصاب” و يجعل منه قضية ثانوية و غير ذات تأثير و غير ذات أهمية ، و لا يجيب في اي سطر من سطورها على الاتهامات المباشرة التي وجهتها له الضحايا ، بل يعمل من خلال رسالته هاته الى تسفيه الضحايا ،  و يجعل منهن جزء من المخطط السياسي الذي يريد به السوء .

و لم يقتصر توجه الخلط السياسي للسيد بوعشرين على الضحايا بل امتد إلى الصحافة و الصحافيين ، الذين جعل منهم مجموعة من أكلة الجيف الذين يقتاتون على جتثه ، من خلال الإساءة له و تشويه سمعته و المشاركة في مخطط تكميم فمه و النيل من “كبريائه” و هو سجين لا حول و لا قوة له و لا يستطيع الدفاع عن نفسه ، متناسيا عمدا ان دور الصحافة هو نقل الحقائق و الوقائع كما هي الى الراي العام ، و انه هو نفسه و على امتداد سنوات عمله الصحفي لم يتردد يوما و بالبنط العريض في الخوض في تفاصيل كل قضايا الراي العام التي شهدها المغرب ، و ان مجموعته الإعلامية و الى حدود كتابة هذه السطور لا تتردد في نشر تفاصيل التفاصيل في حياة من يسميهم “الخصوم” .

محاولة بوعشرين ، من خلال رسالته تسيس قضيته ، لم يسلم منها حتى محامو الضحايا ، الذين انكر عليهم انتمائاتهم السياسية و جعل منها مدخلا من مداخل الخلط السياسي الذي ينشده ، متجاهلا ان جيش محاميه كلهم ذو خلفيات سياسية معروفة بقربها السياسي و الايديولوجي “لقناعاته ” و ذو أطروحة سياسية معروفة ، بل منهم من اسس لمخرج الخلط السياسي للقضية حتى قبل ان يؤمن به بوعشرين كمنفذ لورطته ، و على الاقل فمحامو الضحايا منسجمون مع قناعاتهم السياسية و الفكرية التي يؤمنون بها و تلهمهم الوقوف بجانب النساء ضحايا العنف و الاعتداء الجنسي ، بعكس من يقفز على مرجعيته و يتنكر لها و يتجرد من قيمه و ما يؤمن به ليصطف الى جانب المغتصب في محاولة لتصفية حسابات سياسوية ضيقة .

رسالة السيد بوعشرين و ما حملته من دقة في الاستدلال التكنولوجي و قوة الاضطلاع على المستجدات التكنولوجية لتفنيد التهم الموجه اليه ، من خلال استعمال مفاهيم تقنية من قبل “deepfake porn”  و اسماء بعض الشركات العالمية المتخصصة في المجال الالكتروني ، تدفعنا إلى التساؤل الشديد كيف امكن له أن ينمي معرفته بهذا المجال الصعب و من ضبط كل هذه المعارف التكنولوجية و هو في غياهب السجن يصارع كما يقول الحشرات و يقاوم قساوة ظروف السجن العتيق الذي بناه الاستعمار الفرنسي ، الا اذا كان هناك من ينظم الخيوط و يفتي المخارج عليه ، و  يدفع بدقة نحو خلط كل الاوراق و تشبيك القضية ليبدو المتهم و كأنه ضحية ل”مؤامرة” .

ان المرافعة الحقيقية التي يجب على السيد بوعشرين ان يخطها و يقوم بها ، هي إجابته عن اتهامات المشتكيات و مواجهة الحقائق الدامغة التي تلف قضيته ، و الابتعاد عن منطق الخلط السياسي الذي يحاول فرضه بمعية المتحملقين حوله لغرض في نفوسهم لا من اجل براءته ، فالمواقف السياسية و ” الممانعة ” كما يدعي لا يمكنها بأي حال من الأحوال أن تكون مبررا للافلات من العقاب على جرائم الاغتصاب التي يتابع من اجلها ، فكونه كان صاحب راي معارض لا يمكنه بأي حال من الأحوال أن يكون دليلا على برائته ، فالتهم التي تطوقه هي تهم أخلاقية  بالاساس لا علاقة لها بالمواقف و السياسة.

آخر الأخبار