قضية خديجة: الإغتصاب ليس حرية فردية – الجريدة 24

قضية خديجة: الإغتصاب ليس حرية فردية

الكاتب : الجريدة 24

الخميس 30 أغسطس 2018 | 09:55
الخط :

أنس الملالي

مرة أخرى تستفيق بلادنا على وقع جريمة اغتصاب بشعة. هذه المرة جاء الخبر من جماعة أولاد عياد بإقليم الفقيه بن صالح، حيث تعرضت فتاة قاصر ذات 17 ربيعا لاختطاف واغتصاب جماعي من طرف أزيد من 14 منحرفا. هؤلاء لم يكتفوا بالتناوب على اغتصابها طيلة شهرين متصلين، وإنمـا تفننوا في رسم وشوم على جسدها النحيل، مخلفين جروحا لن تندمل.

في البداية انتشر الخبر على “الفيسبوك”، وخلفت قصة خديجة كما رويت على لسان بعض المدونين مرفقة بصور للوشوم المرسومة على جسدها، تعاطفا كبيرا بين رواد العالم الأزرق. كما انتقل هذا التعاطف إلى فضاءات أخرى من شبكات التواصل الاجتماعي، التي أطلق روادها هاشتاكات ووسوم أبرزها #كلنا_خديجة. سرعان ما دخلت جمعيات المجتمع المدني على الخط معبرة عن تضامنها مع خديجة وأسرتها، وبادرت وسائل الإعلام إلى تغطية الحدث وتقديمه للجمهور في شكل مقالات وفيديوهات وتقارير إذاعية.

إلى هنا لا شيء يثير الانتباه سوى تفاصيل القصة الحزينة، فالأحداث أخذت المسار الطبيعي الذي تأخذه في الغالب جريمة اغتصاب بشعة، تلاها تضامن واسع مع الضحية كما يحدث في مختلف بقاع العالم وتدخل للقضاء من أجل إحقاق العدالة في الملف. لكن هذه القضية تميزت ببروز فئتين، نعتقد أنهما تشوهان قضية الدفاع عن المغتصبات (بفتح الصاد) ولا تساهمان سواء من قريب أو من بعيد في معركة الترافع من أجل تغيير القانون الجنائي لكي يكون متشددا مع المغتصبين من جهة وتحسيس المجتمع المغربي بضرورة محاربة العنف ضد المرأة (والاغتصاب أحد أشكالها).

الفئة الأولى وهي التي تبادر مع كل حالة اغتصاب إلى محاولة شيطنة المرأة-الضحية والادعاء بكونها هي السبب، على اعتبار أنها لو “كانت محترمة وتبتعد عن الشبهات وتلبس لباسا محترما…” (وكل تلك الصور النمطية)، لما تجرأ أحد على الاقتراب منها. هذا الفكر المنغلق والمرتبط بانتشار ثقافة تحقيرية للمرأة تستند على قراءة رجعية لبعض التفسيرات الدينية والعادات والتقاليد،  يعبر عن نفسه في كل حادث من هذا القبيل، بشكل مختلف ولكن عمق الفكرة هو نفسه: المرأة هي التي تتحمل المسؤولية في اغتصابها.

في حالة خديجة تابعنا تشكيكا واضحا في روايتها واتهاما صريحا لها بالكذب، ومع كامل الأسف ساهم جزء من الصحافة الرقمية في انتشار هذا السيناريو. فقد تابعنا في الأيام القليلة الماضية تصريحات مصورة لعائلات المتهمين تضمنت سبا وقذفا في حق الضحية. طبعا رواية خديجة ليست بمقدسة والقضاء وحده من له صلاحية الحسم في صدقيتها، ومن حق أسر المتابعين في هذا الملف أن يدافعوا عن فلذات أكبادهم، ولكننا نعتقد أنه لم يكن من الأجدر بتاتا بث تصريحات إعلامية في بعض الصحف الرقمية تنتقص من قيمة الضحية عبر نعتها وعائلتها بأوصاف حاطة من الكرامة الإنسانية.

لقد تابعنا كيف صرح بعضهم بأن أخلاق خديجة غير سوية، وكأن هذا مبرر لاغتصابها وهي نفس الثقافة التي تحمل المسؤولية للمرأة التي أشرنا إليها في قضايا مماثلة مثل التحرش والعنف.. هؤلاء الذين طعنوا في أخلاق الضحية، تناسوا أنها قاصر، بمعنى حتى وإن افترضنا صحة أقوال أسر المتابعين فإن الفتاة لا حرج عليها وليس من المعقول أبدا أن يتم اغتصابها من طرف أزيد من عشرة أشخاص، فنحن لسنا بصدد مناقشة علاقة رضائية أو شيء من هذا القبيل وإنما نحن أمام حالة أشخاص بالغين مارسوا الجنس على فتاة قاصر لم تبلغ سن البلوغ بعد، ألم نقل لكم إنها نفس الثقافة البالية التي تحتقر المرأة وتسعى دائما إلى تحميلها مسؤولية كل أذى يلحق بها من الجنس الخشن.

الفئة الثانية التي سنتحدث عليها، وهي ظاهريا تناقض الفئة الأولى لكنها تلتقي معها موضوعيا في تسفيه نضالات الجمعيات والهيآت المدنية والحقوقية الجادة في سبيل الدفاع عن حماية النساء من العنف والاغتصاب. هذه الفئة تسعى دائما إلى الركوب على هكذا قضايا نسائية بالخصوص، عبر تقديمها في شكل خطاب يروق الغرب والإنسان الأبيض.

خطاب يقوم على تصوير المجتمع المغربي وكأنه يعيش في العصور الوسطى وأن النساء في بلدنا مقهورات ومغلوبات على أمرهن ويعشن الاضطهاد وكل تلك التصريحات المبالغ فيها بشكل كبير، وإلا ما معنى مثلا أن تخط رسما يتناول قضية خديجة في قالب يبدو من الواضح فيه جدا أنك تخاطب شعبا آخر غير الشعب المغربي، والمقصود هنا الرسم، الذي انتشر بجوار وسم كلنا خديجة الذي تضمن إيحاءات معينة من قبيل إخفاء الشخصية لجهازها التناسلي بيدها: هل هذا الرسم موجه للمواطنين المغاربة؟ طبعا سنكون أغبياء جدا إن اعتقدنا ذلك.

وبناء على هذا الخطاب، يتصدر أفراد هذه الفئة وسائل الإعلام الأجنبية، التي ربما لا يروقها في الغالب ممثلو وممثلات الجمعيات النسائية المناضلة. إن عناصر هذه الفئة التي نتحدث عليها لا تناضل في الغالب داخل هياكل منظمة في جمعيات يشهد لها تاريخها بالكفاءة والمهنية في العمل، وإنما عبر حركات تنشئها في “الفيسبوك” وبأسماء قريبة إلى منطق التسويق منه إلى النضال المؤسس وبلغة لا تتضمن العمق المعرفي والسوسيولوجي المطلوب، وتكتفي في المقابل بالعبارات والجمل الجاهزة التي تروق الجمهور وإعلام الضفة الثانية.

رأي