فرنسا وسياسة الكيل بمكيالين: أما آن لهذه الازدواجية أن تنتهي؟ – الجريدة 24

فرنسا وسياسة الكيل بمكيالين: أما آن لهذه الازدواجية أن تنتهي؟

الكاتب : الجريدة 24

الثلاثاء 04 سبتمبر 2018 | 10:30
الخط :

حسنا فعلت الحكومة المغربية عندما قررت توجيه استدعاء عن طريق وزارة العدل المغربية، إلى قاضي الاتصال الفرنسي بالمغرب، من أجل استفساره عن استدعاء القضاء الفرنسي لأربعة صحافيين من أجل المثول أمامه، على خلفية شكاية تقدم بها ضدهم مصطفى أديب.

الخطوة التي أقدم عليها القضاء الفرنسي تحمل في طياتها تجاوزا لاتفاقية التعاون القضائي بين جمهورية الأنوار والمملكة المغربية، ورغبة في احتقار مؤسسات دولة صديقة، وإلا ما معنى أن توجه استدعاء مباشرا لمواطنين مغاربة للمثول أم قضاة بلد آخر بشكل مباشر، دون المرور عن طريق السلك الدبلوماسي عبر وزارة العدل وفق ما تنص عليه الاتفاقية المذكورة. مع العلم أن هذا الاستدعاء قد تترتب عليه آثار سلبية على الزملاء الذين جرى استدعاؤهم، قد تصل إلى تحرير مذكرات بحث دولية في حقهم.

إن وجه الغرابة فيما يحدث يتجلى أساسا في كون فرنسا والمغرب تجمعهما شراكة إستراتيجية لا تتأثر كثيرا بالأحداث العابرة. فبلاد الأنوار تعد الشريك الاقتصادي رقم 1 للمملكة المغربية، كما أن فرنسا تعتبر الحليف والداعم السياسي أمميا الأول للقضايا المغربية. مع الأسف، تتناسى أوساط فرنسية، الفلسفة التي تقوم عليها هذه الشراكة، وتتخيل المغرب مثل التلميذ النجيب في القسم والذي يجب أن يتلقى الدروس في حرية الرأي والتعبير والصحافة وحقوق الإنسان..

هذه الأوساط المعادية للمغرب والتي خلقت امتدادات في دولة الجمهورية الفرنسية، تعبر في الواقع عن نظرة استعمارية متعالية لا غير، ويخيل لها أن التجاوزات الحقوقية لا تقع سوى في بلدان العالم السائر في طريق النمو وتتناسى الانتهاكات التي تقع على أرضها، وتحاول فرض تصورها بكل ما يحمله من قيم ثقافية وهوياتية، ودون اهتمام بالآخر ولا تاريخه وعاداته.

يجب أن تفهم هذه الأوساط أن لا فرق في عالم اليوم بين دولة وأخرى في احترام حقوق الإنسان في شموليتها، وأن لكل دولة وإن كانت توجد في أعتى الديمقراطيات لها هفواتها التي خلقها نموذج تنموي رأسمالي لا يعير كثيرا من الاهتمام للإنسان، ويتم داخله السيطرة على وسائل الإعلام من طرف لوبيات المال. لهذا لا غرابة إن وجدنا كبار مفكرين في الغرب ينتقدون الوضع الحقوقي في بلدانهم ودور لوبيات المال في توجيه الرأي العام وصناعته.

لغة الدروس هذه ليست سوى تعالي استعماري أوربي تجاه من يخالف ثقافة الغرب. يجب أن ننهي مع هذا الوضع، وأن نعتبر أنفسنا شركاء لا أجراء لدى الشركات الفرنسية ومن يمثلها. لهذا لا يجب على المؤسسات الوطنية أن تدع حادثة استدعاء الصحافيين الأربعة تمر مرور الكرام دون القيام بالإجراءات اللازمة ضد هذا التطاول الخطير، لاسيما وأنها ليست المرة الأولى، فلا داعي للتذكير بالأزمة السياسية التي وقعت بين البلدين وأدت إلى إيقاف اتفاقية التعاون القضائي، وانتهت على إيقاع تعاون استراتيجي وثيق اقتصاديا وأمنيا وسياسيا وجيواستراتيجيا. وبالتالي ما معنى ما يقع اليوم؟

ما وقع من خرق للاتفاقية القضائية المذكورة ليس حدثا معزولا عن سياق معين. صحيح لعبت فيه الأوساط التي تحدثنا عليها أعلاه دورا مركزيا، لكن هذا لا يعفي من التساؤل: ما هي الرسالة التي تريد فرنسا أن تبعثها للمغرب في هذه المرحلة؟

طبعا هناك رسالة ربما سنعرف تفاصيلها فيما بعد ولن تكون بعيدة عن اختلاف في تصورات وجهات النظر بين البلدين بشأن بعض القضايا والتعاون الاستراتيجي والأمني. لكن هذا الأمر لا ينزع المسؤولية عن الدولة المغربية في الدفاع عن مواطنيها وحمايتهم من الإهانات، التي يمكن أن يتعرضوا لها من طرف الغير، عبر القنوات الدبلوماسية المعهودة.

ومع كامل الأسف، هناك من سوف يدافع عن فرنسا داخل المغرب تحت مبررات أنها دولة الحق والقانون وتتدخل لصالح حرية الرأي والتعبير في بلادنا، وفي الواقع فهم لا يدافعون سوى عن استعمار ثقافي يستفيدون منه في عملية تجديد النخب.

لا يجب أن يكون للمغرب مركب نقص ناتج عن اعتبار فرنسا دولة أكثر ديمقراطية منا فقط لأنها دولة غربية، بل عليه أن يواجه الوضع باعتباره دولة ذات سيادة ولها من الثقة في المؤسسات ما يجعلها ندا لبلاد الأنوار. يجب أن تفهم فرنسا أن المملكة شريك استراتيجي وليست مجرد تلميذ في قسم يتلقى الدروس.

رأي