اللغة العربية والاقتراض من الدارجة – الجريدة 24

اللغة العربية والاقتراض من الدارجة

الكاتب : الجريدة 24

السبت 08 سبتمبر 2018 | 13:00
الخط :

سعيد منتسب

بعد حرب لا هوادة فيها على “البغرير” و”البريوات” و”الغريبة” و”البلغة” و”الشربيل”، وبعد الضرب المبرح الذي تعرضت له اللغة الدارجة على نحو غير مسبوق، أتساءل: لماذا نصر على ترك الانفعال يتدحرج بإصرار خلف الإيديولوجيا التي نعرف سلفا أنها ستقودنا إلى ذلك الهوس القديم بالنظافة اللغوية؟ لما نلتجئ إلى الافتراس الأعمى لما يمثلنا، بدل التحيز للفهم الأسمى للغة المتأججة النشاط التي ننتمي إليها ونتكلمها ونعبر بها (الدارجة)؟

إن اللغة العربية، كما يقول العالم اللساني والخبير الدولي في التخطيط اللغوي، عبد القادر الفاسي الفهري، “ليست ذات هوية إقصائية، بل إنها هوية مفتوحة على اللهجات المحلية وعلى المستقبل، إنها هوية متعايشة”. وهذا معناه أن هذا الهرج والمرج المقطب الحاجبين الذي رافق تضمن أحد المقررات الدراسية لكلمات باللغة الدارجة يستحق أكثر من وقفة، خارج السخرية والانفعال، وخارج التآمر والتخوين، وخارج أي أصولية لغوية محتملة، وخارج المنطق الإيماني باللغة التي نزلت من السماء “كاملة الأوصاف” ولا يحق لأي كان تدنيسها أو الاقتراب من حوضها.

إننا ندرك مع الفاسي الفهري أنه إذا “تركت اللغة لإرادة المتكلمين في سوق لغوية “حرة” وحشية، فستتغلب اللغة الأقوى، مما يؤول إلى تأثيرات سلبية على اللغة الوطنية وحظوظ بقائها”، وأننا بحاجة إلى “سياسة لغوية منسجمة، متماسكة، وعادلة”، وأن “الحرمان اللغوي” و”الكراهية اللغوية” لن يخدما الحقوق اللغوية لجميع المتكلمين. كما ندرك أن القرار اللغوي مشتت، وتتلاعب به أياد غير بعيدة عن “التلويث” المكون من الأجزاء نفسها التي صنع حبكتها المستعمر الفرنسي قبل أكثر من ستة عقود.

ومع ذلك، وبصرف النظر عن الهاوية البيداغوجية التي أرادت وزارة التربية إسقاطنا فيها، لا بد أن نقترب مليا من أجزاء اللوحة المبعثرة التي يطرحها علينا “إقحام” بعض الكلمات من اللغة الدارجة في مقررات التعليم التي يصر البعض على لزوم إبقائها رهينة لدى “لسان العرب”، وأن نتساءل بكل الهدوء الممكن: ما هو الإشكال الذي يطرحه هذا الإقحام أو “الاقتراض اللغوي” الذي يهدف إلى الاستجابة لطلب معجمي ملح؟ ما الضير من اللجوء إلى اللغة الدارجة (الحية) لتقوية اللغة العربية (القاموس) وإثرائها؟ وما الضير في استعمال معجم اللغة الدارجة رافدا أساسيا من روافدها، شرط جعل الكلمة المُقترضة على صيغة من صيغ العربية وعلى أصواتها وأنساقها التركيبية والنحوية والصرفية؟

إن كل اللغات تعتمد على أساليب وطرق مختلفة للاستجابة للطلب المعجمي الملحّ الذي تفرضه الأفكار والأشياء الجديدة، “كالاشتقاق المبني على ألفاظ اللغة الأساسية ووفق نظمها الصرفية أو عن طريق الاقتراض الذي يكون بأخذ الكلمة من اللغة المانحة مباشرة مع بعض التحوير أو التعديل الصرفي والإملائي والصوتي”. كما أن الاقتراض، بحميع أشكاله، يعتبر ظاهرة عامّة في جميع اللغات، بحثا عن الكفاية الدلالية للغة وجعلها أكثر نفعا. فإذا لم يُعثر في اللغة على ما يؤدّي معناها، يتم اللجوء إلى الاقتراض أو التدخيل. بل إن العرب اقترضوا كلمات ولهم في لغتهم ما يُقابلها، ومن ذلك: الخوذة وعربيتها البيضة، والباذنجان وعربيتها المغْد والحدق والحيصل والأنب، واللوبياء وعربيتها الدجْر، والأترج والكبّاد وعربيتهما المُتْك، والكزبرة وعربيتها التِّقْدة، والنرجس وعربيتها العبْهر، والناي وعربيتها الزمخر والقصبة والمزمار..

وبعد كل هذا، أعتقد أن جبر الضرر اللغوي في المغرب بات قضية ملحة، ويحتاج إلى الاستنجاد بعلماء اللغة واللسانيين بدل ترك الحبل على الغارب. فهذا الاحتقار الغريب للغة الدارجة التي نتستعملها في اليومي يشير إلى الكثير من أعطاب الذات في علاقتها بلغتها، وأننا جميعا في قفص الاتهام إلى أن تثبت براءتنا من “البغرير” و”البركوكش” و”الملاوي”.

إن اللغة العربية صديق قديم وعزيز، وله كل الحب. لكن ما يربطنا بالدارجة (على الأقل في شقها المعجمي) أكبر بكثير من علاقة عمل: إنها حليب الأم وغلة الأرض.

رأي