جماهير تهتف لكرامة الوطن – الجريدة 24

جماهير تهتف لكرامة الوطن

الكاتب : الجريدة 24

الخميس 11 أكتوبر 2018 | 10:08
الخط :

أشرف بن الجيلالي

منذ زمن بعيد ظلت كرة القدم توحد الجماهير التي تعيش في الواقع اختلافا كبيرا بين أفرادها، وفروقا شاسعة بين مكوناتها. ففي يوم معين، وفي الملعب يتحول هؤلاء الأفراد المختلفون المتعارضون في الواقع إلى صوت واحد في المدرجات، بإحساس وشعار وهدف واحد. وكانت هذه الوحدة لا تخرج في الغالب عن الإطار الرياضي، أي أن ما يجمع هؤلاء الأفراد هو حب النادي، وغير ذلك من الصعب أن يتوحدوا.

لكن يبدو أن هذا صار من الزمن الماضي، لأن حدثين بارزين عرفتهما الساحة الرياضية العربية كان لها الوقع الكبير على مواقع التواصل الاجتماعي العربي والمحلي، يدلان أن من يوحدهم حب النادي يوحدهم حب الوطن أيضا. الحدث الأول صنعته جماهير نادي القرن النادي الاهلي، والحدث الثاني خلقته جماهير العالمي نادي الرجاء البيضاوي.

ففي مصر، وبعد قرار تعيين المسمى تركي ال الشيخ رئيسا فخريا، لم تنبس جماهير الأهلي بأي هتاف ضد الرئيس الشرفي الجديد إيمانا منها بأن هناك أندية عالمية تمنح هذه الصفة الشرفية للمشاهير و للممولين بسخاء.

هذا السكوت الجماهيري لنادي القرن فسّره تركي آل الشيخ بأنه علامة رضى عن كل ما يفعل، وما ينوي فعله. فأعطى لنفسه الحق في التدخل في الشؤون الخاصة للنادي، و بدأ يعطي الانطباع بأنه الآمر الناهي داخل هذه القلعة العريقة معتقدا بأنه بحقيبة دولاراته سيُخرس الجميع. فتمادى في غيه وأخذ يوزع تصريحات مستفزة هنا وهناك يوحي من خلالها بأنه صار يمسك برقبة الأهلي يوجّهها كما يشاء ومتى يشاء. هذه التصريحات حركت جماهير النادي، وطالبته بعدم التصرف في الشؤون المصيرية للفريق إلا بمعرفة مجلس إدارة النادي برئاسة محمود الخطيب.

لكن ما أخرج عفريت الغضب من قمقمه هو تصريحه بأنه جاهز لتوفير جهاز فني عالمي لقيادة الأهلي رغم وجود مدربه حسام البدري. فهاجت الجماهير المطعونة في كرامتها، خاصة أن تصريحه جاء قبل مباريات هامة للأحمر يحتاج فيها إلى تركيز، وفي وجود جهاز فني يقود الفريق. لتبدأ هنا حملة الدفاع عن كرامة النادي بشعار “يا سعودية لمّي شوالك”. وانتهت بالإعلان بوضوح أن انتفاضة الأهلاوية هي في الحقيقة انتفاضة للشعب المصري كله ضد الانبطاح الرسمي المصري للأموال السعودية.

كان غضب جماهير الأهلي في وجه “كيس الرز” اختزالا لغضب شعب مصر من خضوع السيسي المستعد لبيع أي شيء من أجل الدولارات السعودية. وظل الهجوم مستمرا حتى أعلن “العدو” استسلامه، وانسحابه من الأهلي. ورغم أنه سارع ضدا في الأهلاوية الى شراء نادي أسيوطي مغمور، وغير اسمه الى بيراميدز مطلقا حملة شعار “غير مبادئك، وشجع بيراميدز”، وأنشأ قناة تلفزيونية واشترى مذيعيها من المشاهير، منفقا ملايين دولارات، إلا أنه تمادى في احتقار النادي ورموزه… فكان لابد من انتفاضة جماهيرية في كل مكان، في الملاعب ومواقع التوصل تحت شعار: “طال عمره طال عمره، تركي ال الشيخ (….) أمه”.  هذا الشعار وحده عجّل بإعلان هذا الدخيل على الرياضة الانسحاب النهائي من الاستثمار الرياضي بمصر، وتسريح جميع لاعبي نادي بيراميدز.

هكذا، نابت جماهير الأهلي عن كل الشعب المصري، وبشعار في المدرجات حققت ما عجزت عنه مئات المظاهرات الاحتجاجية في الشارع.

الحدث الثاني و هو الأهم في نظري، هو نشيد جماهير العالمي التي انتشر على كل الصفحات الفايسبوكية: “في بلادي ظلموني لمن نشكي حالي”، والتي تحمل رسائل سياسية جديرة بأن تدفع بأحزاب المعارضة إلى حفظ كلماتها وطرحها بالبرلمان. لقد قامت جماهير الرجاء بإيصال رسالة لم يستطع أي حزب سياسي في تاريخ المغرب الحديث عنها. فالمتمعن في كلماتها لا يملك إلا أن يرفع القبعة لكاتب الكلمات و للجماهير الرجاوية التي تصدح في كل مباراة بهتافاتها. وبدلا من أن ينتبه المسؤولون لهذه الأغنية التي شبهها رئيس اتحاد الخميسات الكرتيلي بالمحفوظات، قال عنها مصطفى الخلفي إنها غير مقبولة نهائيا، وتمس هيبة الدولة. وكأنه لايزال مصرا على أن بلادنا توفر فرص الشغل، وأن شبابنا لا عذر لهم إذا ما ركبوا قوارب الموت.

لا، يا السي الخلفي… لو تأملت كلمات الأغنية الغاضبة جيدا كما ينبغي لمسؤول مثلك أن يفعل، لوجدتها لا تختلف كثيرا عما رددتموه وأنتم في المعارضة. لقد صارت ساحة المعارضة خاوية بعدما تركتموها واعتليتم مناصب الحكم. ولم تتركوا على الساحة حزبا معارضا يثق فيه الناس. شيطنتم كل الأحزاب المعارضة وهربتم. الآن، احذر… هناك معارضة ستخرج من الملاعب، جماهير تحب فريقها نعم، لكنها تحب الوطن أكثر. فهذه الأغنية صدرت شهر مارس من سنة 2017، ولم تنتشر إلا هذه الأيام، أي عندما بلغ السيل الزبى. ولم يعد ممكنا أن يسكت الشباب الحانق على تدبيركم واختلالاتكم وأكاذيبكم. وإذا اعتبرت مثل هذه الهتافات غير مقبولة، فاعتبرها أيضا جرس إنذار يدق، وناقوس خطر يرن، يقول باختصار: استمعوا لهؤلاء الشباب الذين يعشقون وطنهم وتريدون منهم أن يكرهوه. لن يكرهوه وإنما سيكرهونكم.

آخر الأخبار

g