لماذا يفكر المغاربة في النوم أكثر من العمل؟ – الجريدة 24

لماذا يفكر المغاربة في النوم أكثر من العمل؟

الكاتب : الجريدة 24

الإثنين 29 أكتوبر 2018 | 16:30
الخط :

 محمد بودهان

الوقت ثروة ثمينة لأنه غير متوفر دائما بالقدر المطلوب والكافي. لذلك فهو من الموارد التي تتميز بالندرة. مما يجعله يدخل ضمن تلك التي تخضع لتدبير اقتصادي ككل الموارد غير المجانية. تنظيم الوقت وحسن استعماله يدلان إذن على حسن التدبير وجودة الاستغلال لمورد اقتصادي هام.

يتعلق الأمر في هذه المناقشة بتدبير الدولة ـ وليس الأفراد ـ للوقت كقطاع عام، يفترض استغلاله بالشكل الأكثر مردودية وفائدة.

منذ 04 ـ 07 ـ 2005، تقرر العمل، في الإدارات العمومية والجماعات المحلية، بالتوقيت المسمى المستمر، والذي يبتدئ بموجبه العمل على الساعة الثامنة والنصف صباحا إلى غاية الساعة الرابعة والنصف زوالا، مع استراحة في منتصف النهار قدرها نصف ساعة تخصص للأكل.

لن أناقش هنا محاسن ومساوئ هذا التوقيت المستمر الذي كتب حوله الكثير. وإنما سأتطرق إلى أحد العيوب الملازمة لنظام التوقيت المطبّق بالإدارات العمومية والجماعات المحلية، سواء كان هذا التوقيت صيفيا أو شتويا، مستمرا أو مقسّما إلى فترتين.

العمل بالإدارات العمومية يبتدئ عندنا في المغرب على الساعة الثامنة والنصف. ويبتدئ بالدول الأوربية على الثامنة والثامنة والنصف حسب البلدان. وهو ما يعني، بالتوقيت المغربي الذي ينقص عن التوقيت الأوروبي بساعة واحدة ـ من غير شهر رمضان حيث يكون الفرق ساعتين ـ، أن العمل يبتدئ بهذه الدول الأوروبية على الساعة السابعة والسابعة والنصف.

فالأوروبيون، والكثير من الشعوب الأخرى التي تتبنى نفس التوقيت للعمل، يتقدمون إذن عن المغاربة بساعة واحدة أو أكثر. مع أن هذا التقدم، بساعة واحدة أو أكثر، لو كان يخص المغرب لبدا الأمر طبيعيا ومنطقيا ولما أثار فضولا وأسئلة، لكون المغرب بلدا إفريقيا يقع في الجنوب، حيث أشعة النور تكاد لا تختفي إلا بعد الغروب، وهو ما يجعله بلدا يتمتع بكثافة الضياء طيلة السنة، وحتى في عز الشتاء، مما ينتج عنه أن النهار، مقدّرا بكثافة النور، يبدأ باكرا مقارنة مع أوروبا “المظلمة”.

هذه الساعة من تأخير وقت العمل عند المغاربة، مقارنة بالأوروبيين، لا تنفع إلا للنوم ساعة أخرى زائدة. وهذا هو بيت القصيد: النوم. الدولة تهتم إذن بنوم وراحة موظفيها وعمالها. لكن هل تهتم بنفس القدر بتحسين مستوى معيشتهم، الذي لا يمكن أن يتحسّن بالنوم وإنما بالعمل؟

حقيقة أن النوم عندنا بالمغرب له خصوصية مغربية. فالموظفون لا يلتحقون بعملهم إلا ابتداء من الساعة الثامنة والنصف، أي بعد أن “يشبعوا” النوم. والعديد من البرلمانيين تلتقطهم الكاميرات، وأثناء مناقشة قضايا الأمة، وهم غارقون في سبات عميق داخل مجلس البرلمان الذي حولوه إلى مجلس للنوم. والدولة، كما قلت، تنظّم أوقات العمل آخذة بعين الاعتبار حاجة موظفيها وعمالها إلى النوم في الصباح.

بما أن النهار يبتدئ من الشروق حتى الغروب، فالمفروض والطبيعي أن يبدأ العمل من وقت شروق الشمس. وهو ما يحصل فعلا بالدول الأوروبية عندما يكون طلوع الشمس حوالي الساعة الثامنة والنصف بالتوقيت المحلي في شهري دجنبر ويناير. فما المانع أن يُكيّف توقيت العمل بالمغرب مع وقت طلوع الشمس، وحتى في الفترة الصيفية حيث يبدأ العمل على الساعة السادسة والنصف مثلا؟ لكن هذا ما سترفضه الدولة الساهرة على نوم عمالها وموظفيها، لأن بداية العمل مع طلوع الشمس في الفترة الصيفية، سيحرم عمال الدولة من ساعة إلى ساعتين من النوم. هذا هو منطق دولة النوم.

لكن لماذا تفكر دولة المغرب وحدها في نوم عمالها، عكس الدول الأوروبية التي تفكر في العمل قبل النوم، مما جعل العمل عندها يبدأ، في الفترة الشتوية، في ظلام الليل وقبل بزوغ النهار؟ بل إن بدء العمل في وقت مبكّر، يلائم المغرب أكثر مما يلائم الدول الأوربية، باعتبار الأول دولة إسلامية يفترض أن مسلميها يصلّون الفجر، الذي هو فرصة للاستيقاظ المبكّر.

لكن بدل أن تكون صلاة الفجر دافعا للبداية المبكرة للعمل، تُستعمل لتأخير هذه البداية بذريعة تعويض المدة التي اقتطعت من حصص النوم لتخصص لصلاة الفجر. وهكذا تكون صلاة الفجر عبادة، ولكن من أجل النوم. وهذا أسوأ استعمال لصلاة الفجر.

ذلك لأن الذي يعود إلى النوم بعد أدائه صلاة الفجر، لن تكفيه ساعة ولا حتى ساعتان ليستلذ الخلود إلى الكرى. فبدل أن تكون صلاة الفجر إذن حافزا للاستيقاظ المبكر من أجل البدء المبكر للعمل، تستعمل لتأخير أوقات العمل. وهذه إساءة لصلاة الفجر نفسها، وذلك بالإساءة إلى مقاصدها وتحريف الغاية منها.

من جهة أخرى، هل الموظفون العموميون وحدهم يصلّون الفجر، كما هو مفترض، حتى نأخذ هذه الصلاة بعين الاعتبار من أجل تأخير أوقات العمل إلى الثامنة والنصف؟ لماذا هذا السؤال؟ لأن الحرفيين والمزارعين وعمال أوراش البناء يبدؤون العمل، وطيلة السنة، على الساعة السابعة، وهم مثل الموظفين فيهم كثيرون يؤدون صلاة الفجر في وقتها، علما أنهم الأحوج إلى مدة أطول من النوم لنظرا لعملهم الشاق.

إن الحل المناسب للمغرب، باعتبار موقعه الجغرافي كبلد يقع في الجنوب ويتمتّع بكثافة الضياء، وحتى يكون لنظام توقيت العمل مردوديته التنموية والبشرية، هو أن يبدأ العمل على الساعة السابعة، مع زيادة ساعة في الفترة الصيفية كما هو معمول به اليوم، أو تبني نظام التوقيت الأوربي، أي زيادة ساعة عن التوقيت العالمي في الفترة الشتوية وساعتين في الفترة الصيفية، مع خيار بداية العمل على الساعة الثامنة.

أما في شهر رمضان فلا يبدو أن هناك داعيا معقولا لتغيير التوقيت الصيفي للعودة إلى التوقيت العادي، مما يخلق ارتباكا في ضبط الوقت لدى المواطنين كما سبق أن أشرنا.

لا داعي لذلك لأن مواقيت الصلاة فلَكية ومستقلة عن أوقات العمل التي يمكن تغييرها كلما دعت إلى ذلك ضرورة سياسية أو إدارية أو اقتصادية. فلا داعي إذن لتغيير التوقيت في رمضان حتى يبتدئ العمل على الساعة التاسعة وينتهي عند الثالثة بعد الزوال، إذ يكفي أن يبتدئ هذا العمل على العاشرة وينتهي عند الرابعة بعد الزوال مع الاحتفاظ على نفس التوقيت الصيفي. وصلاة العشاء والتراويح، بدل أن تكون على الساعة التاسعة والربع ستكون على العاشرة والربع، والإمساك بدل أن يكون على الثالثة يكون على الرابعة.

نلاحظ أن هذا الحل، الذي يقدّم مواقيت العمل بساعة ونصف، يجعل من التوقيت المستمر، المقرر منذ 2005، توقيتا مستمرا حقا بالنسبة للموظف الذي ينهي عمله على الساعة الثالثة بعد الزوال، عكس التوقيت الحالي الذي ينتهي فيه العمل على الساعة الرابعة والنصف، مما يجعل العمل يستغرق كل نهار الموظف تقريبا، من الثامنة والنصف حتى الرابعة والنصف، حيث لا يبقى له وقت فائض يستعمله لأغراضه الشخصية، مثل التسوق، ممارسة انشطة رياضية، القراءة، مراجعة الدروس مع الأولاد ما لم يكونوا في المدرسة، زيارة الأقارب، غسل السيارة، تنظيف المنزل وإعداد وجبات وحلويات تتطلب ساعات من التحضير (بالنسبة للموظفات على الخصوص).

إلا أن الفائدة الأخرى لهذا التوقيت، والتي لا تدرك مباشرة رغم أنها هامة جدا، هو أن بدء العمل على الساعة السابعة، سيكون له دور تربوي يتمثل في تعويد وتدريب المواطنين على النهوض باكرا. وهذا متغير له أثره على التنمية الاقتصادية، كما تشهد على ذلك أنظمة التوقيت في أوروبا والصين واليابان وكوريا. ومن السهل ملاحظة أن تأخر بداية العمل في الإدارات العمومية والجماعات المحلية حتى الساعة الثامنة والنصف، يؤثر بدوره على تأخر بدء الحركة الاقتصادية، حيث لا تفتتح غالبية المتاجر أبوابها إلا بعد الساعة التاسعة.

وحتى يكون هذا التوقيت، الذي يبتدئ معه العمل على الساعة السابعة بدل الثامنة والنصف، مفيدا وذا مردودية، لا بد من تعميمه إلى القطاع الخاص (المعامل والشركات…) كذلك، وإلى المؤسسات التعليمية التي ينبغي، تطبيقا لهذا التوقيت، أن تبدأ الدراسة بها، وبجميع المستويات الابتدائية والثانوية والجامعية، على السابعة صباحا بدل الثامنة.

وهنا يجدر التذكير أنه منذ الاستقلال إلى الثمانينيات من القرن الماضي، كان الدخول المدرسي يبدأ على الساعة السابعة صباحا، صيفا وشتاء، وفي وقت كانت فيه المدارس قليلة، مما كان يحتّم على التلاميذ قطع مسافات طويلة للوصول إليها، فضلا عن غياب الإنارة الكهربائية في معظمها. لقد كان هذا الحل ضروريا بسبب الخصاص في القاعات التي كان يجب أن تشتغل منذ الساعة السابعة. أما إذا تم تبني هذا الحل اليوم، فستكون وراءه الرغبة في “إعادة انتشار الوقت” لاستعماله على الوجه الأكثر مردودية وفائدة.

قلت إن الدولة تؤخر أوقات العمل إلى الساعة الثامنة والنصف، لأنه يهمها أن ينام عمالها وموظفوها بشكل جيد وكافٍ. لهذا قلت إنها دولة النوم بسبب ما تعطيه من أهمية خاصة لنوم عمالها وموظفيها. فهل حقا حرصها على نومهم هو الذي يفسر نظام التوقيت بالمغرب؟ لا نعتقد ذلك. بل يمكن القول إن آخر ما تفكر فيه السلطات هو راحة ونوم عمالها وموظفيها.

رأي