القراءة ..حياة – الجريدة 24

القراءة ..حياة

الكاتب : الجريدة 24

الخميس 01 نوفمبر 2018 | 14:17
الخط :

عبد الرحيم قبلي

ليس من قبيل الكلام الشعري أن نعنون هذه المقالة بهذا العنوان ، الذي يبدو للوهلة الأولى شعارا أكثر منه حقيقة تذهب إلى حد التطابق و التماهي، ذلك أن الحياة من غير قراءة ، عنوان كبير لكائن لم يكن شيئا مذكورا، و من هنا تم تسجيل التاريخ بما قبل لا نعرف عنه إلا القليل، و ما بعد نعرف عنه الكثير طبعا، و لم يكن الفاصل بينهما غير الكتابة أي القراءة، فبالقراءة استطاع الإنسان أن يؤسس لمعنى إنسانيته و حقيقة وجوده ، و أن يمارس رسالته التي ما كانت لتتحقق إلا بشرط العلم، و لا تحقيق للعلم من غير قراءة ومنه أمر الله تعالى بالقراءة قبل أي كلمة أخرى في العقيدة أو العبادة. فما الذي نقصده بالقراءة؟ و ما العلاقة بين العلم و القراءة في الثقافة العربية ؟ و ما هذا الذي نسميه علما في عالمنا المعاصر؟ و ما تأثير القراءة تاريخيا و جغرافيا؟ و ما هو وضع الدول العربية مجتمعة تجاه العالم المعاصر و تجاه تراثنا من حيث إنتاج عناوين الكتب و الوله بالقراءة و الإقراء؟ و ما علاقة القراءة بالحرية و السلطة؟..

قد تختلف الإجابات عن سؤال معنى القراءة، نظرا لكثرة استعمالات هذه الكلمة في سياقات مختلفة، ذلك أن من القراءة قراءة الصحف، و قراءة المستقبل، و قراءة الصورة و المسرحية و حركات الجسد و الفنجان و الكف…. و.. الكثير من المعاني المستعملة التي قد نتفق في ممارستها و قد لا نتفق، لكن تبقى كل تلك الاستعمالات مشتركة في معنى تفكيك الرمز و المختزل و إعادة تركيبه، و من هنا جاز لنا أن نعرف القراءة بأنها  القدرة على فك رموز تختزل الزمان والمكان ، و على إعادة بنائها و تركيبها بشكل بيّن يضمن لها النمو و التطور و الانتشار. فالقراءة أولا قدرة لا يمتلكها سوى الإنسان فهو المؤهل الأول و الأوحد لاكتسابها ذلك أنها شرط وجودي لتحقيق مهمة الاستخلاف في الأرض، و إذا ما تبين هذا المعنى أمكننا القول أن القراءة تمثل خيطا رفيعا لكنه فارق و بشكل نوعي بين الناس، فمنهم من سيرتقي بفضل القراءة إلى تحقيق كامل إنسانيته ومعنى وجودها ، و منه تحقيق وعد الله فيه و حمل أمانته على هذه الأرض، وإلا كان دون ذلك.

و لما كانت القراءة و العلم وسيلة كما هو ظاهر ، فهو ككل وسيلة يمكن أن يستعمل لأغراض قد لا تنسجم و روحه و غاياته، كما هو حاصل اليوم ، فكان لابد لنا من إثارة السؤال ، لماذا نقرأ ؟ و ماذا نقرأ ؟ طبعا كل الإجابات قد تذهب  إلى  تحقيق المتعة و زيادة المعارف … و ليست كل القراءات تحقق المتعة و لا كلها تزيد في المعرفة فقد يتحقق خلاف هذا، ثم إن هذه الإجابات لا ترتقي إلى وضع محددات و أطر تساهم في خلق وعي يوجه نوع قراءتنا لتكون ممتعة و مفيدة لنا و لغيرنا ، و فوق هذا لا تحقق المعنى الجوهري من القراءة المتمثل في ما سبق أن حررناه، لذلك  فأروع ما يحدد جواب هذا السؤال هو قول الله تعالى : ” اقرأ باسم ربك الذي خلق، خلق الإنسان من علق ، اقرأ وربك الأكرم ، الذي علم بالقلم ، علم الإنسان ما لم يعلم” ، و منه تكون  الغاية الأولى من القراءة معرفة الله تعالى أولا، و هذا المعنى هو الغاية الأولى للعلم أيضا و الآيات القرآنية في ذلك كثيرة، أما الغاية الثانية فهي معرفة الخلق ويشهد على هذا المعنى آيات عديدة من القرآن منها قول الله تعالى : “قل سيروا في الأرض فانظروا كيف بدأ الخلق” ” قل سيروا في الأرض فانظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلكم ” و السير و النظر لمعرفة كيف بدأ الخلق أو معرفة العبر والقوانين و  السنن فيه دعوة لممارسة العلم من أجل حسن التدبير و التسيير حتى نكون في مستوى الأمانة الإلهية التي كرم بها الإنسان،  و اكتمال الكرم الإلهي لا يتجلى بأبعاده الملموسة عيانا بين الأمم إلا بفضل القراءة ومنه قول الله تعالى : ” اقرأ وربك الأكرم ”  و منه نقرأ من أجل التكريم ثالثا، ثم يأتي بعد هذا الزيادة و اكتشاف علوم و معلومات جديدة و منه تكون القراءة و العلم الضامن الحقيقي للتطور و التقدم لا غير ، و هذا لا يتنافى مع متعة القراءة و لذتها التي قد تتحقق في كل قراءة ، لكن إن تحققت في ما يفيد كان أفضل، لذا فجواب ماذا أقرأ ؟ لن يكون جوابا يروم خلق وصاية و توجيه مجموع الذوات إلى نوع من القراءة ، و إنما يكفي أن يكون لنا هذا الوعي حتى نتحرر من كل وصاية ، ذلك أننا بهذا الوعي يمكن أن ننتقد ما نقرأه بعرضنا لغايات القراءة فإذا توافق مع هذه الغايات كانت مطلوبة و إلا فهي مما أمكنني معرفته و تجاوزه ، إذ لا يمكن أن ننتقد ما لا نعرفه.

و في سياق الحديث عن القراءة لا يمكن أن نمر من غير أن نبين ما لها من صلة بالعلم ، بل إنها العلم عينه ، كما هي في ثقافتنا الإسلامية ، و إلا كان الحديث من منطلق فكري مختلف لم نزل و لم يزل العالم  يعاني ويلاته و لا زلنا نسدد للأسف باهظ الأثمان الأخلاقية و القيمية التي حادت بالعلم إلى أن يتسيد على الإنسان، فما هذا الذي نسميه علما؟

معنى العلم في الثقافة الغربية يحمل في محتواه معنى ينسجم و قيم مجتمعه، فالقيمة الحديثة و المعاصرة للعلم تقوم على فكرة الفصل بين الشيء في ذاته أو النومين و نعني به كل ما هو غير ظاهر و ملموس و غير قابل للحوسبة و التكميم، و منه الأخلاق و الدين و القيم ، فهذه المجالات لا تدخل في باب العلم ، و إذا تجوزنا نقول إنها قراءة دون العلم فأمر قراءتها يصدر من قناعة فردية لا تأثير لها في الواقع ، أما العلم فهو يختص  بكل ما هو ظاهر قابل للتكميم و الحوسبة ، و منه يكون العلم قد انفصل في الثقافة الغربية عن معنى الحكمة و الأخلاق ، و في هذا يقول الفيلسوف الانجليزي برتلاند راسل ” فالقوة الجديدة للعلم تكون خيّرة بقدر الحكمة التي يتميز بها الإنسان، فلابد إذن من زيادة الحكمة التي هي الإدراك السليم لغاية الحياة، و هذا لا يقدمه العلم، فالزيادة منه لا تكفي“، فراسل لا يعتبر الحكمة و الأخلاق من العلم بل إنه يفصل الأخلاق و الإنسان عن العلم ، فصار العلم “محايدا” لا توجهه إرادة الانسان المبنية على التبصر و الرشاد بقدر ما هو موجه بغاية السيطرة على الطبيعة بما في ذلك الإنسان.

أما الثقافة العربية الإسلامية فإنها لا تفصل بين آيات النفس وآيات الآفاق ، بل إنها جعلت الحكمة و الأخلاق أساسا لكل علم أفاقي أو طبيعي و في هذا يقول الجاحظ  ”قال الأوائل حياة الحلم بالعلم، و حياة العلم بالبيان“ و منه يربط الحكمة و غايات الحياة بالعلم، و هكذا لا تقيم الحضارة الإسلامية فصلا بين العلم و الأخلاق بخلاف الواقع الإسلامي المعاصر الذي يقيم ذلك الفصل الغربي و إن بشكل غير واع لا يشعر به تحت وطأة صدمة الحداثة و اتباع نحلة الغالب، فكثير هم الذين لا يقرأون إلا ما يدخل في صلب تخصصهم المعرفي  الذي غالبا ما يكون تقنيا صرفا، و هنا نقف أمام أهم مشكل في الثقافة العربية المعاصرة، فقد انفصل السياسي و الطبيب و العالم و التقني بشكل عام عن الحكمة فوجدنا ما وجدناه من أناس في تخصصات مختلفة و بدبلومات كبير لكن من غير أن ترتقي بهم شهاداتهم إلى مستوى الوعد الإلهي في الإنسان. فهم أبعد الناس ثقافة و إن كانوا أكثرهم تعليما لأنهم في منأى عن الأدب و التاريخ و الفلسفة و الدين و الفن ، فهم و إن كانوا متعلمين فهم أقل إنسانية. فلو قدر لعلماء المسلمين فيما يقول روجي جارودي أن يبعثوا إلى الحياة، فإن دهشتهم    لن تكون من التقدم في الأفكار التي ولدت أصلا  في أحضانهم، بل إن دهشتهم ستكون من أن نظام القيم قد قلب رأسا على عقب، وسيرون أن مركز الرؤية التي انطلقوا منها صار هامشيا، و أن المحيط صار هو المركز ،  و أن العلوم التي كانت في الدرجة الثانية قد تصدّرت الاهتمام في الغرب، و أما علم الحكمة الخالد فسيرون أنه تضاءل حتى يكاد ينعدم “فلا بد إذن من توحيد المزدوج و إعادة دمج المنفصل و جعل الأخلاق و الحكمة مركزا لتحقيق كامل معنى القراءة.

فإذا اتضح المعنى و علاقة العلم بالقراءة و تبين ذلك التطابق، فإنه يتعين إبراز تأثير القراءة و أهميتها الحضارية  في حياة الشعوب و الأمم، فتاريخيا لم تخلد الحضارات على صفحات التاريخ إلا بفضل العلم و القراءة، و لم يكن التاريخ منفصلا عن الجغرافيا ، فكلما ازداد حظ الأمم من العلم إلا و ازداد مجال توسعها مكانيا من اليونان إلى الرومان و المسلمين ، و كأننا أمام شهادة وجودية لقول الله تعالى ّاقرأ و ربك الأكرم” ، و يمكن أن نوثق هذه الشهادة في عصرنا اليوم الذي تكاد تكون  فيه  نسبة الكلمة المطبوعة معيارا لتصنيف المجتمعات و الدول إلى دول متقدمة و دول متخلفة أو سائرة في طريق النمو ، و هو المعيار الذي لا حظه أرنولد تونبي حينما قال ” إن ارتفاع نسبة الكلمة المطبوعة هو الأساس الحضاري لتصنيف البلدان  في العالم إلى بلدان متخلفة أو نامية أو متقدمةّ ” إن ما يجعلنا نذهب إلى هذا المعطى هو استقراؤنا لمجموعة من الإحصاءات العالمية التي تختص برصد عناوين الكتب الجديدة الصادرة في كل بلد، ذلك أن جميع الدول المتقدمة المعروفة تكون في صدارة دول العالم من حيث إنتاج عناوين الكتب، و منه يجوز لنا أن نستعمل كلمة ” إن الله ينصر الأمة العادلة و لو كانت كافرة ” ببعض التحوير فنقول ” إن الله ينصر الأمة القارئة و لو كانت كافرة” و في كل تلك الإحصاءات لا تأتي الدول العربية إلا في ذيل التصنيف ، فإذا كانت أمريكا تتقدم مجموع الدول من حيث عدد إصداراتها السنوية 328259 ألف عنوان جديد سنة 2010 لوحدها فإن بعض الدول لا تساهم إلا بسبعة كتب كدولة عمان سنة 1996 ، أو ب 15513 بالنسبة للمغرب على مدى سبعة و أربعين سنة، و هذه المساهمة الضعيفة تبين بشكل واضح ضعف نسبة القراءة في الوطن العربي الذي يعاني التخلف بكل مظاهره،

و إذا ما قارنا نسبة القراءة و شغفنا بها بتراثنا الإسلامي فسندرك آنئذ أننا لا نعاني تخلفا إزاء عصرنا و حسب،  بل تخلفا حتى عن تاريخنا و تراثنا الحضاري ، إنه التخلف  المزدوج، فقرطبة وحدها كانت توجد بها سبعون مكتبة ، أما مكتبة بغداد فكانت مركزا علميا و كل مكتبات الحواضر الإسلامية كذلك ، و في مقابل المكتبات العامة كانت هناك مكتبات خاصة يوظف أصحابها من يقيم  عليها و يخصصون لهم أجرة .. فيما تحوي كل مكتبة الملايين من الكتب، ووصل   شغف الإنسان العربي بالقراءة حدا صارت معه القراءة و ما يتصل بها تتعدد مع أنفاسه في حال العجز والمرض ، و في حال السفر و الحضر،   و الفقر و الغنى، و في حال المشي و الاضطجاع، طلبا للأنس و اللذة أو السلوى، بل إن مبلغ حبه بها و افتتانه ورثه الزهد في الرياسة   و المناصب تفرغا لها و إقبالا عليها، حتى قيل :“من المروءة حمل الدفاتر“، و ما كفاهم نهارهم بل إنهم قسموا أوقات ليلهم لمجالسة نديم لا يتأخر و جليس لا يغيب. و بلغ شغفه و حبه إلى أن صيّره شهيدا للكتاب و القراءة.

إننا لن نكون سادة لأنفسنا و للعالم ما لم نمتلك ناصية من العلم كما هو في تصورنا الحضاري الإسلامي ، و ما لم نتحقق من كلمة اقرأ التي هي تحريرية إذا ما استحضرنا سياقات النزول التاريخية ، فلم يكن أمر ترك الآبائية ،أي ما وجدوا عليه آباءهم ،هينا و سهلا ما لم تتحرر عقولهم بفعل القراءة ، ففاعلية التغيير و التحرير لا تتحقق إلا بها ، و كل فعل يسبقها يكون أقرب إلى العبث منه إلى الفعل الواعي، إذ لا تكفي الشجاعة المجردة عن التعقل، لذلك كان التنوير محددا عند الفلاسفة بكونه ” أن تكون لك الشجاعة على إعمال عقلك”

رأي