المودني: واقع الإعلام.. قضايا غائبة ومكتسبات مهددة – الجريدة 24

المودني: واقع الإعلام.. قضايا غائبة ومكتسبات مهددة

الكاتب : الجريدة 24

الخميس 01 نوفمبر 2018 | 15:13
الخط :

سامي المودني 

كيف يمكن تقييم وضعية حرية الصحافة اليوم في المغرب بعيدا عن الأحكام الإطلاقية -سلبية كانت أم إيجابية-؟ إن الإجابة عن هذا التساؤل، تشكل أرضية لخارطة طريق جديدة للهيآت المهنية والحقوقية من أجل الدفاع عن وضع أفضل للإعلام في بلادنا.

فهذا التقييم لا يجب أن يخضع للغة المعطيات الجاهزة، وإنما إلى مؤشرات مضبوطة تهم الإطار القانوني ورصد التجاوزات والانتهاكات بأقصى درجات الحيادية، فضلا عن تحديد مستوى ملاءمة البيئة الإعلامية الوطنية للقواعد الدولية ذات الصلة بممارسة الصحافة. فلا يمكن أن نأتي ونقول إن حرية الصحافة في حالة جيدة بالمغرب أو نصرح بالعكس تماما دون الاستناد إلى منهجية دقيقة، وإلا فإننا نكون أمام معطيات تفتقد إلى الدقة، ظاهرها حقوقي وباطنها “سياسي”. فلا يمكن الاستمرار في تقييم حرية الإعلام اعتمادا على “شعارات قطعية”، بدل الاعتماد على مؤشرات حقوقية.

وفي الحالة المغربية يلاحظ التركيز كثيرا على قضايا معينة مرتبطة أساسا بالجوانب السياسية دون غيرها، في حين أن تقييم حرية الصحافة يفرض الأخذ بعين الاعتبار مجموعة من المؤشرات والمتغيرات والتحولات التي يعرفها قطاع الإعلام في العالم وتحليلها، لإبراز ما تحقق من مكتسبات وما لم يتحقق. ومن هذه الزاوية اخترنا تقديم قراءة لحرية الصحافة بالمغرب في هذه الورقة، من خلال ثلاث مستويات: علاقة المال بالإعلام في المغرب اليوم، الإطار التشريعي والقانوني المنظم للعمل الصحافي والإشكاليات المرتبطة بعدم احترام أخلاقيات المهنة.

كلاب الحراسة الجدد

الاعتبارات الاقتصادية تتحكم في منسوب حرية الصحافة والإعلام. كانت تلك خلاصة كتاب «كلاب الحراسة الجدد» لصاحبه سيرج حليمي الصادر سنة 1997. إذ وجه الباحث الفرنسي المعروف من خلال مؤلفه، نقدا لاذعا لواقع الإعلام في بلاده، واتهم مؤسسات إعلامية كبرى بالخضوع لسلطة المال عبر تحليل شبكة المساهمين والمعلنين في الجرائد والإذاعات والقنوات.

من دون شك، تجد خلاصات «كلاب الحراسة الجدد» صدى لدى الزملاء في رحاب صاحبة الجلالة بالمغرب، كما تسعفنا منهجية حليمي إلى حد بعيد في فهم جزء من واقع الإعلام في بلادنا. فمع الأخذ بعين الاعتبار لمنسوب وتاريخ الديمقراطية في كل من الرباط وباريس، جاز لنا طرح التساؤل بخصوص دور الفاعل الاقتصادي داخل هيآت التحرير المغربية، وهل يبقى تدخله في حدود الممكن أخلاقيا ومهنيا، أم أنه يتحول تدريجيا اليوم إلى فاعل في عملية صياغة المقالات؟

لم يعد مجموعة من الفاعلين الاقتصاديين الكبار بالمغرب يقتنون المساحات المخصصة للإشهار، والاكتفاء في أقصى الحالات “بتدخل ناعم” من أجل تحقيق بعض الأهداف التحريرية المحدودة، من قبيل “غض الطرف” عن قضية معينة مرتبطة بالمقاولة صاحبة الإعلان (وهو الأمر الممنوع أخلاقيا طبعا). بل أصبحت عدد من المقاولات تفرض بموجب “عقود قانونية” مع وسائل إعلام معينة إدراج مقالات عبارة عن “إعلانات مقنعة” على شكل مواد صحافية، فضلا عن ضمان تغطيات إعلامية لكل أنشطة المقاولة صاحبة الإعلان بموجب العقد الإشهاري المذكور، سواء كان الخبر مهما للجمهور أم لا.

طبعا هذا الخلط بين الإشهار والتحرير في وسيلة إعلام معينة هو أمر منافي لأخلاقيات مهنة الصحافة، لما يكتسيه هذا الأمر من تضليل للمواطن وضرب لحقه في المعلومة الصحيحة. هذا الوضع لا تتحمل مسؤوليته المؤسسة الإعلامية لوحدها، وإنما يرتبط بالنموذج الاقتصادي للمقاولة الصحافية الوطنية، المعتمد بشكل شبه كلي على مداخيل الإشهار، وسط منافسة شرسة سمحت فيها الثورة التكنولوجية الإعلامية، بتعدد فضاءات ومساحات الإشهار أمام المعلنين، سواء على مستوى محركات البحث غوغل أو يوتيوب أو شبكات التواصل الاجتماعي.

ولا تقتصر المنافسة في المغرب على هؤلاء فقط وإنما تأتي من أشكال جديدة من الإعلانات، تتنامى في مواقع إلكترونية تشبه “الصحافة الرقمية”. هذه المواقع التي تتحصل يوما بعد آخر، على نسبة من سوق الإشهار في المغرب، لا تقدم نفسها على أساس أنها مواقع إخبارية تنتج مقالات صحافية، وإنما تقدم نفسها على أساس أنها “وكالات تواصل وتسويق” تنتج المحتوى الرقمي، وتمنح خدمات للمعلنين تتمثل في إمكانية تقديم أشكال متعددة من الإشهار في مواقعها تحت شعار “تحديث سوق الإعلانات”، وهي جملة ظاهرها تسويق منتوج إعلاني معين وباطنها خرق أخلاقيات مهنة الصحافة.

وهذه الخدمات لا تعير طبعا أية أهمية لأخلاقيات المهنة القائمة على الفصل بين الإعلان والتحرير، بل إنها قائمة أساسا على الربط بينهما بشكل علني وسري في المقالات التي تنشرها. صحيح أن هذه المواقع لا تقول إنها صحف رقمية إخبارية وإنما فضاءات للتسويق والإشهار، ولكنها في الآن نفسه تقدم محتوى إخباري (أخبار، حوارات مصورة، تقارير…). وهذا الوضع يدفعنا إلى التساؤل بشأن وضعيتها القانونية، فهل هي مواقع تابعة لشركات تواصل معينة وبالتالي يحرم عليها القيام بعمل صحافي؟ أم أنها مواقع رقمية إخبارية وبالتالي وجب عليها التقيد بالحد الأدنى من أخلاقيات المهنة؟

لقد حان الوقت من أجل فتح النقاش بشأن تأثير الفاعلين الاقتصاديين على عمل السلطة الرابعة في المغرب، والتوجه نحو إقرار تشريعات تحمي حرية الإعلام وتحصنها ضد مختلف أنواع التدخلات الناعمة والخشنة، القادمة من عالم المال. صحيح أن هذا الإشكال عالمي ودولي اليوم، لهذا ظهرت خدمة القراءة المؤدى عنها في عشرات المواقع الأوربية على سبيل المثال، كبديل عن “التحكم الاقتصادي” الناعم في خطوط التحرير، لكن هذا لم يمنع من البحث على مخرجات قانونية وتشريعية في عدد من الدول، فعلى سبيل المثال، يمنع قانونيا على المجموعات الإعلامية الكبرى في دولة النرويج مثلا، امتلاك أزيد من 40 في المائة في كل وسيلة إعلامية (تلفزة، راديو، جريدة..).

 تشريعات مهددة بالزوال

إن هذه الدعوة إلى سن تشريعات تحد من تأثير الفاعل الاقتصادي على الإعلام، لا تعني أن باقي القوانين المنظمة لحرية الصحافة في بلادنا جيدة في عمومها ولا ينقصها سوى تنظيم العلاقة بين المال والإعلام، بل إنها تحتاج إلى العديد من التعديلات رغم كل التقدم المسجل.

فقد شهدت الولاية الحكومة سواء الماضية والحالية، تنزيل عدد من النصوص القانونية المهمة في المجال الصحافي والتي انتظرها المهنيون طويلا. أقصد هنا قانون الصحافة والنشر، قانون الصحافي المهني والقانون المنظم للمجلس الوطني للصحافة. ورغم الملاحظات التي يثيرها العديد من مهنيي القطاع حول ما تضمنته بعض المواد القانونية في هذه القوانين، وخصوصا على مستوى قانون الصحافة والنشر، إلا أن خروج هذه القوانين إلى حيز الوجود في حد ذاته، يمثل تقدما هاما.

لقد تضمنت هذه التشريعات العديد من المقتضيات الإيجابية، ومن بينها تعريف من هو الصحافي المهني وشروط حصوله على البطاقة، ما يشكل في نظرنا قطعا للطريق أمام عدد من المسترزقين والطارئين والغرباء على مهنة الصحافة. وتضمنت هذه القوانين موادا تنص على الحماية القضائية والاجتماعية للصحافيين، وحماية مصادر الخبر، وحماية الصحافيين من الاعتداءات، والتنصيص على أن منع ومصادرة الصحف أصبح بيد القضاء وليس بقرار إداري… وغيرها من المكتسبات، التي تتناسب والدستور الذي ينص في فصله 28 على أن “حرية الصحافة مضمونة، ولا يمكن تقييدها بأي شكل من أشكال الرقابة القبلية”.

كما أصبح واقع الإعلام يدخل ضمن أجندة المملكة المغربية أمام المنتظم الدولي، إذ يتأتى ذكر واقع حرية الصحافة في المنتديات واللقاءات الدولية. وعلى سبيل المثال، أكد السيد مصطفى الرميد، وزير الدولة في حقوق الإنسان، أمام مجلس حقوق الإنسان بجنيف في وقت سابق أن “حرية الرأي والتعبير مكفولة بأحكام الدستور والقوانين الوطنية ذات الصلة”، وشدد على “التزام الدولة بحماية الصحفيين ضد كل اعتداء، وتعزيز دور القضاء في مجال حماية حرية واستقلالية الصحافة”.

في المقابل، يسجل عدم تجاوب الحكومة المغربية مع توصية صادرة عن مجلس حقوق الإنسان بجنيف، تهـم المطالبة بإلغاء متابعة الصحافيين بالقانون الجنائي عوض قانون الصحافة والنشر بشكل تام، خصوصا وأن عددا من الصحافيين بالمغرب مازالوا بتابعون بموجب القانون الجنائي عوض قانون الصحافة في قضايا النشر، وهذا الرفض جاء على لسان السيد وزير الدولة المكلف بحقوق الإنسان.

وهذا ما يفسر الاستمرار في متابعة الصحافيين بموجب القانون الجنائي عوض قانون الصحافة في قضايا تتعلق بالنشر. في هذا الإطار، نذكر على سبيل المثال، متابعة أربعة صحافيين مغاربة خارج مقتضيات قانون الصحافة، بتهمة تسريب معطيات وأخبار تتعلق بلجنة تقصي الحقائق.

الأمر لم يقف عند الحد، بل وصل إلى درجة محاولة إفراغ قانون الصحافة والنشر من محتواه عبر تقديم الحكومة لمشروع قانون جديد يحمل رقم 71 – 17. صحيح أن هذا المشروع تضمن تعديلات يجب تنزيلها بشكل آني، وتهم التنصيص على بعض الاستثناءات في المقتضيات القانونية الخاصة بالشروط الواجب توفرها في مدراء نشر الصحف الرقمية والورقية والدوريات العلمية، إلا أنه في المقابل تضمن تعديلات يراد من خلالها نسخ مواد في قانون الصحافة وترك تنظيمها للقانون الجنائي، بمعنى إفراغ قانون الصحافة من محتواه وفتح المجال أمام متابعة الصحافيين بموجب القانون الجنائي في قضايا متعلقة بالنشر، والذي لا يقتصر على الغرامات (مثل قانون الصحافة والنشر الحالي) بل يتجاوزه إلى العقوبات السالبة للحرية.

وبدا أن الحكومة كانت عازمة على تمرير مشروع القانون المذكور في مجلس النواب، لولا يقظة بعض البرلمانيين الذين حالوا دون المصادقة عليه، وفرضوا على وزارة الاتصال فتح نقاش وطني موسع مع الهيآت المهنية الممثلة للصحافيين داخل البرلمان. في حين أن إصرار الحكومة الإبقاء على استمرار متابعة الصحافيين بموجب قانون الجنائي في قضايا النشر عوض قانون الصحافة، يطرح أكثر من علامة استفهام ويدفع إلى التساؤل حول الجدوى من وجود قانون للصحافة والنشر أصلا، الذي تم إقراره بعد مسلسل طويل من المشاورات واللقاءات بين الفاعلين الحكوميين وممثلي المهنيين.

أخلاقيات مهنة غائبة 

هل الإطار القانوني والتشريعي مهما بلغت درجة تطوره كفيل بضمان حرية للصحافة كما هي متعارف عليها كونيا؟ الجواب هو لا طبعا، لأنه لا يمكن الحديث عن حرية الإعلام بمعزل عن احترام أخلاقيات المهنة. وفي المغرب، يجب أن نعترف بأن التطور الرقمي والتكنولوجي لم يساهم في ضمان تدفق المعلومة فقط، وإنما كانت له انعكاسات سلبية كبيرة على العمل الإعلامي وتردي أخلاقي فظيع، وسط صمت مريب من طرف المؤسسات التي يمكن أن تساهم في تصحيح هذا الوضع.

لن نتحدث عن خرق أخلاقيات المهنة المرتبط أساسا بتأثير الإشهار على الفعل الصحفي في البلاد، المشار إليه سابقا، لأن ذلك يحتاج إلى حوار وطني حول النموذج الاقتصادي للمقاولة الإعلامية في المغرب، وإنما سنركز على الجانب المتعلق باحترام الأفراد والجماعات وعدم نشر المعلومات إلا بعد التأكد من صدقيتها وتجنب الإثارة الرخيصة وابتزاز المسؤولين والمواطنين وعدم التحريض على الكراهية واحترام قرينة البراءة.. ومع الأسف، فإن الصراع المحموم اليوم حول إيصال المعلومة إلى المواطن مكتوبة أو سمعية بصرية، يسقط وسائل الإعلام ومن بينها مؤسسات تعتمد على هيآت تحرير مهيكلة في أخطاء مهنية وأخلاقية.

ولم يعد خفيا أننا عشنا في السنوات القليلة الماضية “انفجارا إلكترونيا” كان من نتائجه السلبية مع الأسف، السماح للعديد من الطارئين وصحافيي الصدفة ولوج مجال كان إلى وقت قريب عصيا عليهم اختراقه. وبدل أن يؤسس تفريخ المواقع الإخبارية في ضمان التنوع والتعددية الإعلامية، ساهم في انتشار ممارسات بعيدة عن المهنة وأخلاقياتها.

لقد ظهرت مواقع إلكترونية تحترف التشهير والسب والقذف في حق المواطنين وفي بعض الأحيان تصل كتابات بعضها إلى درجة التحريض على الكراهية و”تكفير” الشخصيات التي لا تتوافق وهواها. والغريب في الأمر أن هذا النوع من ”الصحافة” يجد له موطئ قدم في سوق الإعلان بالمغرب، بل إن وزارات ومؤسسات عمومية بعينها تغدق عليها الإشهار مقابل الترويج لأنشطتها.

ورغم كل المجهودات، التي بذلت في إطار ما عرف بملاءمة وضعية المواقع الإلكترونية مع قانون الصحافة والنشر الجديد، لم يتم الحد من الممارسات المسيئة لأخلاقيات المهنة. ويبقى الأمل معقودا على “المجلس الوطني للصحافة” من أجل لعب دور في هذا الإطار، لاسيما وأن هذه القانون المنظم لهذه المؤسسة ينص في مادته الثانية على “وضع ميثاق لأخلاقيات المهنة ووضع الأنظمة الضرورية التي تضمن ممارسة مهنة الصحافة في احترام لقواعدها وأخلاقياتها والسهر على ضمان احترام المهنيين لها”، فضلا على “النظر في القضايا التأديبية التي تهم المؤسسات الصحافية والصحافيين المهنيين الذين أخلوا بواجباتهم المهنية”.

إن الهيأة العليا للاتصال السمعي البصري المعروفة اختصارا بــ”الهاكا”، وبحكم الصلاحيات الممنوحة لها، ساهمت في الحد بشكل كبير من الانزلاقات ذات الارتباط بأخلاقيات المهنة في الإذاعات الخاصة والقنوات التلفزيونية، بالرغم من كل الملاحظات التي يمكن تسجيلها على أدائها وعملها. وهنا يطرح السؤال: هل سيتمكن “المجلس الوطني للصحافة” بتركيبته الحالية من لعب نفس الدور في الحد من خرق أخلاقيات المهنة في الصحف الورقية والمواقع الإلكترونية؟ الجواب عن هذا السؤال يلزمه شيء من التريث وكثير من الأمل، عسى ألا يغلب منطق التوافقات على مبدأ حماية الصحافة من منــتهكي أخلاقياتها.

رأي