قصة قرية مغربية منسية – الحلقة الأولى – الجريدة 24

قصة قرية مغربية منسية – الحلقة الأولى

الكاتب : الجريدة 24

الثلاثاء 27 نوفمبر 2018 | 11:45
الخط :
  • الدكتور عبدالله صدقي

حدث هذا في أواخر الخريف الموجع، حين أوشكت  الرياح الموسمية أن تذهب بكل شيء و  تُطيح على مهل  بكل صرح عنيد من الذكريات. وقبل أن ترحل تِزْكي القرية بجل ضيعاتها  كي تنبثق سنابل خُضر كالفراشات ، و تغدو  آمالا تائهة  داخل بيوت الوحل،  تخطها خربشات الأطفال فوق جذوع النخيل رسوما  و طلاسم .

حين يتنفس الصبح  الصعداء تتناثر أصوات المهللين بأحرف القرآن العذبة التي تعلو  عند مطلع  الفجر ،و بعد صلاة المغرب  حيث يسكن النهار ليلا بطيء التقدم ،تتصاعد إثرها أصداؤها فوق سطح المسجد مخترقة فضاء الجبال  نحو سماء تزكي المِحراب .

ينبعث الفجر برحيق نسماته الوديعة ،يلوح مع الآذان وقد استقبلتْهما أرجاءُ البلدة على نغمات أوتار ماء جداولها  المتدفق الزلال (الله أكبر ،الله أكبر) ،فتشرع أبواب المنازل في انفراجها رويدا رويدا  . ومن كل حدب وصوب عبر أزقتها   ينهال سيل من المصلين يَتوافدون على المسجد كبارا وصغارا وهم يرتدون جلابيبهم الصوفية  الغليظة .

كنت أصاحب والدي و التصق به في غسق الظلام خوفا من هجوم وحش قد لا يرحم . وبين صفوف المصلين أشعر بالدفء وقد أرخى سدوله علي بأنماط الطمأنينة .لحظات ربانية تسري عبر قراءة الإمام الجذابة و بإيقاع كلماته (والفجر وليال عشر والشفع والوتر) ،أحس باللذة الجامحة    تسري في سائر كياني الهزيل، فتدِبُّ في عروقي الحياة  وأمد عيني بعيدا  فأخالني بين سِرْب من الحجاج يطوفون بالكعبة  مهللين ومكبرين كما كان يخبرنا عنهم  سيدي الطالب فقيه المسجد .

بين و وسط هذا الصف المرصوص من المصلين لا تكاد تسمع إلا همسا،  ركوعا وسجودا وقياما .ثم نجتمع لقراءة قرآن الفجر ، فنتربع في حلقة حول سيدي الطالب الفقيه ، و نشرع في ملاحقته بالقراءة .

مرة  مرة  ،كنت أنهض لأطل من فوق سطح المسجد على جنان البلدة ، فأجدها رائعة و فتانة بنخيلها الكُحْلِيِّ  وقد بسط  جماله المثير  . تضحى  تزكي البلدة ساكنة آمنة، وكأن  حروف  القرآن التي تنبعثُ من أفواه القراء تنشر بُدُورَها أزهارا و ورودا طيبة في متاهات الحقول  و على سطح ترس الضيعات  لتسكن جلَّ أركان تزكي البلدة مضفية عليها حلَّة  العذوبة والإثارة  و السحر الأخاذ ، هكذا كان يبدو لي ،بل هكذا كنت أحس .

وبعد نهاية قراءة الحزب القرآني ننزل من السُّلم الخشبي و ننتشر عبر الباب الخلفي الواسع منفذه ، ليقصد كل منا  بيته هرولة . أما مجموعة من الرجال  الفلاحين فكانوا قد جمعوا أمرهم الليلة الماضية لينطلقوا إلى حقولهم و هم يحملون على كواهلهم  الفؤوس و المعاول  وكل معدات الزراعة ولوازم  الحرث  .

و في كثير من الأحيان كان والدي يسمح لي بمصاحبته إلى الحقل ،أراه يهوي على الأرض بفأسه القديم، ويشقها شقا لري رَبْعِها ماء ،و يُكد س مجموعة من أوحال التراب في جهة ليفسح مرور الماء إلى جِنان الجوار حتى ترتوي  حقولها وتُسقى بمياه ربها سقيا وريا  تجعل  الحياة تدبَّ فيها  و تغمُرها  كَرَّة أخرى .

و غير بعيد عنا قَدِمت والدتي  تحمل صينية  الفطور المغطاة بمنديل من صوف مزركش بالألوان الزاهية، وتنزلها على مهل تحت شجرة الزيتون الوارفة ظلالها ،وحين يزيح أبي  هذا المنديل  آخذُ في متابعة أشعة الشمس التي تبسط خيوطها الذهبية على جريد النخيل ،فينعكس شعاعها الوامض لينبعث ثانية من الحِجارة اللامعة وكؤوس الشاي المتلألئة و برادها  المنتصب كالسلطان وسط الأمراء.

تنصرف أمي لحالها  للتو ، فنجتمع مع باقي الفلاحين  نرتشف الشاي العذب   ذا النكهة الجذابة المعتقة ، كنت أراني  سيدا  بلا منازع بين هؤلاء الفلاحين  ، أتصفح  كل حين وجوههم و أياديهم الملطخة بالوحل  واحدا واحدا  .

أشعر بالزهو و الكبرياء  لأني حظيت بهذا الترحاب المهيب بينهم ،رجال تبدو عليهم علامات الهبة والوقار  .كل واحد كان يمثل لي جبلا شامخا بالعزة الأمازيغية المغربية  وأنفتها .

كان هؤلاء الفلاحون أجسادا  نحيفة العود ، ملأت الشمس  خدودهم  بالبثور و البقع المتناثرة  ، أما  أكُفَّهم   فقد خضبتها  عصيُّ الفؤوس و المعاول  فأودعت على بطنها جروحا و خدوشا عميقة الغَور  .لكن أعينهم تبهرك بما كان يتدفق منها من  الأمل و والرضا   و التحدي والعزم  المتواصل .

هدير لاسطاس

هنا الحياة بلدة زمنية الحدود ، ولياليها شوارع غرناطة الجنان ،تعبث بين أروقتها  خيول القرى بصهيلها .و  أطراف تِزْكي الأمان تدعو ضواحيها المتناثرة تحت حِداد  من ارتحل و أُبْعِد قهرا.تمَّتَ بوادر  الرغبة  متعلقة على جدران ضيعات سوس الأم ، و تِزْكي الزاهية تنشق من ضلوع الموت والبقاء، وسواعد الحقول تمتد على ورود و حبق الضيعة كالحرباء المخضبة . هنا يتوهج الفانوس القديم مرات ومرات ،وداخل أركان البلدة  تربعتْ كل الآمال صادحة تارة و منذرة أخرى.

لاسطاس (شاحنة نقل  المسافرين)موغلة  في الطريق الملتوية مثل ثعبان  يفر من خطر محقق به يلاحقه حينا ويداهمه أخرى ،  تقطع المنعطفات المنعرجة   بهد يرها المبحوح ،والجبال تمر مرَّ السحاب المسرع  ،والسائق بوجمعة الرجل القوي البنية ،الأسود اللون يُدير المقود بعنفوان الزهو، متظاهرا  بالحنكة و الإتقان في السياقة  كما هو مشهود له بها لدى أهل سوس قاطبة ،و تظهر حنكته في السيقة   حين يصل إلى منطقة واسكسوا،

و هي ممرات عسيرة  بين عقبات  الجبال الوعرة  ،تبعُد عن مدينة تارودانت ببضعة كيلومترات وتقترب من  قرية إغرم  .ترى لاسطاس تهتز كل حين  وتهتز فترتفع نحو الأعلى  ثم تنخفض ، و الركاب يرفعون ترانيمهم صلاةً على الحبيب المصطفى  صلى الله عليه وسلم ، متقطعة بالتتالي و مختلطة بنغمات أمازيغية  عذبة وقد  تمازجت  بالألفاظ العربية  فصارت تبدو لكنتها في أشد روعتها  الموسيقية الجذابة  ،و ذلك  حتى يحفظهم الله من  الخطر الداهم الذي أصبحت لاسطاس الشاحنة تواجهه عبر هذه المنعطفات الشديدة الارتفاع. فكم من حادثة أليمة على هذه الممرات خلفت مآسي لدى سكان البلدة، وكم ذهبت من  جراءها ضحايا بشرية من باقي  سكان القرى المجاورة .

و من بعيد كنا في البلدة نتابع هزات صوت لاسطاس (شاحنة نقل  المسافرين) قادمة ، ونعرف  جيدا أية قرية من القرى  تقترب إمنها  أو تحط فيها بالتمام   .

بعد لحظات من الانتظار المشوق تظهر طلعتُها التي تتموج كالموج العنيف من وراء الجبال ،تهتز نفوسنا بخليط من الخوف والرهبة  والفرح  في آن واحد، فتتعالى أصواتنا بالترحيب و التهليل  والسرور ، ونحن أمام  (الكراج)المحطة  حيث الدكان ننتظر كبارنا وصغارنا بشموخ العزة و إباء الأمازيغ .

يقترب المسافرون من معالم  بلدة تزكي الشوق  بشغف وعشق لترابها  وهم يرون جبالها الوديعة مرتفعة  شامخة  متلبدة أوتادا و رواسي  في أماكنها،  وقد التفت حول القرية دروعا واقية  ، تقف لاسطاس  والغبار يتطاير من جنباتها ، ويشرع السائق بوجمعة في  تهدئة روعها رويدا رويدا  وكأنها أسد هائج  رئبال ، ثم يأمر مساعده  كي يفتح بابها ليتمكن المسافرون من الهبوط  .

كلٌّ من هؤلاء قد نصب  هامته ،وانتصب قامته تكلفا ، رافعا كتفيه  حتى يستقبله الناس  استقبال المنتصر الغانم ،الذي عاد من  إحدى المعارك الضارية  إلى قريته و عائلته بأموال و أمتعة استطاع بدهائه  وذكائه  أن  يُعارك أهل المدينة التي هاجر إليها ، ويتمكن من امتلاك وحيازة ما استطاع من خيرات ، فحملها إلى أهله منتشي القامَّة بعجرفة ناذرة  ومترنحة ،و في نفس الوقت بريئة شيئا ما  تؤكد الاعتزاز بالأصول .

عند الوصول يلتف أهل تزكي ، شيخُهم و يافعُهم ، فِتيانهم وفتياتهم   ب( لاسطاس) ذات اللون الأصفر الغامق، والسقف المطُلي بصباغة خضراء قاتمة ، وقد حمل سطحه كل أمتعة المسافرين  من أكياس  و صناديق  و حقائب و رُزم  مكومة ، ما يزيد  (لاسطاس) هبة وتعظيما و هالة ، و نحن الأطفال  نتسابق هنا وهناك لدى كلِّ الاتجاهات  .نطوف  حول (لاسطاس)  لنعلم من هم الذين قدِموا من مدينتيْ الدار البيضاء أو من  فاس  ، هاتان المدينتان كنا نسميهما آنذاك بالغرب ، و آخرون قادمون  من خارج المغرب .. حتى ننْقلَ الخبر الدقيق واليقين الجازم  إلى  نساء القرية بكل عزة وتفاخر و امانة  .

كانت عيناي لا تفارقان السائق الأسود بوجمعة ،كنت  أشعر بخوف منه ، ومن عضلاته  و قامته المنتصبة في السماء  كعملاق  كبير ، و في نفس الوقت كنت أتمنى أن ينظر إلي ،  ربما تكلَّم معي ، أو ربما ابتسم لي  أو طلب منى  خدمة  ما .

حقا سأكون سعيدا بين الأطفال لو فعلها  و سأحضرها له  بسرعة البرق ، لا أدري ماذا يمكن أن يطلب مني ، ربما  كوب ماء  أو جرعة لبن ، المهم  أنا مستعد كل الاستعداد  لأخدمه ، وسأكون  رهن إشارته   .  و قد لا أرى  النوم  تلك الليلة لو  تسربت منه ضحكة  إلي دون باقي الأطفال  . ولكنه للأسف  لم يفعل ذلك قط ،و لم يكن يبالي بالأطفال تماما  ،و كأنهم غير موجودين في تقديره  بل حتى الكبار كان لا  يكترث بهم ،أو بما يقولون له ، و هم  يجاملونه  من كل الجهات  بشتى ألفاظ التقدير والاحترام  دون أن يبادلهم أي شيء، بل يظل متجاهلا   لكل  من  يحيط به  ، كان حقا عالما  مغلقا  وغامضا  .

 ويشيع الخبر  .

تندفع  أقدامنا و هي حافية قد تلطخت وحلا، و نحن نرتدي كسوة نسميها (المحصور )  . نتسابق ونلعب ونمرح، وننصرف حين يغادر القادمون من السفر  إلى منازلهم ، و بوجمعة السائق ينطلق بكبريائه و عنفوانه رافعا ذراعيه القويتين ليدير المقود بقوة تجاه مدينة طاطا بشموخ لا مثيل له و عيناه تتلألآن  ببياضهما الناصع وسط لون وجهه الشديد السواد . و هو  يدخن سيجارته المكدسة بشفتيه الغليظتين الجافتيْن  و الدخان قد راح يعلو ويملأ وجهه  المكشر العبوس ،الأمر الذي  يزيده الوضع  هبة و هالة  في أعيننا ،فينطلق بالشاحنة بعنف  و هي ترمي   وراءها دخانا رماديا   يسبح في الفضاء  قطعا مظلمة  خلف أخرى   .ترتجف قلوبنا نحن الأطفال  وتنقبض ، فنشعر برعشة الرعب  وقد تملكتنا  قوة العناد ، ثم  نلاحق لا سطاس  من الخلف ، وكأننا نسوق معه  أو  ننازعه و ننافسه  السباق ، و لا نعود  إلى بيوتنا  إلا عند ابتعاده عن البلدة .

لا تمر دقائق معدودات على هذا الجو المهيب  حتى تكون أخبار  كل من قدِم إلى البلدة لدى  كل أهاليها جميعا .يشيع الخبر بسرعة ومضة البرق  كما يشيع أيضا خبر ما حمله كلُّ واحد من القادمين من حقائب أو أكياس أو لا شيء . و هي قيمة  كل  واحد من القادمين إلى تزكي الأم. تتداول النساء الأخبار  وبعدها يأتي دور تداولها بين قِبل الرجال  وهم جالسون كعادتهم في ضاحية ( إمين السور)السوق الداخلي للقرية ،و ظهورهم قد التصقت بالجدران المتآكل . ابن فُلان تبارك الله حمل إلى أهله  الأمتعة والمال الوفير ، إنه بار بوالديه ، هذا هو الابن و إلا فلا . فُلان حمل إلى أولاده العديد من  الخيرات .

أمَّا من لم يحمل  شيئا من الأمتعة  فيصمتون عن  ذكره، ويكتفون بتبادل نظراتهم تحمل بصيصا من  الحسرة و الألم

أما  نحن الأطفال  فنتسارع إلى(إكران) الجِنان وسط النخيل و في منعطفات طرقها نتسابق ، كل منا يبرز شهامته و قدرته على  محاكاة سرعة  لاسطاس الذي انصرف  .  كنا نحس أننا نمتلك العالم دون منافس .نلهو فوق  الوادي الرقراق ماؤه ، و في أزقة البلدة على ضفاف الوادي  ( تسوكت وامان )  ،حيث تصطف نساء القبيلة  يقبعن  القرفصاء على  حواشي   (تارْكا) و هو جدول من جداول الوادي يخترق وسط جنان  تزكي  من بدايتها إلى نهايتها  ، يُصبّنَّ الثياب بالماء و صابون الكف الذي كانت رائحته تغزو  خياشيمنا ولا تفارقها . و أحيانا كثيرة يرفعن أصواتهن الرخيمة الرقيقة  بأحلى وأعذب الأغاني (تيزرارين) تجعلنا نسافر داخل عربات قطار المحبة والحنان بعذوبة العشق . أشعر باضطراب مشاعري  و  أحِنُّ إلى أشياء لا أتبين صورتها، و أحس بالبكاء فأهرول بعيدا عن الأطفال لأكفكف دموعي بالمحصور ( القشابة)  و هي الكسوة التي كان الأطفال يرتدونها على أجسادهم النحيفة.

بديع عالمنا هذا ، وسط النخيل والجبال الضخمة العالية  الرائعة الجمال بألوانها الداكنة المتنوعة ، كنت أحس أنها تحمينا من أي ضرر قد يحل بقريتنا تزكي  ، تتصدى للرياح والعواصف و الأعاصير ، و تجهز على  كل من هَــمَّ بأن يُلْحق بنا مكروها ما . كنت أشعر أن بلدتنا  هي  بمثابة  مملكة محصنة  نمتلكها  دون منازع ، و أنها العالم الحقيقي و الحلقة الوسطى  لهذا الكون  على الإطلاق . و أن كل  بقعة خارج بلدتي تزكي ليست سوى  قِفارٍ  وصحاري و سرابٍ ، و هذا ما كنت ألمحه   في أعين  الرجال والنساء والأطفال و الشجر والحجر .

نتمكن من اللعب  بأعواد الثقاب ، أو  أي قطعة  ما ، ولو كانت من حديد  أو قصدير ، وذلك كله على حين غفلة  من سيدي الطالب  ،دون أن ندع حظنا يضيع   من  قراءة القرآن جماعة ، بأصواتنا المترنمة المرتفعة ، والتي كانت تخترق الفضاءات إلى أن تصل إلى كل بيوتنا لتطرق آذان من فيها فيطمئن آباؤنا و أمهاتنا ، ويباركون فيما يقدمه لنا   الفقيه سيدي الطالب ، ويشكرونه ثم يزجلونه العطاء إما تمرا أو لوزا أو زيتا أو ما شابه ذلك.

تتعالى حناجرنا  حين يستشيط الفقيه غضبا ، فيحمل عصاه الطويلة من قصب  ، ويشرع في ضربنا  حتى لا نتوقف عن القراءة  بصوت مرتفع .و في نفس الوقت نرى نوعا من الرضا على قسمات  طلعته ،لأن الرسالة وصلت إلى الآباء، و أنه  طالب فقيه بالفعل  أو سيد الطلبة والفقهاء كما كانت النساء يُردِّدْن على مسامع أهل البلدة   . ،و كيف لا تكون له هذه المكانة    ، فهو الطبيب العام   إذا مرض أحدنا ، وهو الطبيب النفسي ، يقرأ ما تيسر من القرآن على المريض فننتظر الشفاء  بعد أيام . و إذا  حدث أي مكروه  أو فقدان متاع ، أو خصام بين زوجين أو عائلتين  ،فإن سيدي الطالب الفقيه قد يتدخل لإيجاد الحل المناسب ، فيصالح بين  الناس    .و هو كاتب الرسائل للناس بينهم القريبين والبعيدين ، فهو  يعلم  بأحوال  أهل البلدة  أكثر من غيره ،و أهل البلدة  بدورهم لا يبخلون عنه بالشكر  والعطاء الغزير  و تخصيصه بالوقار والاحترام

و حين تحل الأفراح .

وما أن تأتي  المناسبات الجميلة  حتى  نحمل أكياسا  صغيرة من الدوم  و جريد النخيل  نكون قد أتقنتها ايادينا ، فنطوف بالبيوت ليملؤوها لنا كسكسا  ناعما وساخنا  ونحن نردد  أغنية   (بنايو ، بنايو  …) ، آه  ، كم كان ذاك  عذبا و رائعا و فاتنا .لا زلتِ حتى الآن أتحسس مذاق هذا الكسكس  على طرف   لساني فيسيل ريقي لُعابا سائلا  ، وتشدني الذكرى إلى زمان  جميل كان حلما في مكان كانت فيه  تزكي البلدة  فضاء روحيا يزخر بطقوس  جمالية  تحار فيها النفس و تشقى في النعيم  .

وحين كان  يحلُّ  يوم الفرح والعيد نلبس أفضل اللباس (القشابة) منتظرين الليل بشغف  ليشرع الفلكلور (أكوال) ( أحواش) ،  يقوم الرجال و الشباب  بإعداد الطبول و البنادر (تاللونين)وإعداد  تسخينها على موقد النار الحطبية، فيصطفون في غسق الظلام وقد أضاءوا المكان بمصابيح الفانوس ، أو (لامبا ) أو القنديل  لأن الكهرباء  ما زالت لم تصل إلى مناطق الجنوب  آنذاك  . يشرع نقر الطبل بنقرات  تهتز نفوسنا من بعيد بشكل يوقظ  شطحات الروح وجموحها ، فترى النساء والأطفال يهرعون سراعا  ، ويُقْبِلُون من كل  الجهات بأبهى الأردية و أجمل اللباس،  و رائحة الحبق (لحباقت) تنبعث من النساء زكية  وقد وضعْنَها بين خصلات شعورهن و ظفائرهن، لا يراهن سوى الأطفال . أما الرجال فيمنع  منهم رؤية النساء ، كما يتعذر على النساء الكشف عن وجوههن أمام الرجال . فلا يراهن سوى أزواجهن أو أبنائهن  أو  محارمِهن .

ترتفع دقات  البنادر  بإيقاعها  الصاعق ، وقد اصطف الرجال  مشكلين نصف دائرة محكمة  ، يتحركون سواسية ، يُصفقون صفقات متوازنة  مع ميزان و إيقاع الأغنية ، وبذلك ينطلق الرجال الزجالون و الشعراء  ( إنظامن)  بأعذب الألحان و أجمل الأغاني ، يهتزون  إلى الأعلى و ينخفضون  إلى الأسفل بنظام  فريد  يؤكد مدى  مِرانهم و إتقانهم لهذا الفن المتنقل  عبر الأجيال . ولا يقبلون أي شطط أو تغيير لنظام  أحواش . سرعان ما يتوقفون محافظين على صفوفهم ، ليشرع بين الفينة والأخرى أحد النظامين بأغنيته (تازرارت) ذات الرموز  العميقة ، و شاعرية بلاغية  من الصور والمعاني إما عن قضايا الحياة ، أو الدين أو العلاقة بين المرأة والرجل ،أو  الموت ، أ و الأسى على فراق الأحباب، وذلك بشكل فاتن   في العبارات الرنانة  ، وانسجام متين بين الألفاظ و المعاني  التي يطوِّعونها لتصير خادمة للوزن الأمازيغي  المغربي الأصيل .

عبارات بلاغية و استعارات وكنايات وتشبيهات ومقارنات  لا مثيل لها ،تصور الحياة  كأسطورة تائهة  على نغمات سنفونية .  ما يبرز  ما تنطوي عليه اللغة الأمازيغية  المغربية من  الرموز الخيالية  والصور الشعرية  التي تشكل ضربا من الروعة الفاتنة، وقد لا يفهم كل معانيها سوى الكبار بينهم ،لأنهم لا يردِّدون سوى  تجاربهم التي يعيشون و التي يخلفون أو يتوارثونها عن الآباء والأجداد  ، فلا يجدون طريقة للبوح بها سوى عبر هذه الأهازيج من  الأغاني الصادحة .

يذهل كل السامعين ، فلا يملكون سوى الصُّياح  الصداح فرحا ، وقد تلعب هذه الأشعار دورا غير مباشر في توجيهنا و تربيتنا على الذوق السليم  نحن الأطفال ،فنتعلم معنى الحياة وحبها ، وكيفية التواصل مع الكائنات الطبيعية والإنسانية ، و طرق  احترام العلاقات الأسرية خاصة والبشرية عامة ،بل من خلال هذه الأشعار الأمازيغية المغربية  نأخذ في تعلم  فلسفة الحياة والكون . وما يتعذر على آبائنا أن يبلغوه أو يفهموه لنا عبر الكلام اليومي .

أما الفتيات فيُرسلن الحبق والورد (تيوشكنين ) لمن يخترْنه من الشباب  ليصرن  زوجات  لهم ، وكأن هذه المناسبة جُعلت سوقا  أدبيا  بامتياز  لممارسة الطقوس و العادات

و الأخلاقيات الرصينة  حتى يتسنى  لكل فتاة أن تفوز  برفيق حياتها و شريك عمرها ،

كل ذلك تحت غطاء و مُسحة من الأدب والاحترام و الحشمة  و الوقار .

الحياة بسيطة  مع هؤلاء  و أكثرها بساطة  في عالم  الطفولة  ، اللعب  وليس سوى اللعب . نبني نحن الأطفال  عالمنا الطوباوي  بين النخيل  والأشجار الباسقة ، فنمرح في خنادق الطفولة ، ونسافر في أروقة الخيال ، ونرتع في عرصات الجنان ، و نلهو كما يحلو لنا مع الزمن .

كنت أحس  نفسي ترحل في سفر أبدي مُبْحرة بزورقها في عباب المجهول ،تطوف  خنادق تاريخ هذه القبائل الموسومة  خلف الجبال الطائشة، فتنبش في أغوار الوعي الجمعي بأدوات الحس الأركيولوجية ، و تهدي في غسق  ظلامها الدامس الممطر، تصرخ و تصرخ علها تستقر  في مكان آمن ، فتضحى مسكونة بالهوس ، محمولة بصبابة الافتراض و الزهو، فتهدي منزوية  تحكي لتِزْكي الأصل و خيامها العابرة   .

جميل عالم تزكي

يوم شددنا الرحال إلى سيدي بركة ، وهو ضريح قريب من البلدة ، لا يبعد عنها إلا ببضعة أمتار .كل عائلة قد حملت أمتعتها إلى هناك ، حيث اجتمع الكل حول مَأْدُبة المشورة ، فطبخوا أكلات جميلة لا ينساها كل من ذاق طعمها أبدا،(العصيدة بالدجاج) (تاكلا ) .في هذا المكان  مرحنا  مع مجموعة من  الأطفال مرحا لا مثيل له ،  صعدنا الجبل  ، نزلنا هبوطا بحذر ،   جرينا يمنة ويسرة  ، قفزنا كالغزلان  في مرعاها ، لعبنا الكرة و النط ،وقذفنا على بعضنا  الماء وضحكاتنا تملأ فضاء السماء .و نحن نصارع الزمن الذي يُخيَّل إلينا أنه يمر مر السحاب ،فنسارع حتى لا يأخذ منا هنيهات هذه اللحظات المقدسة  .

أما أصوات النساء فكانت تتوزع في الفضاء الوسع  ، تملأ قلوبنا بالأمن  و الجلال من خلال نبراتهن الرقيقة العذبة  بالحنان و الرأفة ، فتزيد رغبتنا جموحا وثقة بالاندفاع المتواصل. فلا زالت أغنيتهن التي كنَّ يكررنها كلَّ حين ( وا سيح أتاونزا ، و اسيح أتاونزاوا يل لا أجديك إمين تاركا …) تغزو أذني و هي أغنية تقوم   بتشبيه الفتيات  بالورود والأزهار  الصفراء والحمراء   المزروعة على حافة الوادي  .

لا تزال تسكن هذا القلب الصغير  بكل  ما تحمل من معاني سامية  وروح صافية ، دون ان أخفي أني كلَّ ما  أردت أن أعود  بذكرياتي إلا و التمست المفتاح السحري ( هذه الأغنية ) دون غيرها  أرددها  فأراني أرتع في الذكرى  و أمرح بشقاء الفرحة  الروحية  .لقد كان وقْعُها شديد  الروعة على هذه النفس التي بين جنبي ..

جميل  عالم قريتنا تزكي ، وجميلة هي تقاليده العذبة  ، وأجمل منها أهلها.

لم نكن نفكر إلا في  الحب والمودة والحنان ، أرتمي بين  حضن جدتي فأشعر بالدفء  والاحتماء ، ألتقي بعمتي و خالتي و غيرهن ، فلا أرى منهن سوى الحب والوفاء و الرحمة ، لقد افتقدت عالما يوطوبيا ( مدينة فاضلة ) بحق، وكأنه عالم  لم يكن قط .

هنا أتذكر أن حدسي الطفولي لم يكذب علي  قط حين كان يُشعرني بالزمن الغادر، فأرتمي في  أحضانه ألهو مع الأطفال قبل أن يُنتزع مني  وأدرك أنه فضاء تِزْكي  العِطري فأتحسس  من خلاله التاريخ  الغارات   الغازية  بعنفوانها على أبناء الوطن .

عندما كنت أستجمع قواي بين أحضانها   كانت تزكي الواحة تستعد للانسحاب من حيث لا أدري ، تبتسم بنخيلها  في وجوه  أهلها  دون حُسبان مفترَض .كل  النساء أمهاتي  وكل المنازل منازلي ، أدخل حيث شئت ، و أتناول  ما أشاء من لذيذ الأطعمة السوسية ، لا أعرف الاعتداء  ولا المكر ، و لا الحقد ولا البغضاء. فكل النخيل نخيلي ، آكل من تمراتها كيفما أشاء .و أتسلق النخلة التي أريد ، و ألج باحات  الحقول التي أشاء ، و أتيقن أنها  جنة الأرض بعيونها و ضفافها وأنهارها ، و ضيعاتها و ربوعها ونخيلها.

و أمد  بصري  لأتابع أشجار الرمان التي كانت تنساب بين جريد النخيل ،إلى جانب شجيرات  التين  الطافحة بظلالها الممتدة إلى هناك . و نحن نرتع ببهجة  تحتها ونستظل بظلالها الوارفة .

فكم كنا نلهو في كل أزقة تزكي الصامدة ،واحدة واحدة ، من ( إمين الطرب) حيث هو فضاء للطرب و أحواش ، و الأعراس ، إلى  ( إكين العين ) فوق ضفاف عين الوادي إلى  أزقة (إنرنارن) ثم ساحة ( إمين السور) حيث نشتري ما نحتاجه من الخضر أو السلع والملابس ، أو تجد مكتب الجماعة هناك يحتكم إليه أهل القرية .

احتضان العشيرة.

و في طريقك تمر على ممرّ (أعكومي أولما ) تجد هناك أحد العطارين القادمين من مدينة طاطا التي تبعد على  بلدة تزكي بعشرات الكيلومترات ، وقد بسط سلعته للنساء  اللواتي يشترين عنده كل ما يحتجن إليه  من عطور  و عقيق  و تملحافين ( الحيك )، و الكحل  والدماليج والأقراط الفضية  الملونة ، و خواتم النقرة (الفضة) و غيرها . و قد ربط العطار  بغلته  غير بعيد عنه ، بعد أن أزال لجامها تحت الظل الوارف، وقدم لها علفها برفق لتسد به رمقها  ، وتركها تستريح  بعد أن خارت قواها من  جراء عناء  السفر و التنقل  و شدة الحرارة و بعد المسافة .

كان العطار طويل القامة أسود اللون ، تفوح منه رائحة العطور المزيجة بالكحل والعنبر والأعشاب البرية . و قد لفَّ حول رأسه  الفروال الأسود و هو (قطعة من القماش ) يقيه من غبار الطريق  و قساوة حرارة الشمس .أما  جلده فقد التصق بعظمه  حتى بدت عروق يديه خيوطا  تلبدت  على ظهر كفيه  ، و عيناه غائرتان  يُبدي من خلالهما  جدية الحزم و المعقول والشجاعة  .

بين الرجال لا يبدو سوى رجل حازم ، أما حين يخوض في التجارة مع النساء فإن طبعه يتغير كلّيا فيأخذ لونا آخر في المعاملة اللطيفة ، يدللهن و يأخذ بخاطرهن حتى يتمكن من بيع أمتعته لهن ،. فهو يعرف  ما الحوائج التي تحب كل واحدة منهن، و أنواع العطور التي تشتري ، كما يقوم أيضا  بإعطائهن ما يُردْن سلفا حتى  اللقاء المقبل في الأسبوع القادم ، أو الشهر الآتي   فهو يدرك أن  كل  زبنائه  ليسوا سوى من النساء في أغلبهن

واحدة  مما كان يضايقني  دون أن أفهم  سببها جيدا ، حيث كنت أتأسف بنوع من الغفلة والجهل لأمهات تزوَّجن من رجال البلدة الذين كانوا يتركونهن في البلدة تزكي ، و لا يأتون إلا مرتين في السنة ، بل منهم من لا يرى زوجته وأولاده إلا مرة كل  عام ،

صيفا أو حين مناسبة عيد الأضحى ،يقضي مع أسرته أسبوعا إلى شهر ، وبعدها  يقفل عائدا إلى  عمله  بعيدا خارج البلدة .

بعض النساء كن مثل الأرامل ، حيث كن يعشن طقوس القهر الاجتماعي انطلاقا من التقاليد العمياء التي كانت تسيطر  في العالم العربي بأكمله ، و يظهر ذلك من سلوكهن  وتدبيرهن أمور الحياة ،وتربية الأبناء في ظل غياب الأب الذي يعتقد أن دوره ليس سوى جلب العيش والمال لأسرته ، دون التفكير في مسؤولياته الأسرية كتربية الأطفال و رعايتهم ، و حقوق زوجته التي تحتاج إليه في حياتها و حياة أبنائها.

و قد يغيب الأب  سنوات ليجد أطفاله وقد صاروا رجالا  ونساء،  وربما لا يحضر إلا في عرس  أحدهم أو ربما وجد أطفاله  بأولادهم . هذا كان يؤلمني في قرية  كانت تمثل لي جنة فوق الأرض .

كنت أتساءل ببراءة الطفل  عن أية حياة هذه  لهذه الأسرة؟، الله الوحيد الذي يعلم نفسية هؤلاء الأبناء وهذه الزيجات ، و حتى نفسية هؤلاء الأزواج  الفارين من تربية الأبناء ، والذين ألقوا مسؤولية التربية على الأم المسكينة ، التي تظل تقاوم  وتقاوم بجهل و أمية ، وتكابد  في طريق تجهله  إلى أن تتلفظ أنفاسها الأخيرة .

هذا الموضوع كان يؤرقني رغم عدم فهمي له جيدا .إلا أن إحساس الطفل بضرورة وجود الوالدين حوله تغدو مسألة لا تحتاج إلى شك .

و رغم  ذلك  فإن  العشيرة  تحتضن هذه الأسرة، وتضمها  إلى أفرادها  ، تُضمد همومها ، و تشاركها الأفراح والمسرات  حتى لا تقاسي الإقصاء  الاجتماعي ،  حيث كل فرد من أفراد البلدة  هو داخل أسرته الكبيرة  الممتدة من أقصى  حدود تزكي إلى اقصاها ، تجعله العلاقات الاجتماعية جزء لا يتجزأ من  البلدة .

*مؤلف رواية تزكي في أعيننا

آخر الأخبار

g