قصة قرية مغربية منسية – الحلقة الثانية – الجريدة 24

قصة قرية مغربية منسية – الحلقة الثانية

الكاتب : الجريدة 24

الأربعاء 28 نوفمبر 2018 | 14:15
الخط :

الدكتور عبد الله صدقي

من جبال تزكي  الممتزجة بالصفائح الكلسية الخضراء و الصفراء والبُنية  و السوداء   تلمع مودعة  أو حزينة ، و ربع  نخيل البلدة  أراني   أُنتزع جُزيئاتٍ منها ومن أرض تزكي عنوة كما تنتزع الروح من الجسد . وهمهمات الرياح  تزمجر بجريد النخيل الأخضر ، وعواصف  المواسم  الطاغية  تتكالب  بنحيبهاالصَّهيْلي  على  جدران البيوت المتآكلة .و تزكي  الحبيبة  تبتعد و تبتعد لتنأى  هناك في العراء  .

أتابعها من خلف زجاج النافذة ،وما يمر أمام بصري أراه ساكنا  ، بل جامدا أو ميتا ، لم أكن أدري أن هذه الرحلة ستكون في حقيقة الأمر  رحلة دون عودة  ،مغادرة إلى الأبد ،  لقد ساورني خوف مهووس رغم أنني   لم أتبين صورته القاتمة بعدما ساورني هاجس الإحباط والخيبة .

في هذه اللحظات العسيرة  رسمتُ ابتسامة صغيرة على شفتي ، كمن يحاول  ردَّ الاعتبار لذاته بعد انهزام  وأنا أمرر نظراتي المشمئزة على الوجوه وهي تهفهف  و تتلاشى  أمامي.

أية لعنة حلَّت بهذه الأرض  وأي غضب نزل  من السماء ،لا أدري كيف تصبح حياة الواحد منا في يد الهباء يعبث فيها كما يشاء  كما تعبث الامواج بالسفن ، ويحملها إلى اللا قرار .إذن لن يكون يا تزكي البلدة  إلا الدمار والخيبات المتتالية .

أحسست بالوحدة و كأنما أُقاد إلى منصة الإعدام على عجل ،بسطت كفي الصغيرتين أدعو الله أن يُغيثني ، وينقدني من هذه الأيادي الطائشة ، ومن غدر هذه النفوس التي لا تشعر بشيء حولها و لا تكن أي اعتبار للكائنات.

أخذتْ ( لاسطاس)   تبتعد و تبتعد ،و تتوارى بين الجبال العالية رويدا رويدا  ،تندفع    عبر سُبلها الملتوية مثل أفعى عمياء تفرُّ من  خطر محقق . لا أسمع سوى الأصوات المتداخلة التي تنتزعني من بلدتي  و ترابي  تماما  كما  تُستأصل الأشجار من أصولها  . كان وجهي الصغير ملتصقا  بإحدى زجاج نوافد  لاسطاس ، أتابع بسهو تائه صوت  عجلاتها  المطاطية المتواصلة بهديرها  داخل كياني  المدمَّر ، و كأنها تنسل من عالم قديم .

بكل الوعود كانت كل الأماكن فوق  أرض  تزكي   محتجزة برفوفها و أكواخها و ضفاف أنهارها و هي تقترب من فجواتها  الحطامية بصمت فظيع  ، آخذة في تواريها خلف الإعصار المزمن  لدى الضعفاء المنبوذين .

فوق  بقاع  هذه الصخور كانت كل حبة من حبات حصى تزكي الزمن تعانق أقدام  وهموم الركب المتواصل .ترحل أنَّى حطَّت القوافل ، تضمد الجراح ، تلامس الجباه مقبِّلة إياها حتى ينطفئ  شعاع الكون داخل هواجس القادمين ، والخيام السُّوسيةالتِّزكوية  تتحرك من على رمالها .

وَجَعا تحكي ، وكل البِرك الشرقية  باتت تنشق عن البُحيرة ، ودمعة  تزكي مُهجة القلب   بحسرة ترحل عنها  نِعال الراحلين إلى هناك  .

كنت ملقيا على ركبتي والدتي إلى جانب والدي  وإخوتي  في المقاعد الخلفية. لحظات امتلأت رأسي بهدير لاسطاس و كأنها قاطرة  تجر أشلاءها البالية  بعنف عنيد، مُنذرة بمأساة ما ستقع عاجلا أم آجلا.

ها هو الزمن يرحل فينا متأبطا عباءات  المتسائلين ، وأغاني الصبايا تهب في انفراجها ، و رأسي فواهة بركان الدهر ، و من تلك الشرفات القديمة كنت أبدو صمتا تتقاذفه خبايا الفصول ، وبطلعة متناثرة بين الأعشاب الملتحمة أتابع ما قد مضى .

وتحلُّ فينا الدار البيضاء

 

مضت الأيام مثل غمام ناعم أدركه الرذاذ ، فراحت ذكرى تشد على دقائق الدهر  حزنا يكتنف البائسين.

ها هي   الدار البيضاء ، مدينة الأسرار تبدو بضخامة عماراتها و ارتفاع صرحها الناطح للسحب  مثل  عملاق  مزيف ، ها هي المدينة التي لُقبت عند أهل تزكي بالغول لما  كانت  تشتهر به من ابتلاعها لكل  من حطَّ قدميه على أرضها ، و تجعله نسيا مسيا لدى أحبابه في تزكي.

أقف مشدوها تحت بنايات شارع واسع ، قيل لي إنه شارع جيش الملكي ،رفعت رأسي  فرأيت شوارع ضخمة تتدفق  من كل الجهات ، جموع من الناس يعبرون الطريق يذهبون  ويعودون  ولا ينتهون ،سيارات تمضى وأخرى تأتي  ، أدرت بصري  فإذا بالإعلانات والملصقات الإشهارية تصدم عيني بألوانها المختلفة ، وتخطف بصري  بشعاع  أنوار مصابيحها  ، لم أكف عن إرسال آهاتي إلى كل ما يمر أمام  مقلتي .

صحت داخلي  رباه ما هذا ؟ أدركت للتو أنها  صدمة عاتية ستطيح  بعالمي البدوي القديم دفعة واحدة ، و  انتابني  شعور يوحي بالضياع والخيبة  .لا أصدق ما أرى ، داهمني  دوار في رأسي ، كدت أسقط أرضا ، التصقت بأمي التي أحكمت قبضتها  على يدي حتى  أطمئن لحمايتها ، ولربما هي أيضا ساورها الخوف مثلي .

شوارع منظمة وكأن رساما خطها بخطوطه الساحرة و أحاطها بزخارف  مذهلة  .

لم تكن بالفعل   مثل عالمي النخيلي  الجبلي  الصغير الجميل ، و لم تُحلى بمسحته الجمالية الداكنة و لا  بواديها الرقراق المتدفق ، و لا بضيعاتها المترامية بأشجار الزيتون والرمان و التين و التمور …

هكذا كنت أقارن  العالميْن  ، عالم مصنوع ينغرز فيَّ بقوة إغراءاته البراقة محاولا تشكيكي  في عالمي الأصلي الطبيعي  الأول ، عالم قريتي الذي ظل بشموخه  العتيد داخل هذا القلب البريء،و عالم يأبى إلا أن يجعلني أرضخ لإغراءاته .  فتشتبك  الأمور في دهني  كما يشتبك  جيْشان بينهما  في معركتهما  الحامية الوطيس .

لن أكون إلا أمينا يا تزكيالحبيبة . لأننا نحن أهلتزكي  لا نعشق إلا مرة واحدة.

كان ذلك في مطلع الستينيات من القرن الماضي  ،مررنا بأزقة المدينة القديمة  و أنا لا أصدق ما أرى ،  كثرة الأزقة تنسل من كل جانب ، ومنازل ملتصقة بعضها ببعض  و قد تآكلت حواشيها  ، شعرت بصدري يضيق لأني لم أتعود إلا  الفضاء الواسع لتزكي  و المترامي بأطرافه الرحبة  .توقفنا أمام منزل عال البناء  مُطلى بطلاء أبيض ،مزخرف أسفله بالزليج البلدي البديعي  يوجد  بزنقة  تدعى ( سيدي فاتح) كما سمعت أمي تكررها ، بدت لي ساحة فائقة الضيق   ،مرّت أمامنا مجموعة من  الرجال بقبعاتهم  السوداء الصغيرة  و بذلهم السوداء   ، كانوا  يسرعون الخطو  ، متلصصين بأعينهم  التي ينظرون بها  إلى الناس على حين غفلتهم  أفشوا السلام على أبي ،فرد عليهم وهو يبادلهم الابتسامة  ، و شرع أبي يخبرنا و هو يبطئ السير بأنهم جيراننا  (أوداين )  بمعنى  يهود ، لكني لم أفهم ما معنى كلمة يهود، فتظاهرت بأني فهمت ، لأن ما يشغلني أكبر بكثير من أي شيء آخر.ثم  صعدنا أدراجا ضيقة   و كأننا نتسلق جبلا من جبال تِزْكي  ، إلا أن الفرق شاسع تماما ، فالجبل في بلدتي  يبدو شامخا و  مهيبا تأتمُّ الهداة به .  حملني أبي  و هو يداعبني و يقول الحمد لله  على سلامتنا جميعا ثم  ارتمى   كل منا فوق سرير و استسلمنا جميعنا للنوم، وكأننا عدنا من معركة  حرب  ،لقد أُنهكت  قوانا كاملة .

عند الصباح شرعت أمي ُتعدُّ لنا  وجبة الفطور في المطبخ الذي لم تعتاد على شكله  ،  فهو  يختلف عن مطبخ البادية المملوء بأواني الطين  وأثافي الطبخ المطلية بالسواد  ،لم أر  خشبا و لا الأعواد  القابلة للاشتعال كما عهدت من قبل هناك في تزكي، ولا حتى  رائحة الاحتراق الخشبي  التي كانت تضفي على مطبخ القرية  مزية  كبرى، تجعل لعاب الواحد منا يسيل لذة دون إرادة .

 و نتابع ما قد مضى…

لا أدري كيف مرت الأيام  حتى  ألفيتني  ألعب مع بعض الأطفال من أقراني في حيّ من الأحياء الجديدة التي قطناها بعد انتقالنا من المدينة القديمة،   حي  كان يدعى ( درب السلطان )، جميع هؤلاء الأطفال  يتحدثون الدارجة المغربية  ، و أنا  الوحيد بينهم أتحدث الأمازيغية  المغربية ، يعاملونني بالإشارات في أغلب الأحيان  و كأنني  أصَمٌّ و أبكم  ،لم أكن أبالي بشيء .

ألعب ، و العب ، وألعب . لأنني كنت أحب اللعب كثيرا ، نجري، نتسابق ، يضرب بعضنا البعض  بمزاح ، تتعالى صيحاتنا . لقد سررت بأصدقائي الجدد رغم أنهم ليسوا مثل أطفالتزكي ،لأني  لا أفهم ما يقولون  جملة وتفصيلا ، ولا هم  يفهمون ما أقول .

هذا ليس بالمُهم  لدي    ، المهم هو الجري ، واللعب ، والاكتشاف و الصراخ …علَّني أوهِم نفسي بأني  بين أطفال بلدتي فأتنفس الصعداء للحظات وهمية ممكنة، و أحس بحريتي التزكوية تسري في هذه العروق التي لا تكاد تبرز  .

مرةً رأينا طائرة تحوم في فضاء السماء ، قريبة منا ،  شرعنا  نلوح لها  بأيادينا الصغيرة ونصيح بالصراخ العالي  ،الطائرة الطائرة .حقا لم يسبق لي  أن  رأيتها قربي  في ما مضى . لحظة ألقي  من نافذتها  رُكاما من الأوراق الصفراء والحمراء و الوردية ، هرولنا نلتقطها معجبين بألوانها ، و إذا بنا نسمع أنها أوراق الانتخابات  وترشيح  المرشحين من الأحزاب ، لم  أفهم ما الانتخابات ولا باقي الكلمات، وانصرفت مع رفاقي الصبيان نلعب و نلهو  بما في أيدينا من الأوراق الملونة   متباهين  مثل أبطال  لا يُقهرون .

جاء  يوم اعتبرته في تقديري يوما  استثنائيا في حياتي ، خرجت مثل عادتي  من منزلنا أبحث عن رفاقي  فإذا بي أسمع  أنين  البكاء في الشوارع  والناس يهرولون في كل الاتجاهات  منددين  و مرعوبين يسارعون الخطو ، يحملون مناديلهم  ، يبكون بعويل مزعج و حزين  ، ، النساء بنقابهن وجلابيبهن يتمايلن كالهائمات فوق رمال الصحراء ،و أخريات بالحيك و هو ثوب أبيض اللون يلف أجسادهن كاملة، يُلقين بأنفسهن  على الأرض كالأرامل اللواتي فقدن أزواجهن   .

امتلأت الأزقة بالعويل .لقد مات ، لقد مات ، مات أبونا ، مات محمد الخامس . لم أفهم أي شيء من هذه الأصوات المليئة باللغط و الغوغاء  .  تفرق  رفاقي الأطفال وهم  مذعورون  ، لم أجد بدوري ملاذا سوى  الفرار ثم الفرار ، منطلقا كالسهم  إلى منزلنا.تواصلت  أرجاء الشوارع ضجيجا وبكاء، وامتلكني الهلع والفزع ،  لم ألقي بالا  حتى وجدت نفسي  متراميا بين  حضن والدتي و هي تضمني برفق  إلى صدرها .  شرعت تهدئ من روعي  و هي تردد   لا باس ، لا بأس  ولدي  ، ملكنا محمد الخامس رحمة الله عليه.ماذا حدث و كيف ؟ ومن هو محمد الخامس ؟ و ما معنى الملك ؟ كنت أرى دموعا تترقرق جارية  على وجنتيها  فأشفق لحالها ، و أنخرط معها  في البكاء . للمرة الثانية أسمع فيها كلمة الموت .حين توفيت أختي نعيمة  في بلدتي تِزْكي و هي لا تتجاوز شهورا معدودات من عمرها . التف حولنا أهل القرية  جميعهم، وامتلأ بيتنا القديم ناسا ، كان يدعى منزل (أيت أوسي ) قرب ( إيمن السور ) سوق القرية الذي يوجد وسطها . جمهور غفير ، منهم جدتي  سلطانة  التي كنت  أقدرها تقديرا  لا يوصف ، وذلك لما تتصف به شخصيتها  من  اتزان  و الوقار الذي  تحظى به لدى أهل القرية  دون استثناء،  فضلا عن حنانها الفريد  الذي كانت تخصه لي  خصوصا  دون غيري ، وكذلك  خالاتي الثلاثة خديجة و عائشة و محجوبة ، و كلهن كن يتصفن بحنان لا مثيل له ،

إضافة  إلى خالي  (موح أبوبكرأكناو )من  نسب أبي  و أبناء عمتي ، وغيرهم  كثير ، يقدمون العزاء لأمي .و من بين أرجلهم كنت أتسلل  خفية لأرى أختي الصغيرة التي ما فتئتُ ألعب معها حتى غادرتني  دون سابق إنذار. وجدتها في  غرفتنا ممددة  و كأنها نائمة تغط في  حلم عميق  ، و قد غسل جسدها الضئيل  الذي كان يبدو لي  لأول مرة مثل دمية صغيرة جذابة ،  لُفَّتْ بقماش أبيض ناصع ، أخذتُ أتأملهامليا.جميلة أختي  نعيمة بوجهها الفضي  الوضاء اللامع البريء  ، لقد رأيت   جمالا   أخاذا  ومثيرا ينساب من طلعتها  ملاكا فاتنا ،  انهمكت فورا  في البكاء  خلف أمي التي شرعت تدس وجهها في الأرض صراخا ، هممت وراءها  بشكل مريب   حتى أتعرف عمن سوَّلت له نفسه ضرب  أمي ، لأضربه بيدي الصغيرتين متيقنا أنه سيتألم  مهما كان كبيرا أو قويا، لأنني أعتبر إلحاق الأذى بوالدتي جريمة لا تغتفر، ولن أسمح  أبدا بذلك لأي كان ،بل سأفديها  بكل ما أملك  في حياتي  مهما كلف الأمر .

اقتربتُ منها  وأنا في ذهول  أحملق في النساء حولها ، صِحت باكيا صوبها  ، وبالأمازيغية ( يِمي يِمي)  (أماه ، أماه) ،من الذي ضربك ؟ حضنتني وهي تقول ، لقد ماتت ، لقد ماتت أختك يا ولدي .

لم أفهم ما معنى  كلمة  الموت ، بل تماديت متسائلا  من الذي أماتها ؟و كأنني أسأل عمن أساء إليْها .وبعد لحظات  أتاني اليقين القاطع و أدركت أن أختي راحت إلى عالم آخر يختلف تماما عن هذا العالم دون أن أعرف كيف هو ، أو لماذا حصل هذا  ؟.

صحت كيف ؟ كيف ؟  لم أتمم  تساؤلاتي حتى حملني خالي موح أبوبكرأكناو ،وكان رجلا محترما في البلدة ، يقدره الكبير والصغير ، رجلا مهيبا  خوله الله مكانة  بين رجال وشيوخ القبيلة ،مكانة  لا يحظى بها إلا القليل . ربت على كتفي  وهو يقول لا بأس يا  ولدي  لقد أخذها الله إلى جواره .

سألته : و لكن لماذا ؟ أردف يقول : لأن الله تعالى  أراد أن يدخلها الجنة إن شاء الله . تابعت : هل سيردُّها إلينا ؟ قال نعم .

قلت : متى إذن ؟ قال قريبا .

عدت أسأله : هل  الله يحب الأطفال ولذلك  يجمعهم عنده  ليعلِّمهم .

صمَت خالي ولم ينبس بحرف مكتفيا بتحريك رأسه و علامات الحزن والأسى تبدو على محياه .

ثم أخذ أختي نعيمة بكفنها الأبيض الطاهر ، و همَّ بإخراجها من منزلنا . لكن والدتي اعترضت سبيله بالعويل  ، صاح في وجهها ناصحا   الله يهديك  يا أم العيد ، هذه مشيئة الله  لا تعترضيها  ، عودي إلى الله  ،  كلنا يوما سنموت ، وسنلتحق بها ، إنها فقط مسألة وقت فقط  ، كوني  أ لالة  مؤمنة بالله وبقدره ، وقولي إنا لله وإنا إليه راجعون .

أخذت والدي المسكينة  تكررها  كمن تاه في صحراء يهيم على وجهه .

هنا سَرى في نفسي شيء من الاطمئنان و الغرابة و ذلك  حين سمعت خالي يبشرنا بأننا سنلتحق بها ، وسنراها يوما من الأيام .

نزل خالي من أدراج  البيت  وأنا أتبعه لأرى أين سيذهب بها أو  لمن سيعطيها ، و قلت في نفسي ، إذا خولها لأحد  فسأكون أول من سيتصدى له و لغيره ، كان عزمي هذا كبيرا  كبيرا جدا .

تبعه ثلة من رجال و أعيان القرية دون النساء ، و أنا بجنبه ألازمه ، عيناي لا تفارقان أختي الممتدة بين سواعد خالي .أما أختي الكبيرة و أخي فلم أتذكر ماذا فعلا  حقا ، ولجنا المقبرة ، أمام حفرة ، وضعها خالي ببطء شديد داخلها .

انهارت قواي ، فشرعت أصرخ باكيا ، ماذا تفعل خالي ، أتريد أن تدخل أختي  التراب؟ نزعني  بعضهم بشدة  إلى أن رموا عليها التراب ، ولم يعد تظهر منها شيء  .

كانت خيبة كبيرة بالنسبة لي  ، لم أفهم شيئا مما  شاهدت  .  عُدنا أدراجنا أجر أذيال الخيبة  إلى بيتنا المملوء بالنساء .

و مع الأيام طوى النسيان موت أختي ، و كأنها لم تكن قط ، لقد نسيتها تماما .

للمرة الثانية أسمع موت أحد ، القبر ، التراب ، شرعت أفهم الآن . مسكين هذا الملك ، ومساكين أهله ، كيف سيصبرون على فراقه  .

سألت أمي  هل الذين يبكون في الشوارع كلهم أهله ؟ أجابتني ،  الملك محمد الخامس هو أبونا جميعا  ، أبو المغاربة . حركتُ رأسي دون أن  أفهم  أي شيء ،تابعت  حين تكبر يا ولدي  ستفهم كل شيء  ، فالموت يا ولدي  سُنة الحياة  ومشيئة الله على هذه الأرض  .

و يخبو الصدى على مهل

تحل أواسط الستينيات   فنقطن في حي  جديد  زنقة تادلة في سكن داخل عمارة ضيقة مليئة بالسكان .كنت أتابع  اللعب مع الأطفال من أقراني   ،و كانت  ضحكاتهم تتعالى  مزيجة بالاحتقار و الاستهزاء بي  أو بالأحرى من لهجتي .كنت لا أفهم ما يعيّرونني به  بل أنغمس معهم في اللعب  و تكرار ما يقولونه   من غير  أن أعرف أني أتعلم  لهجتهم   و أني أتعلم  عن غير  قصد  سليقة  و تعودا داخل المجموعة اللغوية .

كان والدي يشتغل مقدم الحومة و مساعد الحكومة ، بمعنى أنه  كان يساعد الناس  لاقتناء  الشواهد والوثائق الحكومية  التي يحتاجونها .كنا نشعر بفخر  و أمان  معه لأنه في نظر أمي و إخوتي  يعمل مع  الحكومة ،كما أنه يمتلك نوعا من السلطة التي تجعلنا  نتقبل الحياة  بنوع من  الأمن  و الاستقرار والاطمئنان.

حصلت على فضاء جديد أمرح فيه مع أترابي كل يوم ، وبكل أنواع اللعب  التي رُتبت  بمواسم محددة ،لا ندري من رتبها على هذه الطريقة ، ربما العقل الجمعي كما تحدث عنه سيغموند   فرويد ، وربما  العادات والتقاليد المتكررة التي تسحب سلطتها على الروح والنفس .

شدتني الذاكرة  إلى طريق ممتدة إلى ما لا نهاية ، بين الأشجار الكثيفة  الباسقة في بلدتي تزكي  بدت أشباح تروح وتأتي ، و الأرض تتسع رقْعَتُها بالنخيل والأشجار، وضوء القمر يكاد يسْحب أشعته تدريجيا فاسحا رقعة  لا يُستهان  بها إلى من  يشن الغزو عبر منعطفات الأحداث المزعجة.

هناك في ظلام المقبرة الدامس بقريتي تزكي  شرعت القبور تتحرك  وتتحرك، أوْجَسْت في نفسي خِيفة، صحتُ ما هذا ؟، الأرض تُلْقي بأمواتها رميا و تخبو مثل نار تنكمش استعدادا للانطفاء، صرخت ثانية  ما هذا  ؟ تواريت  وراء نخلة  قصيرة تكاد تلتصق بالأرض حتى لا يشعر بي أحد منهم  والعرق السائل يأخذ مني مبلغه ، الأموات يستيقظون و ينتفضون ويعودون للتو إلى الحياة ؟ حركت رأسي  بشدة بالغة   حتى  أتأكد هل ما أرى هو حلم أم واقع ، أمسكت بها من جديد ، عدت لأرى فإذا بهم يخرجون من أجداثهم  ينسلون  بأكفانهم البيضاء الملتفة حول أجسادهم ، و بِثقل  يجتمعون  يهلوسون  يتجاذبون أطراف الحديث  بينهم بسرية تامة  ، لم أستطع تمييز ما يقولون في لغطهم ، جحَّظْتُ عيني ربما أتبين شيئا ما ، لا شيء  يتغير . تمسكوا بـبعضهم و اتجهوا  نحو النهر  يغترفون  الماء بأياديهم في صف واحد مرصوص  مغمغمين و مدمدمين ، ثم  سلكوا طريقهم وهم يجرون أكفانهم  نحو بيوت ضيعة القرية   ،لعلهم  اتفقوا على أمر قد قدر ،  يريدون إلحاقه بأهل  قريتنا ، حاولت الصياح  لأنبه الراقدين في بيوتهم من هذا الخطر اللعين ،لكن دون جدوى، كل الصَّرخات  كانت تذهب أدراج الرياح  وتتضاءل كما يتضاءل الصدى ليصير إلى العدم فيخبو ببطء   ،لا أسمع إلا صداها يعود إلي ليثبت لي أن لا جدوى من الصراخ  . كِدْت أنفجر  والخوف  يسلط عليَّ جناحيه ويشل كل حركاتي . نزلوا  جماعات متتالية و الزاوية تزداد انفراجا  عبر صفوفهم ، تابعت خطاهم التي لا تكاد تبين ،أتربص خلف كل الحواجز  كلما أحسست بشيء  ما  حتى  ولجوا  وسط النخيل ، هتفت داخلي رباه  ما هذا ، واصلت آثارهم حتى وصلوا وانتهوا  إلى  ضاحية ( إمين الصور)  ثم قصدوا البيوت ،تفرقوا قِددا و هم يَلْغطون بأصوات غريبة مهمهمة. عدْتُ  أختفي  لعلي أتوارى عن أنظارهم  ،مكثوا قليلا فإذا بهم يطالعونني  فيخرجون و يجتمعون و يدخل بعضهم في بعض ، كادت رأسي تنفجر بركانا ، وببالغ الاهتمام أتابع المشهد المريب  والعرق يأخذ مني مداه و يسيل هطالا، حتى عادوا إلى قبورهم فدلف  كل منهم  قبره ،حسست بالأرض ترتج وترتج كإعصار  قوي، لعلَّه قيام الساعة  إذن ،ارتفع صوتي عاليا مدويا  ، أماه ، أماه . شعرت بيد تمرر على جبهتي بلطف  سبق لي أن  احسست به ، كانت والدتي أتوقظني  من الحلم لتنقدني من كابوسه  و هي تهدئ من فزعي. أسرعت إلى عناقها  من شدة الهلع و الارتجاف يبلغ مبلغه .

لماذا تمرُّ هذه الصور داخل هذا الذهن الأشعث بهذا الشكل المريع؟

أية لغة تجسد هذه الهواجس النفسية الغازية  ؟

صاحبني هذا الإحساس إلى البقعة الأخرى بأثره القوي ، يضغط على شرايين هذا القلب الضعيف ويدفع به إلى شكوك  و وساوس لا حصر لها .

ما أشق أن يقضي الإنسان أوقاتا بين همِّ الوجود و أمل متغير بين لحظات الحسم و الانبعاث. و بين عالم بِكرنظيف  وعالم ملطخ بالقهر و العدمية تتغير فيه الأقنعة الآدمية إلى كائنات قد لا تستحق الحياة .

أخالكِ تزكي اللؤلؤة النادرة   الآن معي  على أرض   كل جبهات التصدي و المقاومة و جَمالُ حزنك الدفين يتفتق داخلي حُبيْبات  حُبا و شوقا ، فأنضح أسطورة  أحكي و أروي  كل ما جرى على ضفافك الصادحة بالحب الساطع ، و أصقاعك الممتدة بين سفوح الجبال إلى ما لا نهاية  ، فأتيقن من حقيقة واحدة ،أن هذا العالم سيُنزع  مني يوما لا محالة ،و ربما كان هذا اليوم  يوما نحسا في حياتي . بل  ربما كان  كذلك بالفعل .

كنت أراها عند اقتلاعي من الجذور قد تكومت في مكان قصي بين الجبال ، ورأسها يغور بين كتفيها الفاتنتين ، الرذاذ  الناعم تنثره السماء على مهل  و أنا أشعر بنظراتي تنسحب ببطء  مرسل ،  و تِزكي الحبيبة متلبدة  في مكانها . أهدي معها في حديث الأيام و السنين ، فتمتزج معها كل أحاسيسي مثل جليد يذوب من أعالي قمم جبال العالم .

هكذا تُسدل أمام عيني كلَّ الستائرالسوداء الغامقة ،تحجب عني تلك الأشياء التي لا أستطيع أن أفكر فيها أو أن أستدعيها و لو مرة واحدة .

خلال هذه اللحظات ألمح العالم يصغر ويصغر ويتضاءلخلال هذه اللحظات ألمح العالم يصغر ويصغر ويتضاءل أخيرا  حتى يكاد يعصرني ، وتطفو بعد ذلك  عليَّ  بجذوة من الارتياح  الباغت ، ويغمرني من جديد ذلك الحلم الخارق فجأة ، فآثر  أن ألْمح  تزكي وجهها الصخري ، يخترقني  بنظرات  العاشقة أو الأم الحنون .

رأي

g