قصة قرية منسية بالمغرب- الحلقة الثالثة – الجريدة 24

قصة قرية منسية بالمغرب- الحلقة الثالثة

الكاتب : الجريدة 24

الجمعة 30 نوفمبر 2018 | 11:22
الخط :

عبدالله صدقي

حان اليوم الذي سألج فيه فضاء المدرسة ،أخذني  أبي إلى المصور لاقتناء  الصور قصد التسجيل في المدرسة  بحي لارميطاج  . كنت أرى الحياة بنوع من الريب ، أنتظر بجلد ما يمكن أن يفاجئني عند منعطفاتهابحذر ، سأكون مستعدا لكل ما ستفرزه أيامنا .

رافقني  والدي يوم الخميس صباحا  إلى المدرسة،   تركني هناك  وحيدا بين أطفال لا  أعرفهم  ولا أعرف حتى ما يقولون .داخل  الفصل كان التلاميذ يتابعون  ما تشرحه المعلمة كل يوم مرددين ما تقوله وما تلقنهم من محفوظات و ما يتابعون على    قراءة بوكماخ المزدانة بصورها الملونة الجذابة التي كانت   تترك في نفسي أثرا جميلا و رائعا، و تجعلني أتخيل عوامل  مثالية صرفة قد لا توجد إلا في مخيلتي  . أُصبت بنوع من الذهول ،كانت المعلمة لا تطيقني ،تنهال علي بالضرب و الشتم و الإهانة  من مثيل  ( الشلح  أش جاب  مُّك  القرايا ،ارجع لتامازيرت الله إنعل جد بوك، هاذ الشلوح عمروا البلاد ، حتى هما بغاو اقراوا  … ) ثم  تهوي علي ضربا على الرأس ،و يزداد غضبها لأني كنت أتابع ما تقول دون أن أردَّ عليها ،لأني أصلا لا أفهم ما تقوله أو ما تريده  .   و إذا تكلمت ازداد  انفعالها لأنها لا تفهم ما أنبس به  من كلمات .  فتصيح بسخرية بالغة و كريهة   نغ ، نغ ،نغ  هذا ما ينقصني  في هذه المهنة التعيسة التي ابتليت به  .

أنظر إليها  و أنظر إلى زملائي التلاميذ نظرة الريبة والحيرة و أنا أجهل  كل ما توجهه لي ، وأتساءل في نفسي  لماذا  تصرخ  هكذا ؟ و هل هي تخاطبني لوحدي ؟

لكني حفظت كل ما تقوله لي من سب أو شتم دون أن أفهم معناه  إلا حين تقدمت قليلا  في السن ، و بدا هذا  تذكارا للألم  و الجرح العميق لدى طفل لا يزال يسكنني  و لا يفارقني البتة  ، ما جعلني  أكره أن أعيّر أي مخلوق بأصله  أو بانتمائه ، فكان أن  زاد الطين بلة حين  حرضتْ المعلمة علي التلاميذ ليهينوني  بل و يهملونني ، و كانت الفاجعة أكبر و أقسى ترتفع بصهيل من نال منه القهر :

وا أسفاه  من الذي  أخرجني من جنتي تِزكي   وهوى بي في عالم تعيس مظلم  سحيق  لا يرحم .وتوالت   علي  أسئلة  نبالا غزيرة كالمطر  من قبيل   من هؤلاء ؟ لماذا جئت إلى هنا و أنا غير مرغوب في ؟ ما الجُرم الذي ارتكبت؟ لماذا لا يحبون اللغة الأمازيغية المغربية  والأمازيغيين  المغاربة المسلمين  ؟

أ هؤلاء ليسوا أمازيغ ؟ فمن هم إذن ؟ أليس كل المغاربة أمازيغ ؟

ولكن والدي كان دئما يخبرني  و يردد على سمعي ، يا بني   المغاربة   كلهم  أبناء مازيع جاؤوا عن طريق الشام ن نعم كلهم إخوة  على هذه الأرض الطيبة .

أكان والدي يكذب علي؟ أم أنه مخطئ هو  أيضا؟  لاشك أن هناك خطأ ما، إذ كيف يسبونني ويعيرونني بكوني أمازيغي ؟هذا ما لا أدركه تماما .

لقد تشكل لي  هذا الأمر منذ الطفولة  لغزا مُرهقا  و محيرا يطاردني عند كل الاتجاهات .

كلما شعرت بالظلم و الحيف تمادت  بلدتي تزكي القمرية  متراقصة أمامي ، والنجوم تحيطها بأكاليل الأنوار و الورود   ، فأحسني  قد رحلت من أرضها دون أن تغادر هذا القلب الجائع ، إذ مازالت الأيام  تسكن هذه الروح المخدوشة ، تحكي صدى هذا الوميض الزمني، و ما زالت هذه الأحاسيس تخط صورتها في أعماق هذا الشجن الذي يسكن  كياني .لقد شاءت الأقدار أن تعصف بي رياح الأشواق  في هذا النفق .

وفوق هذه القطعة من أرض الدار البيضاء الحاضنة   يُخيل إلي  أن تِزْكي القمرية  انسحبت من تحت قدمي .فكنت أتصورها  غزالة  جميلة  ناعمة الجمال  ولكنها غاضبة مني  ، أستحيي منها لأنني غادرتها إلى الأبد . أحس أني ألتئم معها و فيها جزيئات  ، أتابع ظلها الأرجواني أكثر من أي زمن مضى .

في دهاليز المسارات

كررت المستوى التحضيري  ثلاث سنوات   لأنني لم أتمكن من  قراءة الكلمات العربية سليمة ،حيث داخل منزلنا لا نتواصل  إلا  باللغة الأمازيغية  المغربية  لأننا كنا فخورين بها أيما افتخار واعتزاز ،  فأمي و إخوتي لا يعرفون بدورهم الحديث  بالعامية المعربية

في عصر  يوم من أيام الصيف  اتجهت أنا وزملائي الأطفال من أقراني  إلى مسجد المحمدي  بحي الأحباس  ، أول مرة أدخل فيه هذا المسجد للصلاة ،مسجدٌ كبير و فسيح جدا ، مساحته تضاعف  مساحة مسجد تزكي بعشرات المرات  ،و صومعة تكبر بكثير  صومعته.ولجنا من بابه  الخشبي  المزخرف بالمسامير الغليظة  تضفي عليه قداسة و وقارا ،وصلنا إلى  باحَتهِ  الواسعة المزدانة بالفسيفساء ، رأيت الساقية وسط بهوه الوضاح   والماء يتدفق طوعا بجمالية أخاذة و مثيرة للغاية ،  لم يسبق لي  أن رأيتها  من قبلُ. رفعت رأسي إلى الأعلى فإذا بفضاء السماء يأخذني إلى رحاب تزكي برهة. كان مجموعة  من الرجال يجلسون حول الساقية   يواصلون الوضوء استعدادا لصلاة  العصر ، انضممنا إلى صفوفهم الملتفة حول الساقية ، وبعد أن أخذنا أمكنة على كراسي صغيرة شرعنا في الوضوء نصب الماء صبا على أطرافنا، و نحن لا نضبط طريقة  الوضوء جيدا ، حقا  تعلمته  في تزكي لدى سيدي الطالب  الفقيه الذي ما زال ينتصب أمامي مثل عَلم  كبير الشأن  ،فهو أول من فتحت عليه عيني ليعلمني كيفية الوضوء والصلاة ، لكني نسيت الأولويات من التوالي . أخذت أقلد رجلا شيخا  كان بجواري غير بعيد مني  . انتهينا من الوضوء ثم أخذت حذائي ببطء شديد و أنا أحذر من أن أرتكب أي خطأ قد أعاقب عليه عقابا شديدا ، ومن  يدري فقد يرمونني في السجن ، وهو أمر لا أستبعده.

قصدت مع باقي الأطفال صفوف المصلين يمينا. انضممنا إلى الصف  الثالث بين الرجال  نحاكي ما يفعلونه  ، ركوعا وسجودا و تحريكا للشفتين بالبسملة والحمدلة . شعرت بإحساس مهيب ، و راحة نفسية غريبة حتى  انتهى الإمام من الصلاة فسلم  ثم سلم الجميع مديرين رؤوسهم يُمنة ويُسرة وهم يقولون دفعة واحدة  السلام عليكم حتى ضج المسجد بأصواتهم المتفاوتة ،و شعرت بحالة من الاطمئنان و  الأمان .و عندما هممنا بالخروج اقترب مني صديقي مصطفى وكان أطول مني قامة فوكزني  و هو يضحك    ،انخرطت معه في الضحك ، و تعالت ضحكاتنا قليلا .  لم نرَ  يدا غليظة حتى شرعت  تنساب علينا ضربا   و شتما  ،شعرت بظهري وكأنه انقسم انكسارا إلى نصفين ، لم أتمكن من استرداد أنفاسي للتو، كدت أسقط أرضا  على وجهي ،و يُغمى علي  لولا أن خوفي تزايد  خشية أن أنال ضربات أخرى ،قد ترديني  قتيلا  على الفور ،فررت تجاه باب المسجد  المقابل للحديقة العمومية ، قفزت إلى الشارع قفزة  من يبحث عن النجاة  ، و إذا بي أصطدم بدراجة  هوائية  كان يسوقها رجل ضخم الجسم ، طويل القامة، سقطت أرضا مغمى علي . أيقظني الناس حين صبُّوا على  و وجهي كوب ماء بارد،أخذوني من يديْ الصغيرتين ثم أقعدوني القرفصاء  جانب جدار المسجد ،وتركوني وحيدا هناك أقاسي  الألم الشديد . انتظرت حتى استرجعت أنفاسي و تمكنت من القيام قليلا  ثم التحقت برفاقي  و أنا أشعر بدوار يموج  في رأسي .

بعدئذ علمت أن الذي ضربني هو حارس المسجد المعروف لدى الأطفال  ،لأنه لا يحب الأطفال و لا يحب مزاحهم ، ولا حتى أن يوجدوا في المسجد. كانت له عين واحدة منكمشة لا يرى بها ، ورجلٌ يعرج بها ويجرها   ،وبطن مدلى من كثرة انتفاخه ، أما وجهه فرسمت عليه خرائط الغضب  التي جعلته وكرا  للكآبة والبؤس و الغضب، لا تستطيع أن تطيل في وجهه النظر لأنه  ذميم  ومقرِف    . حقا  أول مرة  أصادف فيها رجلا  بهذه القسوة  والغلظة الشديدتين ،إضافة إلى أنه  كان يكره الأطفال  كما قيل لي بعد ذلك .

و مع زمرة من الأطفال كنا نجوب  ضاحية الأحباس  وقساريةالحفاري بمرح  ، و نسرق بعض الخضر لنأكلها كالطماطم  والجزر .نتمادى في مغامراتنا المشاكسة، ولا نعود إلى بيوتنا إلا ليلا .

العالم الجديد

بعد ذلك انتقلت أسرتي  إلى حي جديد سيدي عثمان ،تابعت دراستي في مدرسة بسوق شطيبة  قرب حي مبروكة  للعام الثالث حيث انطلق لساني قليلا  ،ورغم  اللكنة الأمازيغية  التي لا تزال  تسيطر  على لساني فقد تمكنت من متابعة الدروس  المدرسية كباقي  أقراني التلاميذ .

بدأت معالم الدارجة المغربية تظهر على لساني دون أن أنتبه . و لم  أنتبه   حتى وجدت لساني طلقا نوعا ما ، وشرعت اللكنة تتوارى وراء عبارات الدارجة . و في المنزل كانت والدتي تضيق من المفردات التي تعلمتها في الخارج ،  تبدو لها  جافة وغير أخلاقية  ، كما  تتقزز من أصوات الدارجة العربية . كنت أدرك ذلك فألتمس لها العذر  لأني كنت أجد في الأمازيغية حنانا وعطفا ، أما الدارجة المغربية فلا أشعر بذلك إطلاقا ، ربما لأن مفرداتها لم تنشأ معي  منذ ولادتي .أو ربما  الحنان لا يوجد في الشارع ، وبذلك فإن لغة الشارع جافة من الرحمة، هكذا اعتقدت  و بهذا كنت أشعر  .

كانت إضرابات طلبة المدارس  تتواصل في أواسط الستينيات تتسم بالغليان و الجموح،   نسمع أن وزير الداخلية   يصوب أسلحته  من الطائرة  نحوه المضربين من الشباب  رميا  بالرصاص و كأنه في صيد لحيوانات برية و حشية   ، أو في عملية تطهير عرقي  يريد إبادة نسلهم و سلالتهم ،  كما  انتشرت أنباء عن مخلفات هذه الإضرابات التي  ذهب  ضحيتها  العديد من الطلبة  في عز  شبابهم ضحايا  في ذلك الوقت .

كنا نقطن جوار  حي الصفيح سيدي عثمان ، فكنت أحيانا  أقصده لأكتشف  سبب اختيار هؤلاء السكان لهذا النوع من السكن تحت قطع القصدير  ، و قد كان العديد من أطفال هذا الحي  يلعبون معي  فلا أرى فرقا بيننا . لم أتمكن من فهم السبب في وجودهم هنا ، هل هم الذين اختاروه أم أرغموا بالوجود فيه  .

انتقلنا إلى حي قرية الجماعة السباتة ،لا يبعد كثيرا عن  حينا السابق كثيرا ،قرب قيسارية السباتة  و مركز البريد .

لقد كان فضاء مهيأ  للتعايش  و مهيبا داخل نفسي ونفوس إخوتي ، حيث ازداد اتقاني  للدارجة العامية المغربية  كثيرا . ما مكنني من  اللعب مع أترابي بكل  أنواع اللعب .  تعرفت على أسر  من جيراننا لا يعرف أفرادها اللغة  الأمازيغية ، ولا أعرف سبب جهلهم بها .

و أذكر بأن  الفقيه سيدي الطالب  أيضا في تزكي   أخبرنا  ذات يوم أن المغاربة كلهم أمازيغ  كما كان يردد أبي  .

غير أنني  كنت دائما  أشعر بأنني هدفا للسخرية والاحتقار من الكبار وحتى الصغار ، لأن الكبار لقنوهم كيف ينظرون إلى  إخوانهم  الأمازيغ الذين لا يتقنون العربية  نظرة ازدراء  و سخرية ، وكنت ألاحظ ذلك للأسف في أعينهم وشفاههم المبتسمة ابتسامة الاحتقار ،كان ذلك يحز في قلبي كثيرا  فأنكمش خجلا  دون أن أدرك  الذنب الذي اقترفته . و ما هي الجريمة التي ارتكبتها؟ . هل لساني الأمازيغي المغربي  هو السبب؟  لا أجد جوابا ، فأضرب بهذه التُّرهات  عرض الحائط  وأنصرف .

أما لسانهم  العربي   فكانت    سرعة انسياب الكلمات من أفواههم تدهشني. ألتزم الصمت  و أتابع بعينين مشدوهتين . فهم يتكلمون بسرعة فائقة ، لا تدعك  تتمكن من تكرار  ما قالوه .

كنت أراني أحس هذا العالم ينهار حولي ، أنظر إلى يدي النحيفتين باهتراء و سخرية ،ماذا تستطيع هاتان اليدان فعله سوى أن تأخذ الرغيف من الخبز،  وتتابع الخطى على مهل   عساي أتبين ملامح وجه بلدتي تزكي  المنى  في كل الجبهات كي أتمكن من رسم صورتها التي تكاد تطفو على سطح النسيان .

جاء اليوم الذي سيوافينا فيه عالم الخيال ، يوم اشترى أبي  تلفازا بالأبيض والأسود ، لأن التلفاز الملون لم يكن آنذاك . حمله والدي مع مساعد ين له فوضعوه فوق مائدة داخل غرفة بيتنا برفق، وكل إخوتي التفوا حوله بشوق فريد . لا نعرف كيف يشتغل ، وماذا يُبث فيه ، و مَن الذي سيظهر على شاشته . انطلق المساعد التقني و كان فرنسيا أشقر الشعر  جاحظ العينين  قصير القامة ، يربط خيوط الكهرباء  المتدلية و هي متشابكة من خلف الجهاز ، ثم  ضغط على زر أسود  فإذا به يحدث ضجيجا مدَوِّيا، خلْناه سينفجر  فارتبكنا  وارتعدت فرائصي  برعشة  السرور المزيج بالهلع. سرعان ما ظهرت صورة رجل  يلبس  بذلة أوروبية سوداء برابطة عنق زرقاء،  يجلس باستقامة أمام طاولة عريضة ، يقرأ أوراقا بحزْم و عزم و جدّية فائقة  ، يرفع رأسه تارة  و يخفضها أخرى  .شدَّ انتباهنا إليه دون أن نفهم ما يقوله تحديدا. علمت من بعد ذلك أنه  الصحافي الجليل :  (الصديق معنينو ) يبدو جديا  حازما  ، مستقيما في جلوسه ، متيقنا من نفسه ، تنساب منه لغة  بصوت الغين كثيرا ، لم يسبق لي أن سمعتها . سألت والدي عن اللغة التي يتحدث بها  لأنه لا يتحدث الأمازيغية المغربية  ولا  الدارجة العربية المغربية . أجابني  بلطف وهو يبتسم، إنه يتحدث باللغة العربية الفصحى . تجمدتُ  مكاني حائرا . ثم أردفت أقول باندفاع الطفولة البريئة  كيف ذلك أبي  ،ألا يتكلمون في هذا الجهاز إلا باللغة التي ندرس بها في المدرسة ؟ ولماذا لا يتحدثون بالأمازيغية أو العامية العربية المغربية  ؟، لم يجبني لأنه انشغل  يرتب بعض أمتعته باهتمام بالغ .  أقبلت والدتي  من المطبخ و قد َصَكَّ وجهها ، ثم جلسنا نتابع الأخبار و الأنباء دون أن نفهم شيئا . في الوقت الذي انصرف فيه أبي  ليوصل التقني الفرنسي . لم  أتحرك أنا وإخوتي من أمكنتنا ، بل تابعنا كل برامج ذلك اليوم  دون أن نفهم شيئا . بعد مرور أيام معدودات  أصبحنا نتابع  سهرات يوم السبت  أغاني عبد الوهاب الدكالي و مسرحيات فرقة نعيمة المشرقي  و فرقة العربي الدغمي  و غيرهم ، و أفلام رعاة البقر الأمريكيين ، و الأفلام المصرية ، و بعض الأغاني الدينية  التي لازالت تتردد على أذني  حتى الآن ،( أ مُحمد صاحب الشفاعة والنور الهادي ، أمحمد بك تانشهد من بعد الله …). لقد أحدث التلفاز بالفعل ثورة عارمة في مخيلتي ، جعلني  أسكن أماكن  عجائبية  وغريبة و أرتاد فضاءات  عوالم  لم يسبق لي أن رأيتها   و أخرى  لا توجد إلا في عالم الخيال  . أصبحت أتابع الأغاني المغربية بشغف و حرص، وأتعرف على البرامج  الثقافية  والوثائقية و الرسوم المتحركة  ،و لم تكن هذه البرامج تشرع في البث إلا بعد السادسة مساء، حين يسدل الليل ستائره ، وتستمر حتى الحادية عشرة ليلا . ثم أنهض و إخوتي  لنخلد إلى النوم .

تماما  كما كنا نتابع حكايات جدتي في البادية  أثناء غلس الليل  ، وترفض  أن تحكي لنا بالنهار  مخبرة إيانا   بأن الذي يحكي الحكايات والأحجية بالنهار  يُنجب أطفالا  صُلْعان لا شعر  فوق رؤوسهم، فكنا نصدق كل ما تخبرها به   دون أي جدال يذكر .

مدرسة الحكواتي

التحقت بمدرسة مولاي الحسن بقرية الجماعة   بالمستوى الثاني ابتدائي  ،كانت مدرسة كبيرة جدا و واسعة مرافقها ، ذات بناية ضخمة أحيطت بسور سميك  قد يحميها من أي غزو محتمل ، تطل أقسامها  من عل .

أثناء هذه الحقبة كنت ألعب بكثرة مع أقراني. انطلق  لساني من عقاله ،  و شرعتْ  اللكنة في الزوال تختفي رويدا رويدا ، بل أصبحتُ زعيما لأترابي ،أتقن لعب الكرة ، و الطرونبيا . وازديديدي وحابا و رجيلة  ،و الصوطاالغاملة  و…حيث  لا يحلو لهم اللعب إلا إذا حضرت  ونظمت لهم طريقة اللعب بطريقتي الخاصة  .

هكذا دخلت عالما جديدا بنفس جديدة ،وشرعت أترعرع  داخله  ، وخضت مع أترابي مغامرات  قاسية ،كنا نجلب الطماطم والخضر من  سوق القريعة يوم الجمعة  لنأكلها ،و نتلاعب بما تبقى منها بيننا بنوع من الزهو والافتخار  ونحن نشعر بأننا أسياد  هذا العالم

في هذا اليوم  الذي كان عطلة أسبوعية كنا نقصد  المقبرة لنطلب التين من أهل الموتى الذين يتصدقون بها  ترحما على موتاهم ،فنشرع  في المرح والركض  حول  القبور ، ونستمر في متابعة عملية الدفن  وما يصدر عن الناس من بكاء ونذب و أسى . كنا نحب هذا اليوم لما يتيحه لنا من فرص الحرية والمرح واللعب  و أكل التين أو الثمر أحيانا إذا كان أهل الميت من الميسورين .

بعد ذلك نقصد الحلقة في ساحة القريعة  لنتابع الحكواتي و هو يحكي لمن حوله حكايات  الأزلية و قصص الأنبياء و الحروب الإسلامية  القديمة ،وبطولات الصحابة وسيف بن ذي يزان و عنترة بن شداد  و غيرها من الحكايات مقابل  بعض النقود  يطلبها كل حين من السامعين ،فكنا نتمتع في عوالم الخيال التي يبنيها لنا هذا الحكواتي بخبرته المهنية  . وقد ننصرف إلى حلقة أخرى  قصد متابعة الفرجة المسلية التي  يقوم بها رجال على شاكلة المسرح ،فننتشي بعروضهم طوال الوقت  .

نعود في المساء وقد قضينا يوما جميلا مليئا بالحرية  والاستراحة والمتعة والمغامرة  . و قد يبقى نوع من الألم يساور نفسي  لما رأيته في بعض الحلقات، حيث يستمر بعضهم في النفخ في  مزماره و آخرون يضربون بالدفوف  والبنادر ضربات إيقاعية  روحية و أمامهم رجال يجذبون ويرقصون بحركات  تبعث الألم في النفس ، يلطمون وجوههم بقوة  و يخدشونها بأظافرهم الحادة ، ومنهم من يحمل السكين  ليسيل الدم من بطنه  أو رأسه، أو يخطط وجهه والدماء تسيل رقراقة ، و الموسيقى ترتفع و ترتفع بنغمات الأسى ، و لا تتوقف إلا بعد نصف ساعة حين يشرع الراقصون في السقوط والإغماء عليهم أرضا  ، وبعدها يخوضون  في طلب النقود من المتفرجين  وهم  يصيحون بأنهم  شرفاء أبناء الرسول صلى الله عليه وسلم . و أن ما يراه الناس ليس سوى البركة التي ورثوها عن أجدادهم الصالحين .

لقد كانت الحلقة مدرسة الحياة الحقيقية بالنسبة لي .لأنها أمدَّتني بالكثير عن أحوال الناس و أخبارهم  و اعتقاداتهم  و تقاليدهم  .و قربت إلي ما لا يمكن أن أتعرف عليه لا في المدرسة  و لا  في البيت و لا في التلفاز .

انتقل  أخي الكبير محمد  إلى مدرسة أبي القاسم الشابي بقرية الجماعة ،.و كان نجيبا من  أفضل التلاميذ اجتهادا  و  أخلاقا . كان  يحصل على الدرجات الأولى .  و كنت دائما أتمنى أن أصير مثله في الاجتهاد  و العزم .أما خطه باللغة العربية والفرنسية فكانا  رائعين ، لقد كان خطاطا  ماهرا بامتياز  .إلى حد  كنت  أكره خطي حين أقارنه بخطه الرائع ، كنت أجله  وأحبه أيما حب ، شخصيته الهادئة ، و لطفه الرحيم  بي ، إذ لم أذكر أنه  ضربني يوما  رغم  أنني أحيانا أسيئ إليه بطيش الطفولة البريئة ، كان مثل أب  يواصل تحملي  كل حين ، بل ويقف معي في كل المواقف الصعبة  .

فضاء المدرسة

أما في فضاء المدرسة  فكانت الحياة تأخذ منحى آخر  بين المدّ والجزر .

حدث يوم وأنا ألج فصل المدرسة  بزهو  أن نسيت قطع  اللعب( البي) الزجاجية  في محفظتي ،كانت تبلغ أربعين قطعة صغيرة  متباينة الألوان .تسربت القطع و تساقطت أرضا، ثم انتشرت تحت أقدام التلاميذ الذين شرعوا يصرخون  ويضحكون.

تجمدت قدماي ،لم أقو على فعل شيء ، تقدمت المعلمة  ببطء  تسألني وقد جحظت عيناها جحوظ من يهم بالقتل ، ثم تساءلت بصوت آمر:

لمن هذه اللُّعب يا كلب ؟ .

أجبتها و يداي ترتعدان من الخوف :  ليست لي معلمتي .

ردّت بصوت جوهري قاهر و محذر  :الأفضل لك أن تخبرني أيها الممسوخ .

شرعت في البكاء  ، اتوسل إليها  مخبرا إياها بأنني نسيته في المحفظة ، ولم أتعمد الإتيان به أو إسقاطه في القسم .

عادت تقول وقد استشاط غضبها :  سأعرف كيف أربيك ، إن  كان والداك جاهلان .

انصرفت إلى خزانة القسم تبحث عن العصا ، و قد تصلب قلبي ، و تجمد جسدي

ثم اقتربت مني  وهوت علي بعصا  ضربا بشكل هستيري مقزز ،فقدتُ إثرها الوعي كاملا  ،لكنها استمرت تهوي علي بالضرب و الركل دون أن تفكر في غيبوبتي التي كانت تعتقد أنها لعبة من ألاعيب و خداع  الأطفال . وبعد أن تعبت   توقفت  وشرعت تسبني و تعيِّرني بأنواع من الشتم اللاذع  . و لما أحسَّت أن الأمر قد يكون خطيرا ،أمرت بصوتها  السلطوي  أحد التلاميذ  كي  يحضر كأس ماء ، رفعته إلى الأعلى  وصبته على رأسي بعنف وحشي  و كأنها من الزبانية  تعذيب السجناء  .

دبَّت  في الحركة  مرتجفا  وقد امتلكني دوار و قلبي يدق بسرعة مَلؤها الهلع و الفزع، عادت إلى مكتبها بعصبية  وهي تصب جام  غضبها على كل التلاميذ  مذكرة إياهم أنها قدمت لهم درسا  من خلال ما لَحق بي. و ذلك  لمن تسول له نفسه مرة أخرى الخروج على النظام ، أو محاولة اللعب معها .

و صارت تجول وتطوف بين الصفوف رغم أناها ثقيلة في وزنها فقد  بدت وكأنها بطل في ميدان القتال ،لا تسمع إلا صوتها الخشن وقد بسط غطرسته بقوة السلطة والقانون .

عند رجوعي إلى البيت لم أستطع أن أخبر أحدا لا من إخوتي  و لا من أمي أو أبي خوفا من أن   يتفاقم الأمر وتتضاعف العقوبة ويكمل أبي ما أنهته  المعلمة .

مكثت أحمل يدي المعطوبة شهرا كاملا دون تمكني  من حراكها ، بل ألعب مع  أصدقائي بيد واحدة ، أما الأخرى فأضمها إلى صدري بكل عناء و ألم .

يأتي يوم توزيع نقاط أحد الفروض  في مادة  اللغة الفرنسية   حيث لم  يحصل  ثمانية   تلاميذ  على المعدل المطلوب ، والحمد لله أني سأفلت من عقابها الشديد  هذه المرة  لأني  أحصل دائما على النقطة   الرابعة و أحيانا الأولى   . استدعت المعلمة  الطاغية  الحارس العام الذي كان يتميز ببسطة في الجسم و غلظة في السلوك ، وبوجه  مخدوش وخدين عريضين متدليين  وعينين  غائرتين   ينطلق منهما لهيب مخيف. أقبل يحمل عصا  مربوطة بحبل متين من كلا  حافتيها ، همهم  وغمغم  و دمدم  و حنحن  ففهمنا أن المعلمة  قد دبرت أمرها  معه قبل الدخول .

بدأ التلاميذ يرددون  : نري ،نري ( الفلاقة ) وهي عبارة تعني  ربط رجلَيْ التلميذ كلتيهما بالحبل المتين  المعلق في العصا ، و تعرضهما  للضرب المبرح .  أخذت المعلمة تنادي بأسماء التلاميذ الثمانية ، و قد كانت معلمتنا هذه  امرأة قصيرة و سمينة جدا، قد تدلى بطنها سُمنة على فخذيها، لا تستطيع حراكا و لا مشيا ، سوداء البشرة ، لا يبدو على وجهها آثار الرحمة  أو الشفقة ، كان جلدي  يقشعر من صوتها الخشن المخيف ، تخلط الدارجة باللغة الفرنسية . أدركت عند كبري أنها قد تكون  من  بقايا  الخونة الذين كانوا  مخبرين للاستعمار الفرنسي  ضد إخوانهم ،أو إحدى  زبانية التعذيب التي  يسخرها الاستعمار الفرنسي ضد الوطنيين الفدائيين المغاربة .

أمرهم الحارس العام بصوت  الجلاد  بنزع أحذيتهم  و الجلوس أرضا ،و شفتاه المطاطيتين ترتعدان غضبا وارتجافا، أما عيناه  فتكادان تتقطران بجمرات اللهب المسعر، ارتجفت فرائصنا نحن التلاميذ  لما نرى و نعاين ، ثم  تمادى  الرجل الضخم  بما له من قوة على قدمي كل من التلاميذ  الذين  لم يحصلوا على المعدل .كنا نتابع المشهد ونواكب صراخ التلاميذ بهلع بالغ و أليم  ،و حزن عميق ،تدفقت  دموعنا هطالة لحالهم ، واشتد ألمنا ليبلغ منتهاه .لقد كنا نشعر بالألم الشديد  الذي يحسون به ،و لكننا لا نملك حيلة أو قوة لإنقاذهم  من زبانية  التعذيب ،معتقدين أن ذلك  قانون ألزمته الحكومة ، و وزارة التعليم ، و وافق عليه الآباء و المسئولون .

الحياة مع هؤلاء لا عذوبة لها حقا، يعرقلون كل شيء ، يعبثون  بمصائر الشعوب لدى كل الاتجاهات ،لا يأبهون بشيء .، كل المقولات الكاذبة  كشفت القناع عن نفسها ، وكل الشعارات سقطت في الطريق.

ومن خلال  الوقائع العابرة كان التاريخ المكشوف فضيحة للمكتوب . إنهم بوضوح العبارة  زبانية التعذيب . إنهم يكرهون البشر ، بل  الأطفال هم  أمقت ما يكرهون . ينتقمون من البشرية من خلال صبيانها  و لا يرحمون .وتنساب الصور من كل الثغور ، ونحن الأطفال ندقق التفاصيل المثيرة بأعين البراءة والحيْرة ، فنرى الأيام الراقدة  تتسلل من كل طفولة  مقموعة ، تظل تتلاشى داخل توجسات  الذعر والخيبة .تتابعها كل البناصر  المرتعشة .

رغم ذلك كنت لا أفارق اللعب  مع أصدقائي ،فهو المتنفس الوحيد الذي أنسى فيه  مأساتي  ،فأظل ألعب و ألعب و ألعب دون أن أنسى دروسي  المدرسية التي كانت تسير طبيعية ،أحفظ  و أجري  التمارين المنزلية . لكني  كنت أكره المعلمة  وأتمنى موتها كما أكره المدرسة ، بل كنت أتمنى  أن تحرق المدرسة  أو تهدم فوق رأسها و رأس الحارس العام والمدير ، هكذا صار حلمي ،  لنتخلص نحن الأطفال من عذابهم و هلعهم  اليومي الطافح بالإرهاب . لأن الرعب أصبح يمتلكني بكوابيسه في أحلامي وأشباحه المخيفة تطاردني في وحدتي أو حيث أنزوي ، و ما أن أقترب من المدرسة حتى أشعر بخوف و امتعاض ،فيضيق صدري و ينقبض  لساني ،و تشمئز نفسي من بنايتها .و حين أدخل القسم   تواجهني  رائحة غريبة تهجم على خيشومي أنفي ، و تبث في نفسي  إحساسا  بالذعر و عدم الأمان، رغم  ما احرزت عليه من تفوق في دراستي  ،وما كنت أحصل عليه من النقط المتفوقة  .فإن ذلك لم  يحُل دون  أمنيتي الدائمة لتلقى  المعلمة  حتفها إلى الأبد ،وليس مشكلا لدي إن كان ذلك بأبشع الطرق.

هكذا كنت أحس  وهكذا كنت أتمنى. لقد نغصوا عذوبة الحياة على طفولتنا .

وتحت ظلال الشجرتيْن

في أواخر الستينيات   رزقت والدتي بمولود ذكر  ، فرحنا أشد الفرح، أقام  أبي العقيقة ، وقرأ الطلبة الحافظون للقرآن   آيات  في بيتنا ، تناولوا الشاي والحلوى  والعشاء بالكسكس  واللحم الكثير ،  وقد لاحظت شرههم وهم يلتهمون اللحم دون مبالاة بالكسكس ، ويعودون إلى قراءة  القرآن  والدعاء لمن  يقدم لهم بعض النقود  التي كان رئيسهم الطويل القامة ، العريض المنكبين ، والمرتدي لجلباب أبيض مثلهم يتكلف بجمعها  .

كانوا يدعون لمن يقدم لهم النقود ، وعلى حسب النقود  تطول الدعوات أو تقصر . هكذا سمعت أحد الرجال الذين حضروا  يقول  .

ولكن أصواتهم لم تَرُق لي ، بل كنت أتابعها بنوع من التقزز  والمضايقة ،لأني تعودت قراءة القرآن من قبل  طلبة  أمازيغيين  المغاربة ، و بطريقتهم  التي تربت عليها أذني  بأصواتهم .  و في وسط  الليل  أنهوا  نشاطهم ثم انصرفوا وهم يقتسمون ما جمعوا من نقود  أمام باب منزلنا و كأنهم يقتسمون الغنائم .

كنت أتابع  أصواتهم التي تعالت بالسب والشتم بينهم  واللكمات المتواصلة بينهم  . لأن رئيسهم أخفى عنهم  بعض القطع المالية  التي  جمعوها مما قدمه الناس إليهم في منزلنا .ثم  تفرقوا كما  تتفرق عصابة اللصوص بعد ان  تقتسم  ما سرقوه من الناس .

تحت شجرتين  غير بعيدتين عن منزلنا كنت أشعر بسعادة حقيقية و فرح شديد و أنا أصعد إليهما  لأبرز مدى قدرتي  على التحدي . ثم   أمرح تحتهما و ألعب البي ، والكرة دون  أن أشعر لا بالتعب ولا بالنصب أو التعب . أنا و الأطفال كنا  نجري ، نقفز ، نتسلق جدران مركز البريد متباهين  بجرأتنا و  مغامراتنا ، لذة تغمر أرواحنا  فتجعلها  نشوة  ننتشي  ظلالها في قلوبنا ،ولا نستطيع  البوح بها ،إذ لا نملك قدرة لوصف ما نحس به  فنعبر  عنه  بالجري  والصراخ و الضحك ومواصلة القفز والركض  والسباق .

كانت إحدى هاتين الشجرتين طويلة جدا وضاربة في السماء عكس الأخرى  ، وكأنهما أختان  رغم أنهما ليستا من نفس الفصيلة  ، لكنهما كانتا محبوبتين  إلى نفسي، كلما اقتربت منهما  واستظلت تحتهما إلا وأحسست إحساسا غريبا يحملني إلى ظلال نخيل تزكي الوارفة وشجر رمانها الوارف و أغصان زيتونها المرسل ، لقد كنت أعشقهما  عشقا  روحيا تماما  كما أعشق  أرض تزكي البلدة و نخيلها  .

كل حين كانت تداهمني جداول من الرغبة لمعانقتهما فأضم جذعيْهما إلى هذا الصدر الصغير، وعبر أشعة الشمس كنت أتابع خيوطها وهي تتخلل أوراق الشجرة الضخمة البعيدة عني ،  فأنكفئ أصلي بالدعاء على  أعتابها  ، علني  أُشبع هذا القلب الصغير بالحب الوجودي .

أما الشجرة الصغيرة  فكانت من نوع مخالف ، قصيرة الطول ، نتمكن بسهولة من قطف أوراقها  المتدلية ، فتنبعث منها رائحة نباتية  شيئا ما مقززة . هاتان الشجرتان كانتا تشكلان حدودا لعالمي ، وفضاء لا أفارقه . أحب أن أكون تحتهما  ألعب  وأنط بالحبل ، وأركض لأختبئ وراءهما . و أشعر أنهما  ترتبطان  بعلاقة خاصة بروحي ،خاصة الشجرة الطويلة دون أن  أدري سبب هذا العشق .

جميلة هي  أيام الطفولة حيث خلو البال من  المشاكل والمسؤوليات ،  عذبة  أيام الصبا  ببراءتها  رغم ما قد يعتريها من ظلم بعض الكبار  من  الجهلة   الذين  يكدرون  صفو الطفولة  على الأطفال  ، وينغصون عليهم لحظات الصبا .

صبيحة يوم جاء أبي يُخبرنا أنه ألفى  منزلا جديدا أفضل من منزلنا الذي نقيم فيه، يوجد بحي جميلة الأولى .هيأنا رحيلنا وأمتعتنا وقصدنا البيت الجديد ، كان بحق  رائعا بطابقين مستقلين وباب حديدي و جرس على حافة الباب . لكني كنت كل صباح من أيام العطلة الصيفية  أروح إلى حيّنا القديم  لألعب مع زملائي كما تعودت بتلك الحرية الكاملة والطمأنينة  التي لا أجد لها بديلا في الحي الجديد الذي لا أعرف فيه أحدا من الأطفال

ألعب معه  ،كما أن فراق الشجرتين لم يكن بالأمر الهين ،فيا كم  كنت أزورهما كل حين ، حتى أني  فكرت مرارا  إن كان بإمكاني  اجتثاثهما من جذورهما ، وحملهما معي إلى الحي الجديد …  دون جدوى .

لم يطل الأمر  طويلا  حتى تعرفت على  بعض الأطفال  من أبناء جيراننا رويدا رويدا ، انغمست في وسطهم  و أصبحت  زعيمهم الذي  يستطيع أن يوجد لهم الكرة للعب ، ويعلمهم   بعض مهارات اللعب ، كما  كنت  أعرف  طرقا كثيرة  للعب مما تعلمته في الأحياء المختلفة  التي كنا نقطنها .

رأي

g