وتــكبر تِزْكِـــي في أعيُنِنا- الحلقة الخامسة – الجريدة 24

وتــكبر تِزْكِـــي في أعيُنِنا- الحلقة الخامسة

الكاتب : الجريدة 24

الثلاثاء 04 ديسمبر 2018 | 14:45
الخط :

عبدالله صدقي

في يوم كانت حرارته مرتفعة قليلا، لم أكن أعلم أن  هذا اليوم  هو مَفرق الطريق بين عبد الله الأمس وعبد الله اليوم  .و على الرصيف أنتظر كعادتي  سيارة الأجرة ، أو غيرها  لتُقِلَّني إلى مدينة المحمدية حتى ألتحق بالعمل .اقتربت مني سيارة أجرة غير قانونية ،نسميها (خطاف البلايص ) أي (سارق نقل الركاب ) لأن صاحب السيارة  لا يملك رخصة نقلهم  ، حتى إذا ضبطه  رجال الدرك تدبر أمره بطرق يعرفها .

ركبت السيارة ، وأخذت مكاني جانب السائق ،كان  إلى جانبي  شاب في سن الستة والثلاثين عاما ، يرتدي  بذلة أنيقة ، وشعره مصفف بطريقة أضفتْ عليه  هيبة  الرجل المحترم ،يحمل محفظة جلدية تبدو ذات جودة عالية ، و تنبعث منه رائحة  الرجال الميسورين . بشارب  أشقر الشعيرات التي قصت  بدقة متناهية . قلت في نفسي  قد يكون  خبيرا في المحاسبات ، وربما حدث لسيارته عطب ما .انطلقت   سيارة الأجرة تطوي الأرض طيا  تجاه مدينة المحمدية ، و الساعة تشير إلى التاسعة صباحا ، أعلم أن أبي سيغضب على تأخري عن العمل  ، . لم أكن اهتم مادامتُ لا  أحصد من وراء العمل إلا الجري  و التعب والإجهاد  .

اقترب مني الشاب منحنيا برأسه إلي وسألني  عن  مدرسة  في جهة العالية بالمحمدية ،أجبت على الفور أعرفها جيدا فابتسم وهو يقول ،أرجوك إن سمحت  ترشدني  إليها ؟ بالطبع  سأوصلك حتى باب المدرسة .شكرني  وصك وجهه  بابتسامة على محياه ، أردف يقول لي  أنا أستاذ و لديَّ مكتب  أزور المدارس الابتدائية لألتقي بالمعلمين  و أساعدهم  ليترشحوا  قصد اجتياز شهادة الباكلوريا  ، أجبت على الفور ،كيف ذلك؟  هل المعلمون لم يتابعوا دراستهم بالثانوي ؟

ارتسمت على شفتيه ابتسامة  ،وأجابني  ،لا ضير في ذلك ، يكفي أن يكون المعلم  حاصلا على شهادة ابتدائية . أما ما تبقى فنحن الذين سنقوم به ، قلت من أنتم ، استطرد يقول ، في الحقيقة لست وحدي ، فنحن مجموعة من الأساتذة ،أنجزنا  مقرر الباكلوريا في كل مواده ،ولخصناه بطريقة سهلة انطلاقا من تجربتنا الطويلة في سلك التدريس . و هكذا  نرسل إليهم  دروسا مكتوبة  ومشروحة خاصة  بالدورة الأولى من السنة  الدراسية عبر البريد ، وبعدها نبعث لهم بمقرر الدورة الثانية  ،ثم الثالثة مقابل  أن يؤذوا  لنا  مائة درهم  مقابل ما سنرسل له  خلال  كل  دورة ،و الحصيلة ستكون ثلاثمائة درهم . رددت عليه اسمح لي سيدي  أنا لست معلما لكني غادرت المدرسة خلال تسع سنوات من القسم الثالث إعدادي ،هل  لي الحق أن أنخرط لديكم وأتقدم بدوري  لاجتياز امتحان الباكلوريا . أجابني دون أن يتردد بالطبع  هذا حقك ، هذا حقك  ،فاجتياز امتحان الباكلوريا سيكون حرا .ولا يمكن لأي كان أن يُحرمك من  حقك القانوني  لمتابعة الدراسة  وتحصيل العلم ، تهلل وجهي فرحا و أملا .

وصلت السيارة ،نزلنا وأنا لا أفارقه ، جال في نفسي  أنه قد قد يكون نصَّابا ، صاحب حاجة يُضمرها في نفسه ، إذ كثيرا ما سمعنا بحيل المحتالين  والنصابين ، وحكايات عن براعتهم في خداع الناس والاستيلاء على أموالهم .

انطلقت معه   لأدلَّه على المدرسة و أنا في شك من أمره ،كان يبدو  لطيفا ولبقا وأنيقا   ،ذا شخصية جذابة للغاية  ،

حين توقفنا أمام المدرسة  همَّ  بوداعي  شاكرا ، ترددت بارتباك ، قال أتريد أن تقول شيئا ؟

أجبت على التو  اسمح لي سيدي  هل تسمح لي بمصاحبتك ؟ أجابني و هو  و وجهه تعلو عليه ابتسامة عريضة   أهلا وسهلا . نسيت  كل شيء  ، نسيت العمل ، وعمي  و والدي ، و انطلقت إلى جانبه و هو يقبض على محفظته  الجلدية البنية اللون قبضة المتيقن من مهنته  ،  ولجنا المدرسة إلى الإدارة عبر ساحتها الكبيرة الشاسعة ، و أشجارها المتناثرة .

دبَّ في  شعور قديم  لم يفارقني طوال هذه المدة و سَرَت في جسمي قشعريرة مزيجة بالخوف و الفرح

سلمنا على المدير  بحرارة ، علمت من خلالها  أنه  كان يعلم بقدومه ،ومن خلال تبادلهما للتحية علمت أنه صديق له .طلب منا المدير الجلوس ،و أمر   الحارس أن يقدم لنا الشاي ،وهما يحكيان أمرا سبق و أن دار بينهما ،يضحكان دون أن يباليا بي ، بعد ذلك  قمنا إلى قاعة كبيرة من فصول المدرسة  ،وجدناها مكتظة  بحشد من المعلمين .يأخذون قسطا من الاستراحة المعهودة  .

قدم لهم المدير  الضيف  الذي  ينتظرونه ، انطلقوا يسلمون علينا  ثم أخذ صاحبنا  كرسيا خلف  مكتب أُعدَّ له  خصوصا ، وطلب  بلباقة  فائقة  الجلوس  من الحضور .  وضع محفظته على المكتب ، و استمر يُخرج أوراقا منظمة ومختلفة الألوان .   استقبل  الحاضرين ثم  شرع صاحبنا يشرح لهم  الطريقة التي يتمكنون بها من اجتياز اختبار الباكلوريا حرة .و المراحل التي يتطلب سلوكها  . وطريقة الأداء .  توالت عليه الأسئلة الخاصة بصعوبة الدروس كالفلسفة والفكر الإسلامي واللغة الفرنسية ، والتحليل الأدبي للقصائد الشعرية ،والنصوص الروائية  وغيرها . رد  صاحبنا وهو يتكلف ابتسامة المدرك للأمور  ليطمئن المستمعين ويشجعهم ، كل هذا بسيط وسترون في البداية ستجدون بعض الصعوبات ولكنها ستزول  عند قراءتكم المتكررة لما قدمناه لكم  من دروس مكتوبة ، و  فريقنا من المهنيين والمحترفين  في مجال البيداغوجيا  و الديداكتيك   معكم  سيساعدوكم في  تبسيط كل الدروس .

عند انتهاء اللقاء أعطاني صاحبنا عنوان المكتب  الموجود  في  شارع لا لة الياقوت  (مدرسة إيزيس)  إن لم تخني الذاكرة ، قبالة  كراج أيت مزال  الذي كنا  نَقْدم إليه خلال العطل الصيفية في  الستينيات  لنركب الكار  ( شاحنة  نقل الركاب )، إلى تارودانت ، ثم نُقِل كارا آخر لاسطاس الذي  نزعني من  عالمي القديم .

و دعت صاحبنا بعناق من يتعارفان منذ زمان  بمودة . و التجأت إلى  الشركة التي أعمل بها ، سلمت على عمي الذي مد يده و هو يصدُّ عني  ليبرز لي عدم رضاه عن هذا التأخير  ، أما  والدي  فقد صب علي  عنفوان غضبه ،

ـ لماذا لم تأت مبكرا ، هذا ليس عمل.

أجبت في نفسي صحيح إنه ليس عملا ، سبع سنوات و أكثر  دون راحة ولا كسب ،ولا أي شيء  سوى الذهاب والإياب .و أقول  سامح الله عمي سي  إبراهيم .

كان عمي يرفع  لي من مقامي،  لأنني كنت لا  أزاول ما ابتلي به أغلب شباب المدينة القديمة  بالدار البيضاء من المخدرات و الانحراف ، و أني أصلي ،ولا أكذب ،والتزم بالأخلاق الفاضلة ،وأقرأ الكتب الدينية بكثرة .و أدعو الشباب إلى الالتزام بالدين الإسلام الحنيف ، وقد سبق  لعمي أن حاورني  كثيرا

وامتحنني  في كثير من الأمور . وأسدى إلي نصائح من تجاربه التي لم أكن أفهمها جيدا  إلا فيما بعد  ، عن الحكومة ، عن السياسة ، عن المقاومة ، عن الأصدقاء ، عن مكانة الدين الإسلامي ، عن  مقام الصدق و الإخلاص  في شخصية الإنسان. لا أخفي أني كنت أكن لعمي سي إبراهيم حبا جما  لتواضعه معي حيث لم يسبق له طوال سبعة أعوام أن نهرني  أو عاتبني ، أو شتمني أو أهانني .و هذا ما جعلني أنسى  حقوقي المادية طوال السبع سنوات .و أن لا أتخلى عن احترامه وتقديره  إلى يومنا هذا.

مساء  الغد اتجهت  أبحث عن مركز صاحبنا بالدارالبيضاء ، توقفت أمام باب  عمارة  شاهقة  ،تطلعت إلى أعلى الباب الحديدي الضخم  الذي هو من بقايا البناء الاستعمار الفرنسي . ألفيت قطعة  نحاسية  صغيرة  شُدّت بالجدار على حافة الباب ،  كتب عليها (مدرسة إيزيس ) ،صعدت بعزم منْ  المتحدي  لكل من أراد أن  يقف في طريقي بدون أدب . توالت دقاتي على الباب ثلاث مرات بلطف ، دخلت فوجدت رجلا يجلس في مكتب منهمكا في الكتابة  على الورق   ،وتلاميذ ملأوا غرفا  وهم جالسون على كراسي  طاولات يتابعون  دروس الباكلوريا ليلا . ألْقيْتُ التحية  على الرجل فرد التحية بأدب الأستاذ  ، سألته عن الدروس ،أجاب أهلا  و سهلا يا ولدي ، أخرجت النقود  و قدمتها له ، أخذها دون أن ينظر إليها مباشرة ، بل اكتفى بإلقاء نظر عن جُنبٍ دون أن أنتبه  .

ثم قدم  وصْلا كتب عليه اسمي الكامل  و القدر الذي أسديته له . أخفيته في جيبي ، وأخبرني بأن  دروس الدورة الأولى ستصلني عن طريق  البريد . شكرته جزيل الشكر  ثم عدت أدراجي إلى المنزل و أنا في ريب مما  أفعله .

بعد خمسة عشر يوما ، وجدت ظرفا كبيرا عند والدتي  التي  احتفظت لي به ، ناولتني إياه  فتحته وإذا بركام من الأوراق  تنصب  علي كوابل من الرصاص الذي يتلقاه العسكري دون ذرع يقيه لسعاتها. أخذت أقلب الأوراق بنوع من الاضطراب والهلع ،  حملقت فيها  فإذا  هي دروس في الفلسفة  ،شرعت أقرأ لأني أصبحت قارئا بارعا منذ أن داومت   قراءة  الكتب الدينية طوال سبع سنوات ،والتي أهلتني لحب اللغة العربية  و إيقاعها و نبرتها  وبلاغتها رغم ضعف مستواي ، حيث كنت التجئ إلى  حفظ الكتب ، أو حفظ فقرات منها . أو أحاكي محاكاة  كل من يتحدث  اللغة العربية الفصحى من السياسيين  أو العلماء المشارقة .

لكن المفاجأة التي  ستهزني  هي أني لم أفهم شيئا ، صحيح قرأت بسرعة مع الأخطاء  و لكن المعنى كان هاربا ،وكأنني أقرأ نصا أُرديا  أو إيرانيا مكتوبا بالعربية . لم أفهم شيئا سوى بعض  أسماء العلماء المشهورين . أحسست بالبكاء  والفشل  و اللاجدوى و الضياع ، رباه ماذا أصنع .

قلت سأكرر قراءة   كل ما كتب على  هذه الأوراق التي كانت تصل إلى مائة   ورقة  ، كل مجموعة تحوي عشرين ورقة .

لن أنهزم بهذه السهولة . قصدت بعض أصدقائي الذين كانوا يتابعون دراستهم بالقسم الباكلوريا وهم يصغرون عني بعشر سنوات  طلبا في مساعدتي ، شرعوا يفسرون لي ما تحمله الأوراق و أنا أتابع ما يقرؤون  و ما يشرحون ، و كنت أراني  مثل الأميين الذين يطلبون ممن يعرف القراءة  حتى يقرأ عليهم رسائلهم  التي بُعثت إليهم ،فأشفق لحالي  .

حقا لقد  كان ذلك صعبا على نفسي  للغاية بكل ما تعنيه الكلمة من معنى  .

أحدهم اقترح علي أن  أحضر معهم في القسم كمستمع . فرحت لهذا الاقتراح ، قيل لي إن الإدارة لا تسمح  إلا بالمسجلين في المؤسسة .إلا أن  خالد  أحد التلاميذ لم يسبق لي أن تعرفت عليه ، و كان يتابع كلامنا . تدخل بطريقة سريعة يعطيني فيها أملا  هاربا . يقول    يمكن لك يا صاحبي أن تحضر معنا ، لقد سبق أن حضر معنا تلاميذ  مثلك و آخرون أيضا  ولم تعارض الإدارة  ، لكنهم لا يواظبون الحضور.

التحــــــــــــــدي

في الصباح الباكر صاحبني   خالد إلى  ثانوية  ابن تومرت ، بساحة وادي المخازن ،والتي لم تكن بعيدة عن المدينة القديمة . طلب مني الانتظار أمام باب الثانوية حتى يستشير  أستاذ الفلسفة ، الذي كان قريبا من التلاميذ يتفهمهم ويساعدهم  في العديد من أمور الحياة . عاد خالد يطلبني أن أرافقه إلى القسم عند الأستاذ .سلمت بأدب بالغ عليه ،نظر إلي ثم سألني لماذا تريد أن تلتحق بنا . أجبته  بأدب ،أريد أن أجتاز امتحان الباكلوريا الحرة ،وليس لدي  نقود لأتابع  في  مدرسة خصوصية . أذن لي بالدخول ،ثم اتجه إلى الإدارة يخبرهم عن مسؤوليته نحوي . جاء الحارس العام و همس لي في أذني إياك أن تنشر منشورا أو تحمل مخدرات  أو تشاغب في المدرسة ، حركت رأسي موافقا ،وهو يحدق في عيني لعله يكتشف سرا ما  .انصرف تحت نظرات أستاذ الفلسفة ،الذي لم يكن راضيا عن سلوك  الحارس العام . تقدم الأستاذ نحوي ،ربت على كتفي يشجعني بابتسامة اطمئنان  .

أحسست أن هذا الأستاذ  ملَكا بعثه الله لي في هذه الظروف العصيبة. شرع الأستاذ يطرح أسئلة  عن الدرس السالف والتلاميذ يتهافتون برفع أصابعهم قصد الإجابة . و هو يستحسن  أجوبتهم ، ويشجعهم و يضيف بعض ما نسيه التلاميذ . بعد ذلك  انطلق يشرح  الدرس الجديد بعد أن كتب عنوان الدرس ، الفلسفة المادية والفلسفة المثالة . أخذ يلقي درسه  بنوع بارع يشد المستمعين ،و تفهم دون أن تستطيع تكرار ما قاله . كانت كل كلمة يقولها تجثم على قلبي الصغير بفرح لا يوصف . وبخوف أن  يطرأ طارئ ما ويحرمني من متابعة الدروس في هذه المدرسة . لقد نسيت العمل  ،ونسيت  عمي و آبي ، بل نسيت الدنيا جملة وتفصيلا .

كنت ألج مع التلاميذ  القسم  و أنا أكبرهم  بعشرة أعوام  ، لا أتغيب في أية مادة .كنت أتابع  بحرص

جاد ،و أنتظر اختبار آخر السنة كمن ينتظر عدوا في حرب لا ترحم .القضية أصبحت  قضية  وجود أو عدمه.

قضيت ثلاثة أشهر بين ظهران التلاميذ  صحبة  صديقي حسن  بوقفة   و مصطفى بحري  الذيْن كانا يتابعان دراستهما هناك ، أ صبحت معروفا بين الطلبة  ، يحبونني ، ويحترمونني على قدر ما أحترمهم . جاءت حصة الفلسفة ،شرح لنا الأستاذ  نصا للفيلسوف الألماني هيغل ، بعد أن وزع علينا أوراق الدرس مطبوعة  لنلصقها على  صفحة الدفتر ، تطلعت إليها ،قرأتها بسرعة  الضوء ،لم   يعد ما تحمله اللغة  يخيفني ، فقد تمكنت طيلة هذه المدة أن اقرأ  نصوص الفلسفة والأدب والتاريخ والجغرافية مرارا وتكرارا دون ملل  أو تهاون . و في أسفل الورقة وجدت مرجع النص الذي كان الأستاذ يحرص على توثيقه ( مقتطف من كتاب ظاهراتية الروح ).بالفرنسية .( فيمينولوجيا الروح أو العقل) .هيجل

كان الموضوع بالضبط يتحدث عن جدلية العبد و السيد . حيث سيصبح العبد هو السيد لارتباطه بالعمل فوق  الأرض التي يرعاها من  كل جانب ، خلافا للسيد الذي لا يعرف عنها شيئا سوى إصدار الأوامر للعبد . لا أخفي حبي للفيلسوف هيجل الذي أصبح  يكبر و يكبر . لا يهم أنه مسيحي  . بل الذي   يهم  هو  صدق هذا الفيلسوف و سعة فهمه  وصلابة دماغه العبقري  وبراعة فكره ،ومنهجه العقلي الدقيق  ، وإخلاصه في البحث عن الحقيقة و المعرفة و موضوعيته في  طرح الأسئلة ومحاولة الإجابة عليها

جاء اليوم المشهود  حين طلب  أستاذ الفلسفة من التلاميذ  أن يقدم أحدهم عرضا  حول موضوع الفلسفة المادية الجدلية  مع احترام المنهجية التي  تتناول الإشكالية .  لم يجرؤ أي منهم من التطوع  ،كرر الأستاذ طلبه بنوع من الإحباط  وكأنه يلوم نفسه على تقصيره في الدروس . انبريت   مثل  شلال يهوي من علٍ. رفعت إصبعي ،التفت إلي التلاميذ باستغراب ، شرع  التلاميذ يصفقون ، كنت أرى في أعين بعضهم  تشجيعا لي  ،و أخرين أعينهم  تُبدي استهزاء  سخيفا . لم أبالي ، شرع الأستاذ يمعن النظر في وجهي   طويلا ، لم أتراجع  عن هذا العرض  ، إنه فرصتي  الكبرى لأثبت  لنفسي أنني  أستطيع أن أجاري التلاميذ  في الدراسة . صممت على  إنجاز العرض  مهما كلف الثمن .سجل الأستاذ اسمي  و أعطاني أسبوعا لتحضيره وهو ينوه بي ، ويشجعني  و يوبخ التلاميذ على عدم اجتهادهم . إنها إذن مهمة صعبة ، إما أن أنجح فأصير واثقا و محترما أمام الجميع  و إما أن  أصبح مهزلة أمام التلاميذ . اتجهت إلى  المكتبات الموجودة  في حي الأحباس  وبِعْت كل الكتب التي كانت في مكتبتي الصغيرة  بثمن بخس، وقد بعتها  لأنها كانت كتب دينية ،وأنا الآن أحتاج إلى كتب الأدب و الفلسفة ، و ليس لدي مال اشتري به ما أحتاجه من كتب الدراسة ،اقتنيت ثلاثة كتب  ،كتابان مترجمان من الألمانية إلى العربية عن هيغل ، وكتاب لأحد العرب . و باقي الكتب لم أتمكن من شرائها لأنها غالية الثمن  . حملتها بين  ذراعي حتى لا تسرق مني ، أو تضيع .

لم أعد أتق بأي شخص  يقترب مني ، صعدت إلى الحافلة بحذر من يحمل معه حقيبة نقود  ، انزويت في ركن واقفا  ، كان الازدحام  يخنق الراكبين  ،خاصة الأشخاص ذوي القامة القصيرة مثلي . عند   وصولي  التجأت إلى مسجد ولد الحمراء لتأدية صلاة المغرب . و الكتب أمامي  أرعاها من الأيادي الطائشة ، التي تستغل  فرصة انشغال الناس بالصلاة فتسرق لهم أحذيتهم أو أمتعتهم ، وقد سبق وأن سرق مني حذاء جديد في نفس المسجد ، وحذاء الرياضة في مسجد جامع الشلوح .من ثمة لم أعد أتق بكل من يدخل المسجد  ، قد يندس  بينهم من يهم بغدرنا  على حين غفلة منا . لا سيما وأن هناك قصص كثيرة عشناها  تخص  لصوص الأحذية في المساجد وبيعها في أسواق بعيدة .حتى   أضحت  تعلق على جدران  كل المساجد   أوراق كتب عليها  عبارات  تحذر  المصلين و تحثهم على  وضع   أحديتهم أمامهم عند الصلاة .

حل يوم الخميس ، يوم الامتحان العسير  حيث يعز المرء أو يهان ، هكذا كنت أتصور و هكذا كنت  أرى ، لم أعد  مستعدا  لكي أخفق في حياتي  أبدا ، وأنا الناصح الموجه لرفاقي . ولجنا القسم في شوشرة وغوغاء التلاميذ . كل أخذ مكانه بانضباط تام  .شرع  أستاذ الفلسفة يُخرج كراسته ولوازمه . لاحظت أنه يسترق النظر إلي  .

من خلال  حركاته المترددة  شيئا ما  علمت أنه  يتحسس قدراتي واستعدادي للعرض ،فهو لا يريد أن يعرضني لمهزلة ما  قد تعصف بكل طموحاتي وآمالي الدراسية .وتجعلني أنصرف إلى حال سبيلي مغيرا قبلتي إلى مجال آخر غير مجال العلم . أخرجت   ثلاث ورقات  مزدوجات ،كبيرة الحجم  ذات لون وردي ، كنت أحب هذا اللون ، لأنه لون الأمل والحب  و الصفاء . هذا ما كنت أحس به  .

ناداني  الأستاذ باسمي ،حدث اهتزاز غريب  داخلي ،العالم  ينقلب  وترفع صفارات الإنذار فيه .و بتجلد قمت على مهل  وأدب متجها نحو الأستاذ و انا أصارع الرعشة التي انطلقت من قدمي  تسري داخل  عموم الجسد . انطلق  يقول  هل أنت مستعد يا صاحبنا ؟ أجبت أتمنى يا أستاذي الكريم  أن لا أخيب ظنك ، و أن أكون عند حسن ثقتك فيَ إن شاء الله . كان الأستاذ ملحدا لا يؤمن بالدين ،لكن أخلاقه كانت عالية ، يحترم مهنته بحنكة متواصلة ، يؤمن بوضعيات الناس ،و  قد تيقنت أن مكانته العلمية جعلته  يرقى  إلى أن  يلتمس العذر  لمن يخالفه و يحترمه .

أخذ يُسكت التلاميذ ويأمرهم بالمتابعة ، و يطلب منهم أن يسجلوا ملاحظاتهم  خلال العرض .

ليست سوى دقائق حتى خيم الصمت على القسم ، وكأنه فضاء  الشوارع بعد آذان المغرب أيام شهر رمضان  حيث  لا تسمع في الشارع إلا همسا . مسحت ما  كان مكتوبا على  السبورة جيدا ، ثم كتبت  تاريخ اليوم  بخط واضح ،والأستاذ يرافقني بعينين حذرتين تتحركان  بحرفة مهنية ، تراجع إلى الوراء   وسط القسم  . كتبت عنوان العرض على السبورة (الفلسفة المادية الجدلية ) بلون  أحمر  ثم شرعت  في المقدمة  وبعدها  طرحت الإشكالية ،ثم  انهمكت في الحديث عن  الفلسفة  عامة وظهورها ، ثم ولجت إلى القواعد  التي تحدد مفهوم الفلسفة المادية ، وبعض روادها كألتوسير وغيره ، وبعد ذلك حشرت في هذا السياق الفلاسفة المثاليين الذين ينتقدون الفلسفة المادية ، والرد الذي وجهه الماديون إلى المثاليين  منتهيا بأن هؤلاء  كلهم فلاسفة باحثون ، و كلهم ساهموا في مسيرة الفكر الإنساني . و زاد من إعجاب الأستاذ أني كنت ألقي عرضي   بطلاقة  دون أن أنظر إلى الأوراق التي حملتها معي .و قد  سمَّرت أنظار التلاميذ في  وجهي   ،لا تفارقني  و لو لحظة واحدة ، فهي تلازمني  في حركاتي وسكناتي و ألفاظي  ، كنت أتنقل ببطء كمن يعرض مسرحية بجنكة متناهية و يحسب لأية حركة حسابها .

في نهاية العرض  شكرت الأستاذ على ما تعلمت منه ، و على إتاحته الفرصة لي كي أعود مرة أخرى إلى السبورة  رغم أن التاريخ لا يعود إلى الوراء ، فقد جعلني أتدارك  التاريخ لأكون  داخله بدلا أن يرميني كما رماني لأصير خارجه ، لكني لن أسمح  للتاريخ  هذه المرة أن يجعلني في سلة المهملات أو في مزبلة التاريخ .

انخرط التلاميذ يصفقون ، و انتشر الضجيج ، سرقت أذني بعض الكلمات المترامية بين مستحسن وبين من يقول بأن ما ألقيته ليس لي  وإنما هو  لأحد الأساتذة  لقنني إياه  و أنني  لا أفهم حتى ما أتفوه به  . ابتسمت ابتسامة متيقن ، اقترب مني الأستاذ وهو يصفق بدوره أسكت التلاميذ وهو ينوه بي ، وأخذ يضرب بي المثل . و أنا أقول هذا من فضلك وكرمك يا أستاذ . سألني هل أبوك أو أحد من  أقربائك يمتهن مهنة أستاذ الفلسفة؟ قلت لا يا أستاذ .

ثم فتح فرصة للتدخلات . انهال علي التلاميذ بالأسئلة يمتحنوني، لكني كنت أتناول أسئلتهم بالطريقة التي كان الأستاذ يتناولها  بها . فأوفي الجواب حقه ، لأنطلق إلى السؤال الآخر . أخيرا تدخل الأستاذ بسؤاله ليمتحنني ، لم يكن ينتظر جوابي الذي كان بدوره يطرح إشكالية فلسفية . لم يشعر الأستاذ

و بغبطة وسرور بالغين تعالت ضحكته  ،وهو يصفق مرة أخرى . ويقول سيكون لك شأن كبير في مادة الفلسفة ،أنا أنبئك بهذا .و استمر يبرز للتلاميذ  الطريقة الذكية التي  سلكتها في عرضي  رغم  معلوماتي غير الواسعة . كذلك طرأ ما يشبه هذا في مادة العربية والتحليل  و مادة الاجتماعيات .

منذ تلك اللحظة أصبحتُ مثل  معلم للتلاميذ ، يطلبونني لأذهب معه إلى  حديقة الجامعة العربية .( البارك)لأراجع معهم الفلسفة والتحليل الشعري والنثري .هذا ما زادني ثقة  في نفسي ؟   فتبث إصراري  و تضاعف عزمي . كما جمعت اثني عشر  شابا في المدينة القديمة  منهم من غادر المدرسة من القسم الابتدائي ،أو الإعدادي  أو الثانوي .مثل جواد الأخ والصديق المقرب إلي كذلك ، كنت أحترمه احتراما بالغا ، وكانت ظروفه تقريبا مثل ظروفي ، انضم إلى المجموعة ،   أقنعتهم أننا بإمكاننا جميعا  أن نحصل على شهادة الباكلوريا  إذا ما  اتبعوا خطتي التي أصبحتُ متأكدا من أنها ستقودني إلى النجاح .  طلبنا بعض الإخوة الذين  يدرسون في الجامعة علوم  أن يعطوننا بعض  دروس الرياضيات الخاصة  بشعبة الآداب . مثل ( الاحتمالات ، المتتاليات ، الوظائف بالفرنسية ) تعلمت بسرعة لأني كنت متفوقا في الإعدادي في هذه المادة ، فأعفيت الإخوة الجامعيين ،وانطلقت أهتم برفاقي   عند الأخ إبراهيم الذي كانت  والدته المسكينة تسمح لنا  بالمراجعة والمذاكرة في بيتها ،و تهيئ  لنا الشاي والقهوة والحلويات .  أما اللغة الإنجليزية فقد  التجأت إلى  دار  أمريكا أدرس ليلا ،قضيت ثلاثة أشهر ثم غادرت نظرا للكلفة المالية .وكنت  أراجع مع زملائي ما كنت أدرسه ،وما كان يتطلبه منا الامتحان ، واشترينا كتابا يضم عشر امتحانات خاصة بالباكلوريا   . و اشترينا بعض الكتب الأدبية مثل الغربال للكاتب  ميخائيل النعيمة، وبعض الكتب الأخرى ، و تحاليل حول رواية عائد إلى حيفا  للراحل الفلسطيني غسان كنفاني و مؤلف عبد الكريم غلاب  دفنا الماضي . وهي مؤلفات مقررة في هذا المستوى . لم يقترب الامتحان حتى شعرت بأن أغلبنا أصبح مستعدا تمام الاستعداد لاجتيازه  .    حلت ساعة الامتحان ،اقتنينا  من النيابة ورقة تحمل رقم الامتحان ،وتخول لنا أن نشارك في اجتياز اختبار  الباكلوريا ، تقدمنا  في اليوم المشهود ، وللأسف تخلى البعض من الرفاق عن  مباراة الامتحان  .مر الامتحان بسلام ولم نفاجأ بأي شيء  صعب ،فكل ما كنت أقدره كان ، كل ما راجعته  وركزت عليه في المذاكرات  هو ما وجدنا بالفعل تماما .

تغيير الاتجاه

في اليوم الذي ستعلن فيه  نتائج الدورة الأولى  كنا  أمام  باب  ثانوية الجاحظ في درب السلطان ساحة السراغنة بالدارالبيضاء ، بدأ أحد حراس المؤسسة يصعد فوق الباب ليعلق  سبورة صغيرة تحمل أرقام الناجحين كما  تحمل أسماء الذين حصلوا على جواز اجتياز الدورة الثانية . وكان ذلك في عام 1984م  ، كنت مع صديق يدعى امْحمد عاطف و هو شخص كنت أجله  لشخصيته القوية ،و لوعيه المتقدم ، حيث كنا نتواصل بطريقة عالية ، نناقش الفلسفة أو ما نملكه من مفاهيمها .  بدا   رقمي بين خمسة تلاميذ الذين  توفقوا في الدورة الأولى . صرخ في وجهي نجحت يا عبد الله ، لم أصدق ، و بين الزحام الناس يندفعون ،والبكاء يتعالى من التلاميذ الذين  رسبوا ، رفعت بصري فإذا بالرقم يتراقص بين عيني و كأنني فوق سفينة تتقاذفها الأمواج ،ولا تدعك تركز نظرك على قراءة  كتابة ما .  كررت البصر ، تركز نظري على الرقم إنه هو ، هو بالذات .

وقعت أرضا ساجدا والناس يدوسون بأقدامهم  جانب وجهي ، أ أصيح أم أبكي  أم  أجتر النحيب؟ .

تذكرت قول الله عز وجل  (ومن يشكر فإنما يشكر لنفسه ،و من كفر فإن الله غني حميد )، قمت فعانقت

صديقي امْحمد ، الذي كاد يطير فرحا . عدت إلى منزلنا ، دخلت فارتميت على أبي ،وكأنني  أريد أن أبرز له أن ولدك ليس فاشلا ،أريد أن أرفع قيمته  أمام العائلة  والأصدقاء . أريد أن يفتخر بي .

هلل وجهه  بسرور لم أتعوده منه ، كما  رفعت أمي زغرودة  هزت الجيران الذين هرولوا إلينا ، يهنئون والدتي . رغم أنني  لا  أريد  ذلك لأنني  متأخر في سني  بيني وبين  التلاميذ عشر سنوات .

أول شخص أريد أن أزف إليه خبر النجاح  كان هو حسن بوقفة ، ولأنه كان يجتاز أيضا بدوره الباكلوريا ، كان شيء من الحزن  يمتلكني  خوفا من أن لا يتمكن  أخي حسن بوقفة  من النجاح ، و لكنني بوغتت به يهرول نحوي ، فيقفز على طوله ليعانقني  ، لقد نسي نفسه ، المهم أن تنجح أنت يا عبد الله .لأنك تستحق النجاح . هكذا كان يردد .  الحمد لله لقد  تمكن هو أيضا من النجاح ،

و جاء اليوم الذي بدأ الزمن يأخذ مني أعز أصدقائي  ،كان هذا فاصلا ببيني وبين أخي حسن ، لأنه اختار اللغة الإنجليزية ،أما أنا فاخترت شعبة  الأدب العربي. وهكذا أصبحنا من تلك اللحظة نبتعد عن بعضنا .

قلت في نفسي  السن  لم يعد  له اعتبار لدي ، الأهم أن أكمل دراستي ، و أشعر بقيمتي بين الناس ، حتى إذا حدثتهم في الدين  لم  يسخروا مني  ، قد لا يتفقون معي أو يرفضون  أو يكرهونني ، ولكن لا يستطيعون أن يصفونني بالجاهل  أو ما شابه ذلك .ذهبت أتفقد  رفاقي  ،كلهم حصلوا على  إعادة الدورة الثانية . التي  ستجرى بعد خمسة عشر يوما .تأسفت معهم وقلت لهم والله  لن أشعر بالنجاح حتى تنجحوا إن شاء الله ، والكل يردد ا تستحق أنت يا عبد الله  هذا النجاح ، فأنت سندٌ  لنا ، أنت جدير  بأن تكون من بين  الخمسة الناجحين  . هكذا  لازمت معهم الذهاب إلى الحديقة أراجع معهم كل الدروس وكأنني سأعود إلى اجتياز  الامتحان مثلهم ، جاء وقت الدورة الثانية صاحبتهم إلى المؤسسة وانتظرتهم أمام الباب ، كنت مواظبا على مصاحبتهم حتى  تم الإعلان عن النتائج ، نجح  صديقي إبراهيم  و مذكر ، وعبد الإله ، و آخرون . وعند الدخول المدرسي اخترت  شعبة الأدب العربي ، رغم أني كنت أميل إلى علم النفس ، إلا أن  تعذر على الالتحاق بكلية علم النفس  ، ولأنها لا توجد إلا في مدينة الرباط . كما أنني كنت  أيضا أميل إلى دراسة مادة الاقتصاد لأني أملك  معلومات كثير اكتسبتها من خلال العمل الذي  مارسته  طيلة سبع سنوات من  1975إلى 1984م   من العمل  مساعدا في المحاسبات مع عمي سي إبراهيم في شركته بالمحمدية . لكن بعض الأصدقاء  زرعوا في الخوف عن غير قصد حين حذروني و أكدوا  لي  أن شعبة الاقتصاد تتطلب  لغة فرنسية عالية . اقتنعت برأيهم والتجأت أخيرا إلى  شعبة اللغة العربية وآدابها .

انطلقت مسيرتي  في ظروف  إفلاس شركة عمي ، لأنه كان يبدر ماله دون أن يكون حازما ،وقد كنت

أقدم له الحسابات حيث كان  يأخذ كل ما وجد في الصندوق ،وفي البنك  يبذره ،ويستلف من أصدقائه

إلى أن نصحه أصدقاؤه، بل أقنعوه بالتخلي عن الشركة  لكبر سنه ،وعدم تمكنه من التسيير .

أقفلت الشركة ،

. تابعت دراستي مكتفيا بالمنحة التي كانت الدولة تخصصها للطلبة   ستة مائة درهم كل ثلاثة أشهر ، أحافظ عليها ،و أدفع منها  ثمن المواصلات  ( الحافلة ). من المدينة القديمة إلى كلية ابن مسيك .

في هذه الأثناء فكرت في   أن أتخلى عن  الجمعية التي كانت تضم مجموعة من الشباب الذين  يمارسون الدعوة الإسلامية ، و يساعدون المدمنين للتخلي عن المخدرات والتدخين ، لأن الإسلام في اعتقادي خرج إلى الشارع ، و غمر شاشات التلفاز ، فالوضع شرع في التغير ، خاصة و أن بعض الجمعيات الإسلامية خاضت في أمر السياسة ،السبب الذي جعل الدولة تتصدى لهؤلاء . لعدم قناعتها بممارسة السياسة  من قبل  أي كان . وحتى لا أدخل  ضد التيار انسحبت ، بل و أمرت بحل أي جماعة كانت تابعة لي . رغم أن هذا أغضب بعض الإخوة ، و اعتبروني  سببا لبعثرتهم  وتفريقهم . و لم يغفروا لي ذلك .التمست لهم العذر ، و لكن اتجاهي  واهتماماتي رحلت إلى عوالم   أخرى لاكتساب علومها  ومعارفها ، وتطبيق ما تعلمت طيلة سبع سنوات .و كثيرا ما كانت جهات متعددة من الجماعات الإسلامية المغربية تدعوني للانضمام إليها كما تدعو الكثير ، إلا أنني كنت أتحاشى الالتحاق بها رغم  تقديري لهذه المدارس الجمعاتية و لأعضائها الذين يبذلون الغالي والنفيس في سبيل الله . و أصدق القول شهادة أن المجموعات الإسلامية الدعوية المتواجدة في المغرب الحبيب مثل جماعة رجال التبليغ ،التي  تملك  امتداد عالميا لمؤسسها السيد محمد إلياس ، و جماعة الشبيبة الإسلامية السابقة التي انبثقت منها  الرابطة وصولا إلى حركة التوحيد والإصلاح ، و جماعة العدل والإحسان  هي كلها  جماعات  رغم وحدة منطلقاتها  الاستراتيجية،  فقد تميزت كلّ واحدة منها بمنهج مخالف ،و بقيمة مضافة مثلت مفخرة للمجتمع المغربي بامتياز ، رغم ما يشوب  أحيانا تصرفات بعض أفرادها  من الشطط و حران الحماس ، أومن جهة أخرى  تهور السلطة القائمة  من جراء الهاجس الأمني  ومتابعتهم  بالمضايقات  المتسمة بالعنف والجهل ،  فرغم ذلك تبقى هذه المدارس في نظري   توجيهية وإرشادية بامتياز .

جماعة رجال التبليغ تجعل الفرد يخوض  المصاحبة والسفر حتى يتمكن من اكتساب تربية متواصلة تربطه بالله عز وجل  ببساطة ، والعيش اليومي  الاجتماعي  انطلاقا من الحفاظ على الصلاة في المسجد و ممارسة الأذكار والأدعية  في برنامج يومي  يؤهله  كي يصير عبدا لله تعالى وفردا  اجتماعيا صالحا .

كما أن  حركة التوحيد والإصلاح   مدرسة تربط بين العبادات و الحياة السياسية والاجتماعية والاقتصادية اليومية قصد تطوير المجتمع انطلاقا من المرجعية الأصيلة  إلى الانفتاح على المستجدات العلمية والمعرفية ، و لذلك أفضى بها المطاف إلى تأسيس الحزب الحالي ( حزب العدالة والتنمية ) ، ونحن نرى كم أبلى هذا الحزب من البلاء الحسن ، و كيف استطاع إلى حدّ بعيد أن يُطوع مفاهيمه ، ورؤيته ، و عقيدته (إيديولوجيته) لتلجَ أبواب الاقتصاد والسياسة والاجتماع  و تدبير الشأن المجتمعي ،وتنصهر مع الفعل المجتمعي بنجاح معين،  كما تمكنت من التفاعل مع ما  غزلته أيادي أبناء الوطن من المؤسسات الحزبية السابقة  على الرغم من المضايقات والحرب العشواء التي  واجهتها في طريقها ن فقد ظلت صامدة   صمود  الجبال .

و أخيرا  جماعة العدل والإحسان ، هذه المدرسة التي أسسها صاحبها  الشيخ العلامة عبد السلام ياسين  طيب الله روحه، إذ يعتبر من أكبر الموجهين التربويين في تاريخ الحركة الإسلامية في المغرب  ، صحيح أنه لا ينتسب إلى علماء الحديث شأن الألباني  مغربل الأحاديث رحمه الله و غيره ،و لا هو عالم من علماء أصول الفقه ، أو من علوم التفسير أو  الدين عموما ، و لا رجل فتوى. إلا أنه استطاع بتجربته التي استقاها من الزاوية القديمة التي أدار لها ظهره ، مستخلصا ما  يتلاءم مع الدين الإسلامي الخالص في التربية الروحية كما يعتقد ، و وضع   خطاطة من خلال ما دعاه بالمنهاج و الصحبة الراشدة  التي تعد في نظرنا  أول استراتيجية محكمة  للعمل الدعوي في المغرب   ، و بعض الكتب التي قدمها سواء بالعربية أو الفرنسية مثل محمد الرسول صلى الله عليه وسلم . كمقاربة لطريقة  تمكن مريديه  من  ممارسة و تطبيق الأحاديث النبوية ، وممارسة العبادة الإسلامية التي اكتنفها ضباب المدنية الغربية المتوحشة ، وبذلك استطاع أتباعه  أن يجدوا ضالتهم للتقرب إلى منبع الدين و ينهلوا منه. و لا أخفي هنا مدى النجاح العظيم الذي كلل المستوى التربوي  والأخلاقي في المعاملة لدى كل أتباعه ، وهي مزية تحسب له.كما أنه ساق بعض كتاباته يناوش فيها بعض الأفكار السياسة أو  صور الفكر العصري يصُبُّ من خلالها تصوره ،حيث كتب كتابا   يحاور فيه الديمقراطيين،كذلك  هاجم فيه تصورات يراها أخطأت في فهم  الديمقراطية .و يبقى الشيخ عبد السلام ياسين رحمه الله  داعية  و موجه تربوي و علامة  دخل تاريخ المغربي من أوسع أبوابه ، رغم تعرضه للمضايقات تبعا لأفكاره و صراحته التي أدى عليها الثمن غاليا  ، جعلته  يزور السجن مرات ومرات  ولذلك ُنكن له  كلَّ التقدير والاحترام و ندعو له أن يتجاوز الله عنه ويسكنه فسيح جناته .

كنت أجل كل هذه الجماعات ، و أدرك القيمة المضافة التي تضيفها للمشهد الديني التربوي في مغربنا الحبيب . و كم كنت أتمنى  أن يسود الحب الحقيقي و روح التعاون والتآزر بين هذه الجماعات التي أعتبرها مدارس ، بدلا من جعلها لدى البعض مثل  فِرق كرة القدم تتصارع فيما بينها.

التجأت إلى الدراسة في الجامعة شعبة الأدب العربي واللغة العربية ،

قضيت خلالها  أربع سنوات ، حصلت على الإجازة ،تم  تابعت السلك العالي   في الرباط ، في هذه الأثناء وفي سنة

1989م  ، جمعت بعض النقود سلفا من بعض الناس ، لأسافر إلى  بلد الإنجليز  قصد موصلة  دراستي   هناك  حيث يوجد أحد  أصدقائي الذي طلب مني القدوم   إلى هناك ، ولم تكن  آنذاك   تأشيرة للدخول إلى بلد الإنجليز .

بعد وصولي  إلى بلد الإنجليز مُنع كل المهاجرين من الدخول ،وعدت إلى المغرب بعد ثلاثة  أيام

أجتر خيبة فظيعة  ،  أحسست إثرها  بالإحباط  يحيطني من كل جانب  ،لكني شرعت أقاوم ،وأقاوم .

عدت إلى  جامعة محمد الخامس بالرباط لمتابعة الدراسة ،  حتى حصلت على شهادة استكمال الدروس ، وبعدها  شرعت أعطي دروسا خصوصية  لأحصل على  مصروف الجيب . و نظرا لسني المتقدم  التجأت إلى التعليم الخصوصي ، قضيت ثلاث سنوات في مدرسة مجموعة أنفا.

ثم مؤسسة المدينة ، و بعدها  التدريس  في مدارس البعثة الفرنسية ( لويس بيرطران )  أثناء هذه الظروف. و عند بداية التسعينيات يعود الموت ليأخذ  أحدا من أقاربي  كان له أكبر التأثير  في شخصيتي بشكل غير مباشر ، ألا و هو عمي سي إبراهيم صدقي  .حيث فتح عيني على  جوانب من الحياة ، وبفضله أصبحت أرى حقائق في السياسة  والحياة ، لم   تكن لدي  دراية بها . تتالت زفرات نفسي  آه يا عمي ، فليرحمك الله  .

عمي سي ابراهيم صدقي هذا  كان  رئيسا للمقاومة ضد الاستعمار الفرنسي  في المدينة القديمة بالدار البيضاء  في مطلع الخمسينيات  ، كما  تزعم مظاهرات فيها  بشجاعة ناذرة قل  مثيلها ، و دخل سجن الاستعمار  ، كما أنه  نُصِّبَ أول  خليفة في   المقاطعة الأولى ( بوسمارة ) ، بالمدينة القديمة، إضافة إلى أنه المسؤول الأول  لحزب الاستقلال فيها  ، و أول من تسلَّم من الفرنسيين   لائحتين  ، الأولى لإدخال   المتطوعين من المغاربة إلى سلك الشرطة ، والثانية  لانخراط  الأعضاء الآخرين من المغاربة  في سلك الجمارك و غيرها  .

لم يكن  هذا الشخص عمي فقط ، ولكنه كان بمثابة صديق لي ، كان يُبادلني الاحترام و التقدير و هو الرجل القوية مكانته الاجتماعية . شاءت الأقدار أن يغادر الحياة تاركا مكانته في نفسي ، ونفس والدي . لقد كان بمثابة والدي أو صديقي و مرشدي الأخير  .رغم  أن أحد مساعديه  مصطفى   و محاسبه  في العمل  كان يحاول أن يفسد علاقتي بعمي . و قد تمكن إلى حد بعيد من  قلب الحقائق لأنه كان دائما  يضرب على أذني  أن عمك لا يريد أن يساعدك أنت ولا أباك ولا أسرتك ، عمك يكرهكم  جميعا ، لأنه لا يرضى  بنسبكم إليه ، لقد اختار أن يعيش مع الطبقات  العالية ذات  المنصب و الرفعة الاجتماعية ، إنه يشعر بالعار من نسبكم …   كنت أقرأ بعض ما يقول   في عديد من تصرفات عمي  ، ولكن كنت ألتمس له العذر  و أقدره ،   و مع ذلك ظل حبه داخل هذا القلب الصغير .

البوسنة الفاجعة

إلا أن أمرا جلل  سيُعيد حزني أضعافا مضاعفة و قد كان ذلك في بداية  التسعينيات  حيث  اشتد الخطب على أهل البوسنة ، و تمزقوا إربا  بين جدران مدنهم  من جراء  حرب الصرب  عليهم ، ونيلهم  أشد العذاب ،لا لشيء سوى أن البوسنيين  مسلمون ، شنَّ  عليهم  الصرب الحاقدون  ويْلات التعذيب   ليذيقوهم بأس من لا يرحم ، اغتصبت نساؤهم بأشد أنماط  الاغتصاب الذي لم تعرفه البشرية قطُّ .و نال رجالهم  تنكيلا من قبل زبانية الصرب  الذين تفننوا في أنواع القتل  والتشويه و حرق الجثث، ودفن الأطفال أحياء و تبقير بطون النساء لإسقاط ما بها من أجنة .

من داخل هذا البركان الساطع كنت أعلم أن الغدر شيمة الهبليين الحاقدين على الإسلام ، و أن السماح لهم بثقتنا  ضرب من العبثية  و نكران القضية . وقت كنت أهفو إلى أبيات شعرية ، كانت الكلمات لا تأتي إلا معتوهة ، تسعى في تنشيف هذه الرأس ، وأتمادى في جمع القوافي بين الأشطر المتنافرة ، ثم تختبئ بين الجدران المهدمة بين أحياء المدن البوسنية و قراها ، وكأنها قطط الحومة تنط مرات و مرات . أبصر المشهد أمامي  فتعاودني الذكريات بالاحتراق و الجروح  المتوالية لأمتنا ، وتنساب روحي قصائد من الأسى  و الرثاء

سراييفو  عقد  الدهر

تشرقت أخبار الحصار

منَغصة بالأكاذيب

ما انْبثقت أرديةٌ تنزَعُها الجبالُ

عاتية تنحدر من قمامات البركان

صامتةً عبر خريطة الغزو

نخيل ماكثٌ يرقب القنابل

و ما مضى و يمضي أزيرا

يبعث أريجه

عند فلاة و واحات سراييفو

و الذاكرة بنا تمادت

نحو طفولة لوثها الدهرُ

كل  الزوارق تروي

فتنام بغضب المرافئ  و القلوب

على عبرات فتيات بوسنية

يعزفن نشيد الطُهْر

لا شيء يطفو على السطح

حتى المساجد صارت أطلالا

تبكيها الكنائسُ تلو  المعابد

رباك يا بوسنة  يأسر الناظرين

بهوانا تنهد العشب مُناك .

القصيدة التالية :كانت عن مدينة بوسنية ( تراونيك ) و(  أهميتشي )  و فيشيغراذ و فو تش وغيرها

تــــــــــــــراونيك

إنّي و إنْ انْتابني الأسى

لن يصدع الفؤاد تجملا

كسَروا خبزا و جبْنا

و تقاسموا دمعا و عويلا

حضنوا موتاهم يرحلون أهميتشي  بجلودهم

تراونيك بالقرب كانت شاهدة

بغصة نام الأطفال هجير زمن الضحى

هطل الدم فوق أودية

سرتم سير الجريح وا أسفاه

خجلا ندس رؤوسنا بين الكلمات

عسى أن  لا ترمقونا بأعين استوطنها الحزن

سرت ويلات الصرب و ما فعلوا

بدم الشرف الذي قدروا

هيهات هيهات أن يصلوا

حبق النفوس و حوريات الشرف

ومدن أخرى أخذت حيزا كبيرا داخل قلبي الصغير  مثل : مدينة  فيشيغراذ و فو تشا ، التي عرفت مجازر يندى لها الجبين . أصبحت صور هذه الفضائح والجرائم الإنسانية تتصدر صفحات جرائد العالم.

و الدول جميعها  صامتة عن  حرب الإبادة  التي يتعرض لها الشعب البوسني المسكين .هذا التواطؤ

بين الشعوب  ضد هذا الشعب الأعزل  و أمام تجاهل الأمم المتحدة والولايات المتحدة عن هذه التجاوزات ،كل هذا جعلني أصدر أربعين قصيدة ، أندّد فيها ، و أفضح  فيها  كل المتربصين للإسلام  و الذين ينكلون بأهله.

فكانت  كذلك من بينها  القصيدة التالية :

مواكب دماء   فيشيغراذ و فو تشا

و بدا  مطر السماء

قنابل صرب

على ضيعة  فيشيغراد و فوتشا

كالرياح الغادرة

تحمل المناجل

صوب شقة  كونارتش خلسة

والضلوع قد انتهشت بالمخالب

حين جردت من أغماد الغاصبين

كيف تطلبون منا ابتسامة  الثغر

و من أيها أسوئ الأبواب

هم داخلوه

فوق الصخور

تجلى التاريخ محنطا

ينجز لغة القادمين

من جحيم قراهم

والرذيلة بالأذناب

تحط ركابها

مناكيد المروءة  رادوميركوفاتش

هم  زناديق التاريخ

و الفساد بغيتهم

هناك على نهر درينا

وشح  الغاصب

لعذرية طفلة

فنادى  أنا  نيدو سماردنزيك

أيتها العيون البوسنية بقرحها

أنشدي عطر نشيدك

و ارفعي أهدابك

لتطيحي بجدران الغازِين

هذا ما كنت أستطيع فعله ، لأني أعلم أن   مواكب المظلومين من الشعوب  سيستيقظون يوما ، و سيمكن لهم الله الأرض نصرا . و سيعزهم دينهم الذي ارتضاه الله لهم  .

وتشيء الأقدار أن ألتقي بشريكة حياتي  رقية  ، التي تحملت معي عناء ومشقات الطريق و واكبت معي  عقبات الحياة . و لكونها أمازيغية مغربية  مثلي لم أجد  مشاكل التواصل بين  أسرتها و أسرتي . لأن كلتا الأسرتين  تتواصل بالأمازيغية المغربية . و بنفس التقاليد والعادات .

كانت من النوع المسالم ،توطد حبي لها ، كما أنها بادلتني نفس الحب ، فقررتْ أن تصاحبني لدى كل مرافئ الحياة بثقة  و عزم أكيديْن .و رغم أني  لازلت شابا عاطلا عن العمل فإنها قبلت بذلك  و اختارت  مواكبة قدرنا نحن معا. كنا نتقاسم كل شيء ، وكانت الصراحة بيننا تأخذ حيزا واسعا في نفوسنا، ما زاد من الاحترام المتبادل بيننا سعة و تواصلا.

شاء القدر أن يفصل بيني وبين بعض الأحباب مثل    خالد العلوي ، الذي كان  ذا شخصية تقترب من شخصيتي ، ويتميز  بنباهة عالية  وقلب كبير ، يزاول عمل  الخياطة في عمله ، يخيط  بِدل الرجال في  غرفته التي انزوى فيها عند والدته الحاجة خدوج ، المعروفة بالشهيواتالفاسية ، والتي كانت تزاول الطبخ في الأفراح والأعراس ، و في هذا البيت نشأت بينهم ، تغدق علي  ما لذ وطاب من الأكل . حتى الاجتماعات التي كنا نعقدها بين الشباب ، لندعوهم إلى الالتزام  بالدين و الابتعاد عن الانحراف ، كانت لالة الحاجة تفتح لنا بيتها  وترحب بنا . إنها والدتنا الثانية  . خالد هذا كان يرتل القرآن الكريم بصوت يجعلك تعيش مع آي القرآن الكريم لحظات مجيدة . فكان بمثابة يدي اليمنى التي أعتمد عليها في كل نشاط من أنشطة حياتي. يعرف كل أسراري ، وأعرف كل أسراره . بعد انفصالنا من الجماعة الدعوية ، فكرنا في تأسيس جمعية ثقافية ، فشرعنا نجمع الأشخاص المؤهلين ، وكان أن جمعنا حولنا مجموعة من الأساتذة  من مختلف التخصصات . وصل عددنا إلى خمسة عشر شخصا. و اتفق الجميع على تسمية الجمعية  شهود ، حتى تشهد على أعمالنا  الثقافية  و ما نقدمه لمجتمعنا عبر المحاضرات والندوات  والأمسيات ، بذلك شرعنا في الأنشطة الثقافية ، و أقمنا أنشطة من أمسيات الشعر ، والمحاضرات الثقافية  والمناسبات الدينية .كانت من بين   الفتيات اللواتي انضويْن تحت الجمعية  فوزية حجبي الحاصلة على الإجازة في العلوم السياسية  رحمها الله ، ومريم الأستاذة والداعية إلى الله ، وفاطمة المتخصصة في اللغة الإنجليزية . و جمال ، وإدريس و عبد الإله ،و عبد الرزاق  وغيرهم  وكلهم أساتذة .

كان الاحترام  يسود  بيننا ،  قضينا  تقريبا سنتين من الأنشطة  وتبادل الأفكار والتجارب.و كانت أول دراسة لنا  لتحضير   لمحاضرة نناقش خلالها الدكتور عابد الجابري انطلاقا من  كتابه  (نقد العقل العربي ) .حقا التقيت في هذا المنعطف شخصيات غير مشهورة ، لكنها عظيمة ، ،لا أنكر أن شخصيتي استقت من هذا النبع من المسك الذي حبا الله به هؤلاء ، فكنت أشعر أني محظوظا بينهم  . لا زلت أذكر الأخت مريم بنبختة  الفتاة الصلبة ، الداعية القوية ، الأستاذة العظيمة التي كان لها الفضل في نشر الدعوة الإسلامية بين الفتيات في  حي العنق ، وحي بوركون ، و كان لها الفضل في  تأسيس مجموعات الإنشاد الطاهر . إلى جانبها كانت الأخت فاطمة الريحاني ،و هي الأصغر منا جميعا ،و التي أضافت نكهة لشخصي بأدبها  وذكائها ، وطيبتها ،كما أتت الأخت فوزية حجبي الثائرة  رحمها الله تعالى  وطيب تراها   التحقت بنا بعد أن قضت سنوات طويلة في  التيار اليساري ، و صارت بفضل ربها من كبار الدعاة إليه . وقد تألقت لتحصل على دكتوراه في الدراسات الإسلامية إلى جانب شهادتها الأولى في العلوم السياسية ،كما أصدر لها كتب مع الأستاذة مريم بنبختة في مجال الرواية والشعر و كتابة المقالات ،وقد  كتبتا كتبا عديدة ، .كما كان هناك العديد من الشباب   كلهم أبلوا البلاء الحسن في الدعوة إلى النهضة  من خلال الالتزام الحق والتسلح بالعلم والفكر و الأدب والصلاح والتضحية  . كل هؤلاء مارسوا علي تأثيرا إيجابيا ، فأغنوا تجربتي ،وصقلوها .

وكنت أتأمل مستقبل المغرب العزيز، وأقول بمثل هؤلاء سيكون مغربنا الحبيب في الموعد مع التاريخ .

خضت عراكا آخر مع الحياة ، أُكابد  المشقات ، و أتقلب في المدارس الخاصة لملحقات البعثة الفرنسية .وكانت رحلة جميلة رغم  صعوبة  العمل  في القطاعات الخاصة و ما يعتره من مشقات الحاجة   ، فقد  مكنني  ذلك من الاحتكاك بأجيال من مختلف طبقات المجتمع المغربي . و لم يغب أمر الدعوة إلى الله عن خطابي  ولا غادر نفسي . فكان أن  كنت أبُثُّ في كل الخطابات اللغوية والشعرية والتحليل نَفَسًا دينيا .كما أن تجربتي صقلت  و أصبحت غنية من خلال عملية التدريس  والأنشطة المدرسية المسرحية والمحاضرات في المركبات  والأمسيات الشعرية .و كم من المتاعب رصدتني  من جراء هذا الخطاب تارة باسم تجاوزي لتخصصي ، وتارة يعتبرون أني  أفسد فكر تلاميذي بالدين ،و تارة يهاجمني ملاحدة من بعض آباء بعض التلاميذ الذين يتهمونني أني أجر أبناءهم إلى الوراء و إلى الظلامية ،أديت فيها ثمنا غاليا  ، لكن ذلك لم يزدني سوى العزم  ومن كل حدب وصوب . كنت أتق في طريقي ، و لم أكن أتهاون في البحث عن طرق إبداعية في الدعوة إلى الله تكون في مستوى متطلبات العصر .

رأي

g