وتــكبر تِزْكِـــي في أعيُنِنا- الحلقة السادسة – الجريدة 24

وتــكبر تِزْكِـــي في أعيُنِنا- الحلقة السادسة

الكاتب : الجريدة 24

الجمعة 07 ديسمبر 2018 | 15:45
الخط :

عبدالله صدقي

خلال  هذه الظروف المتوالية   عاد القدر ليذكرني بمصيبة الموت الذي أخذ أختي نعيمة، و أخذ ملك المغرب محمد الخامس  رحمهما الله ، ليأخذ هذه المرة  أبي  الذي كان بمثابة  صديق و أب في نفس الوقت، وذلك  سنة 1997.

فأفقد لي  بذلك سندا أساسيا في الحياة ،و أُحرم من  فضاء كان يملأ علي الحياة بالعذوبة ليصير فضاء فارغا .  إنها لحظات عسيرة صرت أواجههابكمد وثقة في الله عز وجل وقد كنت مزودا بعلم ديني متواضع ، وعقيدة  تمكنت بها من تحمل  صدمات  موت الأقارب خاصة  موت والدي ، و هو حدث جلل  قد لا يُحتمل .حينها أدركت لماذا  اعتبر الله تعالى الموت مصيبة ، و أمرنا بأن نركن إلى قوله تعالى (إنا لله وإنا إليه راجعون ) هكذا كنت أكرر في نفسي ، فما شعرت من قبل بحزن و ألم أفظع بكثير مما شعرت به أثناء مغادرة والدي، لقد هدم جدار عظيم  كنت أتكئ عليه  …

وفي  عام1999.1.1  وحين ساعة  الفجر ، وقد تزامن ذلك كله  مع  اليوم السابع والعشرين  من رمضان ، ويوم الجمعة رُزقت من رفيقة دربي رقية    بولد (فيصل) . فتوسمت خيرا .نظرا لتوافق هذه اللحظات الزمنية المباركة مع زمن ولادة ابني الأول .

أول ما فعلت قصدت وحدي قبر  أبي  أخبره بالمولود الجديد (فيصل ) كما كنت قد وعدته في حياته رحمة الله عليه  .

لم يمر من الأيام  أكثر من عام ونصف حتى بوغتت برحيل والدتي عام 1999 تماما أسبوعا بعد وفاة الحسن الثاني  ملك المغرب  رحمه الله  و الذي كان بدوره فاجعة لدى كل المغاربة . ولأن كان  موت والدي  بمثابة  هدم جدران  أعتمد عليه في الحياة  فقد كان وفاة والدتي رحمها الله  بمثابة إزالة الشجرة التي كنت أستظل تحتها ، و  البساط الذي كنت أفترشه تحتي وقاية من أي أذى  ، كانت هواجس تتحرك داخلي كبركان يريد أن ينفجر . فأتحايل عليهاحتى  تخمدشيئا فشيئا ، وحتى تستسلم للقدر و مشيئة الله . .في ذلك اليوم انزويت منفردا بعيدا كمن يتابع  شريط فيلم ، لم أخاطب أحدا  بكلمة ، اكتفيت بالدموع الساخنة التي  كانت تهطل من العين دون توقف ، أتحسس القلب الذي أحسه قد  انكسر انكسار الشمعة ،وشرع في الذوبان .

و أتحسس رعشتي المنسكبة تتواصل همومها بكمد ،  كل هذا كان يجعلني كائنا غريبا عما أعرفه عن نفسي ، فأتهاوى بكاء على ذراعي أختي، و فرقعات الحسرة المنغصة تنسكب دون توقف.

أرتشف  الكأس الذي ارتشفه كل الذين افتقدوا أمهاتهم ،ولم يدم طويلا حتى حملني حلم  الوحشة و الصبابة والحب فشرعت أكتب أول قصائدي عن أمي وعن كل أم راحلة ، حتى أنني فكرت  في  أن  أنقشها على قطعة الرخام  وأضعها على قبر والدتي ، علها تُسكن فورة  جيشان الروح التي بين جنبي  وتهدئ من روعي ، لكني عدلت عن الفكرة  .

كانتالقصيدة  تحمل عنوانها التالي :       وترحلين في صمْتِ سكُونِ البحْر

أماه …

هكــــذا أحْببناك

وهكـــذا هويْناك

وهكــــذا وضعناك تحت التراب

وداخل كلِ قلبٍ جميلٍ

وهكذا كان تُربُكِ العِطْرِيُ

ينضح من نعشك حبات رمل

وخلفكِ نُهلل

تهليل من هُزِم

وخشخشات  النعلِ

تُسْمِعُ من بكوكِ راحلةً

دمْعةً …  دمعة…  دمعة …

وكانت القلوبُ معكِ

من تلك العيونِ القريبةِ

والبعيدةِ

كنتِ ترحلين

في موكب الزغاريدِ

زهرةً تمضين

وسط الباقاتِ

وأيامُكِ حُرقة الذكريات

كلُ أهْدابنا ورْد لكِ

ومخْبأ للحُبِّ فينا

لم تسعْكِ الأيامُ

وضمْد الجِراح

طاهرةً تمْضين

تاريخا للأيادي البيضاءِ

وخلف نعْشِكِ

لاحتِ المناديل

كلُ عناقِنا طوْقٌ لكِ

فلْينشرِحْ صدْركِ

بالثغْرِ باسِمًا

أبد الدهْرِ

وقدْ  رحلتِ

بِعذُوبةِ السّماء..

ـ الـــــــــــــــــــــــعزاء

اجتمع كل الجيران يواسوننا ، يبكون معنا ، يشاطروننا  مصيبة الموت ، و يذكروننا بالصبر  والرضا بمشيئة الله .

كان فراقها قاسيا  على قلبي وقلوب إخوتي .شرعت أقلب يدي ،  ما العمل الآن ، ما قيمة الحياة إذن ، كيف ستحلو لنا الحياة و تطيب  بعد رحيل الأب ورحيل الأم ، أدركت أن تربيتها لنا نحن الأبناء كانت تربية تفيض بالعطف و الحنان أكثر من العقل . قلبت النظر في وجوه إخوتي كلهم ، رأيت أخي الكبير  محمد  منكسرا و قد انغمس في بكائه حاني الرأس ، أما الباقون فلم يكونوا أقل منا حزنا و ألما .  كان انسحاب الأم  مؤلما  للقلب والروح معا ، ولكنها مشيئة الله  في خلقه .

رحلتْ دون أن تحدث أي صوت أو إعلان بالرحيل والفراق، أحسست أنها انسحبت بسكون بطيء، و تركتنا عرضة للرياح العاتية .

هكذا تنطفئ الأشياء داخل الزمن ، وتخبو آلامها داخل الذاكرة .

في هذا الدرج حيث انبثقت الأشواق الدفينة ، و أنأ أرحل  في موكب الجنازة ، شدتني  ذكراها في هذا النفق الغلسي ،والأوجاع  المثخنة بالاحتراق  ،وقد ألِفنا   باحة الآلام في مهب هذا البركان المُزْمن  . أدخل كل  حُجُراتها بالرغبة الناعسة ، أشد على طيْفها بالْهوس المسكون  بالحب ، والفانوس يزداد توهجا و بريقا أمامها ، تسألني بعينيها الساكنتين هل حان موعد يوم الحشر؟  فأتماسك أمامها بصلابة المغالبة  للدموعحتى لا أنهار كما تنهار صخرة الجليد من أعالي الجبال . أجيب لا يا  أمي  أنت وإيانا في رحمة الله . و تستمر نحوي تسأل عن تزكي  الذكرى مذعنة لي بهمسها ، وأنفاسها تشرئب بأوجاع الرحيل المتواصل .وحيدة أحسها تنصهر فيَ طفولتي المَكْلومة  ، سآخذ كل باقاتك الخضراء و الصفراء والحمراء إليك ليتسع قبرك روضا تئن فيه  جراحنا حتى تنطفئ بحبك  ، هكذا كانت هواجسي تنضح سيولا  ، وهكذا كانت الآلام تسري في هذا الكيان المنهزم .

كانت نار الفراق والحزن تأكل هذا القلب الصغير  ونحن نشدو بحداد متبادل التعازي ، وبذهول  نقف على أعتاب الألطاف الإلهية ، يوم ذاك كان نعشُك فوق تلك الرقاب الرحيمة  جميلا  يبدو ،وناعما يضحى  ،  و  الرغبة القوية    تغمرني وتنتابني  لأنام  إلى جوارك و أنطفئ فيك على مهل بطيء .

كلنا أحببناك ، وكلنا طوقناك عناقا بهذا العزاء المُرَصَّع بباقات الحب الواسع .

لم أعدْ أرى سوى طيفك الصداح يهتف داخلي بكل رجرجاته ، و لم أعد أُصغي إلا إلى ما تمليه أيامُك ، و ما ترسمه  أقدامك  راحلة ، وممتدة في سفر الصمود و الذكرى .

حينما رافقناك بتراتيلنا  كان النحيب يكتسي صوتا يؤلم كل الجراح الزمنية ، و كان  الضياء أيضا   يُبدّد تلك الغشاوة أمام أعين الوافدين  من كل صوب و حدب  يومها .

جميلة هي أيامك أمي  ، وناعمة هي تلك اللحظات الطافية  حولك . أبدا لن  يتوقف هذا الحب الذَّخيرة . سيظل ساخنا داخل مفاصل هذه الذات الهزيلة  ، وسيمتد  بعيدا  إلى هناك ….

وأثناء هذه المراسم  فضلت أن  أبتعد عن هذا المكان الذكرى ، بل عن هذه المدينة التي أصبحت لا تمثل لي شيئا  بعد فراق من  أحببت ، لأقطن في مدينة برشيد ، التي جعلتني أبتعد  كذلك عن الجمعية تماما  ،و هي مناسبة أيضا  لأتفرغ  إلى إنجاز  الدكتوراه في العلوم الإنسانية ، حيث مرت  سنتان  من خمس سنوات ، ولم يتبق  لمناقشة أطروحة الدكتوراه  سوى ثلاث سنوات ، دون أن أحرز أي  تقدم يُذكر ، و لذلك فضلت النوى  عن ضوضاء الدار البيضاء رغم شغفي الشديد بحبها  .فكنت  آخذ الطريق بين مدينة  برشبد والدار البيضاء ذهابا وإيابا قصد العمل  في المدارس الخصوصية  حتى أتمكن من مواصلة الحياة  مع أسرتي الصغير ، التي أصبحت تتكون من ثلاثة أفراد ، أنا  و رقية زوجتي  وابننا فيصل .قضينا هناك ثلاث سنوات بالتمام ، وفي أوائل سنة  2003 رُزقت  بتوأم ( أمير و نزار )، وصادفت الأقدار أن جاءت ولادة التوأم متزامنة  مع يوم   مناقشتي  لأطروحة الدكتوراه  التي تمت بحمد الله  بميزة (مشرف جدا)وذاك بفضل الله عز وجل ، وكان عنوان أطروحة الدكتوراه (إشكالية التلقي  لبنية الشكل السردي الليالي لألف ليلة وليلة). فكان منحى بحثي منحى علم التواصل  من واجهة نظرية التلقي .

كان لدي إحساس غريب لم يسبق أن شعرت بمثله . صحيح إحساسي كان عظيما يوم نلت شهادة الابتدائية ، و أكثر منه حين حصلت على شهادة الباكلوريا ، ولكن طعم الدكتوراه شيء آخر .

هرولت إلى الكليات قصد الحصول على عمل ، أستاذا جامعيا علَّني  أظفر بمقعد  للعمل ،و أرتاح من تعب العمل في المؤسسات الخصوصية  ، و في نفس الوقت  أجود بما حملته قريحتي و جعبتي العلمية  على الأجيال الجديدة  ، لكني وُوجهت بالرفض  نظرا لكبر سني الذي أصبح يفوق الخامسة و الأربعين  عاما  بسنة واحدة  .و قانون التدريس في الجامعة المغربية  لا يخوّل العمل لمن تجاوز هذا السن ولو بليلة واحدة   .

بذلك عُدت أدراجي مؤمنا بقدر الله عز وجل ، وأنا أقول لزوجتي التي بدا على وجهها نوع من  خيبة الأمل ،لا بأس ما شاء الله فعل . وما فعله الله خير لنا . لا يوجد رزقنا هناك . ثم صممت على مواصلة التدريس في ملحقات  البعثات الفرنسية .كانت زوجتي تنزوي و تنظر إلي بعينين غريبتين ملؤهما الشفقة . سألتها يوما ما بك ؟ لم تجبني بشيء ، لا لا  شيء . أشفقتُ من حالكِ يا عبدالله ، لأنك تعبت ولم يقدر لك أحدٌ  هذا التعب ، تجاوزتَ السن القانوني بعام واحد  . لأجل عام واحد  تُحرم من العمل . غريبٌ عالمُنا ، وغريبةٌ هي  قوانيننا  ، و أغربُ منه طبعُنا ، المجتمع لا يكترث لمن يريد إصلاحه ، ولا يكافئ أمثالك ،أبعدَ كل ما قدمته لهذا الوطن  تجازى بمثل هذا الجزاء .

أجبتها ، حبيبتي ، و الله  سُروري بأن الله وفقني  في بناء شخصيتي    يكفيني شرفا  و رفعة . أما الرزق  فبيد الله عز وجل ، وليس بيد الجامعات  أو الكليات  أو حتى  الدولة . سنواصل طريقنا عزيزتي ، هذا قدرنا إذن ، فلنرض به ،و الحمد لله والله أكبر ، فالوطن يحتاج إلى أبنائه .

رأي

g