“راديو مارس”، “هيت راديو”، “لوكس راديو”.. بلقنة صناعة الرأي العام؟ – الجريدة 24

"راديو مارس"، "هيت راديو"، "لوكس راديو".. بلقنة صناعة الرأي العام؟

الكاتب : الجريدة24

22 فبراير 2020 - 10:25
الخط :

لحسن العسبي

لو انطلقنا من خلاصة مركزية، هي أن "الراديو" قد استعاد تصالحه مع المستهلك المغربي خلال العشرين سنة الأخيرة، بنسب قياسية مقارنة بمستوى معدل الإستماع للإذاعة عالميا، فإن هذا المحمول الصحفي والإعلامي يعتبر منذ عقدين واحدا من أهم وسائل الاتصال تأثيرا في صناعة الرأي العام المغربي.

لأنه بالعودة إلى الأرقام الرسمية التي تصدرها بالتواتر مؤسسة رصد علمية رصينة مثل "راديو ميتري ماروك"، التي تحدد نسب الاستماع لمختلف الإذاعات المغربية (عامة وخاصة)، فإن نسبة المستمعين المغاربة للراديو تقارب 15 مليون نسمة يوميا طيلة أيام الأسبوع (مع تراجع طفيف في أيام السبت والأحد)، بمعدل استماع فردي يقارب 3 ساعات يوميا.

وهذه أرقام مبهرة على المستوى العالمي، اعتبارا لنسبة المستهلكين للإذاعة بالمغرب مقارنة بعدد السكان. لأنه علينا الانتباه أن رقم 15 مليون من مجموع 38 مليون نسمة (التي هي عدد سكان المغرب)، يمثل أكثر من الثلث، أي حوالي 39.4 %.

فيما المعدل العالمي يحدد متوسط الاستماع التقريبي في نسبة 35 % (مثلا حسب وكالة "بيو" للأبحاث حول الإذاعة والتلفزيون بالولايات المتحدة الأمريكية، فإن نسبة الاستماع للإذاعة من قبل الأفراد الأمريكيين تقارب يوميا 42 %، وأنها تصل إلى 92 % في ما يخص الاستماع ولو ليوم واحد في الأسبوع).

بالتالي يعتبر الاستهلاك المغربي للمنتوج الإذاعي مهما وعاليا بمقاييس عالمية، وبالإستتباع، فإن ما يصنع الرأي العام للمغاربة، ليس هو فقط مواقع التواصل الاجتماعية كما هو معتقد، بل أيضا المنتوج الإذاعي ثم التلفزي. مما يطرح السؤال كبيرا:

أي رأي عام تصنعه الإذاعات بالمغرب؟ وتأسيسا على أية خلفية فكرية، ثقافية وسياسية؟.

هذا سؤال كبير جدا، مفروض أن من بين المؤسسات المؤهلة لتقديم الجواب عنه بأكبر قدر من الدقة العلمية هي مؤسسة "الهاكا". وهي المؤسسة الرسمية التي لم تنتج، منذ تأسيسها، أي تراكم دراسي في هذا الباب. ويخشى أنها غرقت فقط في أتون مهام التتبع الرقابية (التقنية) بدون خلفية لإنتاج معرفة تحليلية (قارئة).

لأنه بالعودة فقط إلى نتائج "راديو ميتري ماروك" (والعالم يحتفي هذه الأيام باليوم العالمي للإذاعة الذي يصادف يوم 13 فبراير من كل عام)، سنجد أن ثمة تزوبعا مثيرا لنسب الاستماع بالملايين مغربيا بين "العام" و "الخاص"، وأيضا بين "المحافظ" و "الحداثي الليبرالي".

الأمر الذي يعقد فعليا أمر تفسير اتجاهات الخلفيات الفكرية الموجهة والمحركة للفرد المغربي، هل هي توجهات "محافظة" أم "حداثية"، أم هما معا في ما يشبه تصالحا سلسا عنده بين "الهوية الحضارية" و "منطق السوق" (5 ملايين مستمع لإذاعة محمد السادس للقرآن الكريم كمثال، و 5 ملايين مستمع لأربع إذاعات خاصة تصنف ضمن خانة التوجه الليبرالي).

وأن دور "الإذاعات الخاصة" تحريريا يطرح هنا أسئلة كبيرة ومقلقة، خاصة وأن اتساع دورها ليس محصورا على بلادنا فقط، بل هو موجة عالمية جارفة، الذي رفع عدد الإذاعات بالعالم إلى ما يفوق 44 ألف محطة إذاعية، علما أن وسيلة الاستماع الرئيسية لا تزال هي جهاز الراديو، رغم الحضور المتزايد للهواتف الذكية، حيث تصل تلك النسبة إلى 75 % بمختلف منازل العالم (مثلا في إفريقيا وحدها تطور عدد الإذاعات الخاصة خلال العشرين سنة الأخيرة بنسبة 360 %).

إن ما يهمنا هنا في هذه الورقة/ القراءة، ليس محاولة الجواب عن سؤال شبكة القيم التي يفرزها نوع الاستهلاك الإذاعي مغربيا، ترجمانا على تعقد دراسة المنظومة القيمية المؤطرة للفرد بالمغرب اليوم في الثلث الأول من القرن 21، بل فقط التوقف عند 3 نماذج منها تشكل نتوءات ضمن مجال إنتاج القيم الرؤيوية الصانعة للرأي العام المغربي إذاعيا اليوم، المتمثلة في "راديو مارس" (الرياضي، المصنف بنسبة 5.90 %) و "هيت راديو" (الشبابي، المصنف بنسبة 9.90 %) و "لوكس راديو" (الفرنكوفوني النخبوي، المصنف ضمن خانة مجموع البواقي الإذاعية المحتلة كلها لنسبة 3.15 %).

ذلك أن الخطاب الصحفي الذي تنتجه كل واحدة منها (المفروض أن تراقبه مؤسسة وطنية مثل "الهاكا")، يصدر عن تصور مهني يطرح سؤالا عريضا حول مدى انخراطها (خاصة راديو مارس وهيت راديو) ضمن منظومة تعزيز "مشروع مجتمعي مغربي أصيل للتنمية"، أو انخراطها أكثر ضمن منطق منتصر "لمنظومة اقتصاد السوق" (بالمعنى الإستهلاكي الذي يعتمد خيار "الإثارة"). فالتصوران متضادان تماما، على مستوى إسقاطاتهما لإنتاج وصناعة الرأي العام.

إن قراءة أولية ل "الخطاب الصحفي" الذي رسخته مثلا تجربة "هيت راديو"،قد أنتج مستهلكين جددا من المغاربة يمكن وصفهم بأنهم مستقلون عن طموح "مشروع مجتمع حداثي مغربي ممنع" فيه مصالحة سلسة بين "الأصالة" و "المعاصرة"،بالشكل الذي يفتح هنا باب "البلقنة الهوياتية" كبيرا.

خاصة من خلال تمرير خطاب تبريري لسلوكيات عمومية جديدة تحت يافطة "القرب من خطاب الشارع"، لعل من بينها شكل التعامل مع ظاهرة "النقيل" في الإمتحانات، بخلفية هزلية غير تربوية تخلق نوعا من التواطؤ السلبي مع الظاهرة عند جمهور المستهلكين (الذين مفروض أن أغلبهم شباب).

وإذا كان صحيحا تماما أن مبدأ الحق في حرية التعبير مبدأ سام، فإنه علينا أن لا ننسى أيضا مبدأ ساميا آخر هو المسؤولية التربوية العمومية لممارسة ذلك الحق من قبل الإعلام عموما وضمنه الإعلام الإذاعي الخاص.

دون نسيان دفتر التحملات الأصلي الذي بفضله منح الترخيص أصلا لميلاد تلك الإذاعة، الذي فيه التزام باحترام القيم الإنسانية والتربوية والوطنية والتعدد الثقافي للمغاربة.

مثلما أنه قد أنتج "نجوما" صحفيين فرجويين بمنطق الإثارة، أكثر منهم مهنيين مندرجين ضمن المنطق الدولي للإعلام (تاريخيا) كخدمة عمومية. ويطرح منتوج مهني مماثل سؤالا عريضا حول القيم التي ينتجها ويرسخها ضمن المخيال العام للمستهلكين، الذين أغلبهم من الشرائح الإجتماعية الشابة (ضمنهم نسبة مقلقة من الأطفال والتلاميذ).خاصة أن تحليل "اللغة" و "بنية الجملة التواصلية" التي يصدر عنها أغلب الخط التحريري الذي ينتجه "منشطون" (لا يصنفون ذواتهم حتى ضمن خانة "صحفيين")، يفتح الباب لقراءة نقدية واجبة حول منظومة القيم التي ينتجها ذلك الخط التحريري وما تنتجه من أنواع من الرأي العام بمغرب اليوم. وليس مستغربا أن جزء كبيرا من ما يمكن وصفه ب "قرارات التنبيه" (حتى لا نقول التأديب) الصادرة عن "الهاكا" قد حازها "منشطو" هذه الإذاعة الخاصة، بسبب المزالق المهنية قيميا التي ظل يسقط فيها طبيعيا "خطاب مهني" مماثل.

فيما تشكل تجربة "راديو مارس"، أكثر التجارب المهنية المغرية بالقراءة النقدية، كونها متخصصة في واحد من أكثر الخطابات شعبية وجماهيرية، المتمثل في "الخطاب الرياضي".

هنا للأسف نسجل أن تطرفات عدة قد انزلقت إليها التجربة الصحفية الإذاعية تلك، من موقع إيمان خطها التحريري بما يمكن وصفه ب "توحش الإثارة" (بسبب سطوة قوة الإشهار).

ربما قد تكون الخلفية الكبرى المتوهمة لخط تحريري مماثل، هي لعب دور ل "التلهية"، ضمن رؤية سياسية تدبيرية عمومية، لكن المخاطر التي لا تدركها ربما هذه الخلفية كامنة في أنها قد أنتجت "تطرفات" رؤيوية وسلوكية في المغرب أصبحت تقوض مشروعا وطنيا كاملا للتحول والتنمية (بالمعنى المؤسساتي)، من خلال تفريخ "غول التطرف الرياضي" بين جمهور الكرة في كبريات المدن المغربية (الذي لا علاقة له بمعنى "الهوليغنز" كما تبلور سوسيولوجيا بالمدن الغربية الأروبية، خاصة الإنجليزية).

لقد "صنع رأي عام رياضي" مغربي، مشكلته الكبرى وخطره الأكبر، من خلال ذلك الخط التحريري الإذاعي الخاص هو أنه "غير رياضي" (حتى لا نقول "غير أخلاقي" بالمعنى القيمي العام وليس فقط الفردي).

مما أصبح معه إلزامي فتح نقاش عمومي ممأسس (من خلال المجلس الوطني للصحافة أو النقابة الوطنية للصحافة أو "الهاكا") حول هذا المنتوج الإعلامي الرياضي الخاص، بالشكل الذي يفرمل من "تغوله" وينضج الوعي "المهني الصرف" ضمنه، بالخلفية الطبيعية التي يتأسس عليها الإعلام والصحافة ك "خدمة عمومية" وكأداة للتنمية. لأن غير ذلك،فعلى المؤسسات الأمنية والقضائية أن تهيئ ذاتها لمواجهة المزيد من "أسباب التطرف الرياضي" التي ينتجها ويرسخها توجه إعلامي مماثل يؤمن فقط بمنطق "توحش الإثارة".

لابد من الاعتراف أن تجربة "لوكس راديو" تبقى واحدة من أكثر التجارب المهنية الإذاعية الخاصة المحترمة بمقاييس مهنية، لكن عطبها الكبير كامن في أنها نخبوية.

وأنها بدلا من أن تصالح نخبا مغربية محترمة وكفؤة، ثقافتها فرنسية (في مجالات وتخصصات متعددة) مع الواقع اللغوي التواصلي لغالبية المستهلكين المغاربة في كافة أبعاده الفصيح أو الدارج أو الأمازيغي، قد زادت من "انغلاقية" تلك النخب عن فضائها المغربي الطبيعي تواصليا، حين سجنتها في خيار لغوي فرانكوفوني.

وهنا مكمن عطبها الكبير في أنها لم تفلح أبدا إلى اليوم في أن تمتلك رقمها المستقل ضمن نسب الإستماع الإذاعي بالمغرب، وأنها بقيت ضمن "الشايط" الإذاعي، غير الفاعل جماهيريا. هل المنطلق المحرك لها هو أصلا السعي للإكتفاء بما هو نخبوي، في ما يشبه ناديا تواصليا بين شريحة اجتماعية محددة (قليلة العدد، مهما كانت فاعلة في القرار الإقتصادي)؟.

قد يكون هذا خيارا له ما يبرره تواصليا وسياسيا. لكن علينا أن نسجل، رغم ذلك، أنه توجه فيه نوع من "الإنتحار التواصلي" بمنطق "الغيثو"، وحتى ندفع المسمار بعيدا (بالخلفية اللغوية الفرنسية) لنتساءل أمام "خط تحريري" مماثل:

"هل قدر على المغربي أن لا تطرح الأسئلة الجدية حول واقعه الحيوي سوى بلغة موليير؟".

أعتقد جازما أن ذكاء عقل الدولة بالمغرب لن يكون متوافقا مع توجه مماثل، لأنه لا يمكن الإعتماد على رأي عام مبلقن يمشي بخطوات عرجاء رؤيويا، كما تصنعه منذ عشر سنوات تجارب مهنية إذاعية خاصة. ولنا في التجربة الإسبانية خير مثال، حيث "التشظي الإذاعي" لما بعد التحول الديمقراطي لسنة 1975، قد كان مرافقا حاميا للمشروع المجتمعي الذي أنتج لنا اليوم إسبانيا التي نشهد قوتها السياسية (التعددية والجهوية والحكم الذاتي) والاقتصادية ضمن المنظومة الأروبية وفي غرب البحر الأبيض المتوسط.

آخر الأخبار