قصة العلاقة بين بلاد المغرب وبلاد شنقيط – الجريدة 24

قصة العلاقة بين بلاد المغرب وبلاد شنقيط

الكاتب : الجريدة24

27 فبراير 2020 - 04:13
الخط :

لحسن العسبي

لأن لكل أمر بداية، فإن لقصة العلاقة بين بلاد المغرب وبلاد شنقيط (الموريتان) بدايات متراكبة وليس مجرد بداية واحدة. كما لو أنها سواقي متعددة تصب في نهر الوشائج الصلبة بين الشعبين والبلدين الممتد عبر الزمن والتاريخ.

ليس أولها أن المغرب الأقصى في الأدبيات التاريخية ما قبل الإسلام قد كان يوصف أصلا ب "مملكة موريطانيا الطنجية" من قبل إمبراطور الرومان (في مقابل "موريطانيا القيصرية" في الجغرافية الجزائرية والتونسية الحالية)، وليس آخرها "معاهدة أخوة وحسن جوار وتعاون" الموقعة يوم 8 يونيو 1970، والتي تعتزم كل من الرباط ونواكشوط الإحتفاء بذكراها الخمسين هذه السنة 2020.

من بين تلك البدايات المتراكبة بين الجغرافتين الأصيلتين والإستراتيجتين في شمال غرب إفريقيا، من مضيق جبل طارق حتى حدود نهر السينغال، "نهر صنهاجة" في الأدبيات التاريخية المغربية والموريتانية القديمة، كناية عن بلاد صنهاجة الأمازيغية القديمة التي تتعرش عروقها في الجغرافية الممتدة من ضفاف ذلك النهر (حيث بلاد الترارزة اليوم بموريتانيا) حتى قبائل "زناغة" التي لا تزال موزعة في العديد من مناطق المغرب، من سهول وأعالي طنجة بالشمال، التي تعربت، حتى مناطق تازناغت بإقليم وارزازات بوسط المغرب، التي لا تزال أمازيغية اللسان إلى اليوم. أقول من تلك البدايات، أود أن أعود إلى "الرحلة الحجازية" للشيخ ماء العينين ابن الشيخ محمد الفاضل، الذي هو موريتاني ومغربي في الآن نفسه.

إن في هذه العودة مغزى أكيد، هو أن سيرة هذا العلامة الفقيه (الذي أنتج مدرسة فقهية قائمة الذات، لها أورادها الخاصة وطريقتها المتبعة في العبادات والتصوف، المعروفة ب "المدرسة المعينية")، تقدم لنا مفارقة جد بهية عن مدى الوشائج بين الأرض هنا والأرض هناك، بين المغرب وموريتانيا، بين جبال الأطلس العالية وحمادات بلاد الحوض وآطار ومراعي الترارزة.

فالرجل ولد ببلاد شنقيط الموريتانية وهاجر إلى الشمال دفاعا عن المغرب وعن صحرائه ضد التغلغل الإمبريالي الإستعماري (معنى الإمبريالي هنا المقصود به المعنى التوسعي الإقتصادي)، وبنى مدينة عند نبع ماء بتلك الصحراء الغربية للمغرب، جعلها رباط علم، لا تزال قائمة إلى اليوم هي مدينة "السمارة"، وأسلم الروح لبارئها في تزنيت بسوس العالمة وهناك دفن سنة 1910،

ولا تزال زاويته الفيحاء الواسعة قائمة هناك. بينما والده الشيخ الفقيه العلامة محمد الفاضل القلقمي، بقي في بلاده الأصلية "الحوض" بشرق موريتانيا الحالية، في اتجاه الحدود مع دولة مالي (السودان الغربية القديمة بعاصمتها التاريخية تومبكتو)، وهناك توفي ودفن. فالدم هناك والدم هنا، والتربة التي آوت الروحين والجسدين واحدة، مما يقوم دليلا على أن عروق الأخوة بين البلدين والشعبين أصيلة، سليمة واثقة من نبعها الأصلي الصلب.

إننا حين نعود إلى تفاصيل "الرحلة الحجازية" للشيخ ما العينين، التي يصف في جزء منها بعضا من أول الطريق إلى الحج، الذي قرره في أواسط القرن 19، وكانت انطلاقة رحلته بعد أن ودع الأهل والربع والتلال والخلان يوم 13 يناير 1858 ميلادية، نكتشف معه تفاصيل مدققة عن البلاد ومفاوزها وأهلها وقبائلها، وعن مستوى العلاقة التي ظلت تجمع بين السلطة المركزية المغربية وذلك العمق الشنقيطي، المتأسسة على التقدير والوفاء المتبادلين.

فمنذ أن غادر الشاب ماء العينين (وهو في 28 من عمره) أهله بمنطقة "نول" في الشمال الغربي لمدينة النعمة (بموريتانيا اليوم) بمنطقة "الحوض"، قاصدا الشمال صوب ميناء مدينة الصويرة  (المغربية)، قبل ركوب البحر بغاية الحج، يقدم تفاصيل هامة تقوم اليوم مقام الشهادة التاريخية والوثيقة التاريخية، حيث نجده يقول:

"ثم إنا دخلنا وادي نون لثلاث مضت من شعبان، وتسوق الجميع. ولأهل وادي نون سوقا شمال الوادي بينه معه مسير يومين، يقال له سوق سيدي احماد أوموسى، يقع في (شهر) مارس، والبلد الذي هو فيه يقال له تازروالت. وتأخرنا هناك حتى مضت من شعبان 18 يوما. سرنا مع رفقة من أولاد أبي السباع تريد مراكش، ونعم قنطرة البقاع أحبابنا الشرفاء أولاد أبي السباع.

فلما توسطنا الطريق طرأ علينا أن نلتمس الركوب في البحر من الصويرة، وزينه لنا بعض الناس. وسرنا لها مع رفقة من أهل سوس يريدون الركوب منها للحج، ودخلناها في آخر يوم من شعبان. وتأخرنا فيها إلى أن مضت من شهر رمضان 14 يوما ولم يكن لنا الركوب. فقيل لي: الحج بعد هذا الوقت لا يصح إلا بمشقة كبيرة أو لا يمكن، والآن أسكن في هذا البلد يفتح الله عليك إلى قابل (العام القابل) إن شاء الله. فقلت لهم بأنني لا يمكن لي إلا إحدى مسألتين: إما الحج وإما الرجوع إلى أهلي.

ولكن، مع ذلك أنا مصمم وعن كلام الناس في صمم. فاستخرت الله على السير للسلطان مولاي عبد الرحمان، وهو إذ ذاك بمكناس، فجاءتني بحمد الله على خلاف ما قال لي الناس، حسنة سالمة من الوسواس. فسرت إليه يوم 14 من شهر رمضان، آخذا طريق مراكش، فوصلته على ثلاث ليال، وأصل ما بينهما مسير خمس ليال أو أربع. فلما وصلته التقيت في ذلك اليوم مع قائده وهو إذ ذاك سيد أحمد بن بوستة، وقلت له إني لا أبيت بمراكش غير هذه الليلة التي في وجهي لضيق الوقت علي، وأنه يكري لي من يوصلني إلى سيدي محمد بن السلطان (يقصد سيدي محمد بن عبد الرحمان الذي أصبح فيما بعد السلطان العلوي محمد الرابع، الذي هو الجد الرابع للعاهل المغربي الحالي محمد السادس)، وهو آنذاك مرابط على قوم قاطعي الطريق في موضع يقال له "زمور الشلح"، ففعل جزاه الله بخير واتحفنا بما قدروا واتحفنا الله من غيره كذلك. فسرنا ووصلنا سيدي محمد على خمس ليال عند موضع يقال له "سلا" وهو الذي به ضريح الإمام ابن عاشر صاحب النظم المشهور رحمه الله. فلما وصلنا أمسكنا عنده حتى لبثنا ثلاث ليال وأتحفنا أيضا بما قدروا، وأرسلنا لأبيه بمكناس.

وصلناه على ليلتين، فأنزلنا السلطان في موضع من أحسن ما يكون، وأحسن ضيافتنا غاية، أحسن الله علينا وعليه، وكذلك ابنه قبله والقائد قبل ذلك ولله الحمد. فجئناه ورحب بنا غاية الترحيب، جزاه الله بأحسن ما جزي به حبيب، وسألني عن الشيخ الوالد أطال الله حياته، وسألني عن جميع أرضنا وغيرها مما هو من الأرض حولنا، فأخبرته عما عنه سأل، لا أكثر من ذلك ولا أقل. وقال لي: لم لم تركب من الصويرة؟ ألم أشترط على النصارى من كل مائة تركب بكراء، تركب عشرة بلا كراء والقائد هناك على بال من ذلك، وقد أكدت عليه في شأن كل من يأتي من ناحيتكم تلك وأحرى أنتم. فقلت له: أردت لقاء القائد ولم يمكني وغير ذلك ما أمكن. فرأيته – جزاه الله خيرا – تغير غاية. وقال لي: أعرض فأعرض الله عنه. وكررها مرارا. ثم قال لي: أعاذنا الله مما ابتلاه الله به، رؤية وجهك غنيمة وتلك غنيمة حرمه الله منها. وقال لي: إن أحببت عيدت معنا، يعني عيد الفطر، وذلك يوم سبع وعشرين من رمضان. فقلت له الأمر إليك، فانظر ما ترى. فقال لي بارك الله فيك، لا يقع إن شاء الله، إلا الخير وما تحب. ونظر مرة إلى زندي، فإذا به عض البرغوث، لأني لما وصلت تلك البلاد، والبرغوث فيها لا يسلم منه أحد أبدا، صار أثر عضه في جسدي كأثر الجدري. وذلك حاله مع كل من لم يتعوده غالبا. قال لي: هذا الجدري؟. فقلت: لا، إنما هو البرغوث. فقال لي: لا باس، هذا قليل في حق كثير. وقال: هل أنت إلا أصبع دميت؟. فقلت له نعم وفي سبيل الله ما لقيت. فقال لي: بارك الله فيك. وقال لي: تسيرون – إن شاء الله – وتركبون كما تحبون، فإن وجدتم أبناءنا لم يركبوا تركبون معهم وإلا فإنكم تركبون كما تحبون إن شاء الله.

ثم إنه أعطاني كسوة ما يلبس في تلك البلاد وعمامة تامة، وهي ستون ذراعا وبرنوسا أبيض من أحسن ما يكون. وكل واحد من قومي كساه جزاه الله برضاه، وأعطاني مئة درهم لنفسي ولكل واحد من قومي خمسين درهما. وأعطاني لكل اثنين منهم عمامة تامة بينهما. وهذا كله ليس إلا أن نتزود به حتى نصل طنجة. ثم أعطاني من زاد الأطعمة ما هو أكثر منا بكثير. ثم إنه أرسل إلى وكيله بطنجة أنه يحملنا في البابور، ويكسونا بمثل ما نحن لابسون، ويعطيني لكل واحد من قومي مائتين وخمسين درهما، ويعطيني لنفسي خمسمائة درهم، ويعطينا من الزاد ما يوصلنا إلى مكة، ففعل. بل وزاد جزاه الله بخير. وقد قال السلطان في هذا الرجل: أمامك رجل خير، ولا يقصر معك إن شاء الله فيما تحب. ووجدته كذلك. لكن السلطان – جزاه الله بخير – أكد عليه في شأننا غاية، وكتب له: "هؤلاء الحجاج حقا".

ثم إنا أتينا هذا الوكيل بطنجة يومين في شوال ووجدنا البابور يريد السفر في تلك العشية، فأرسل الوكيل (هو نائب السلطان الديبلوماسي المغربي محمد بن عبد الله الخطيب التطاوني) إلى النصارى بأنهم لا يسافرون عنا، بل يبيتون لنا حتى نركب مطمئنين. وفعل معنا ما أرسل له به السلطان، بل لا أظنه إلا زاد عليه. لأنه اكترى لنا "القامرة" وهي موضع في البابور وهي أحسنه وموضعها كراؤه بالمثلين مع مواضع البابور الأخرى، ولا أظن السلطان نص له على ذلك، إلا أنه قال له يستوصي بنا خيرا ونص علي قائلا له: كبيرهم له بركة عظيمة وكل ما أمكن لك أن تتلمس منه من خير فافعل، وكل ما أنت معط لقومه فمكنه من يده لأنه ليس معطى إلا له. وهذا أرانيه الأمين بخط السلطان، جزاهما الله بأحسن الإحسان ولله الحمد على ما أولانا من بين الأكوان" (انتهى وصف الشيخ ماء العينين، الذي قال في حقه السلطان مولاي عبد الرحمان "رؤية وجهك غنيمة"، وفي ذلك معاني متراكبة عدة).

هذه، إذن، بداية من تلك البدايات التي قلت إنها تليق بابا كي نلج منها إلى قصة العلاقات المغربية الموريتانية التليدة، التي جاءت صدمة الإستعمار الفرنسي والإسباني في نهاية القرن 19 وأول القرن 20، لكي ترسم خرائط إساءة وتفرقة لها، كان من نتائجها أيام من عدم التوافق بين الإخوة هنا وهناك، انتصرت حكمة السياسة (كما قال مرة الزعيم الوطني والتقدمي المغربي المرحوم عبد الرحيم بوعبيد)، بما أعاد ترتيب المصالح بين "دولة المغرب العريقة" و "دولة موريتانيا الوليدة"، بمنطق القانون الدولي الجديد، المتأسس على مبادئ ويلسون الشهيرة لما بعد الحرب العالمية الثانية، القائمة على حق الشعوب في تقرير مصيرها ونيل حريتها واستقلالها. حيث إنه بعد صمم في التواصل منذ إعلان تأسيس دولة موريتانيا الحديثة يوم 28 نونبر 1960، إلى غاية شتنبر 1969، انتصر منطق "الدولة" في الرباط ونواكشوط من خلال استقبال العاهل المغربي الراحل الحسن الثاني رحمه الله، لأول مرة، أول رئيس للجمهورية الإسلامية الموريتانية الراحل المختار ولد داداه رحمه الله (الذي أطيح به بعد ذلك في انقلاب عسكري يوم 10 يوليوز 1978)، بمطار الرباط – سلا الذي يقدم المرحوم المختار ولد داداه تفاصيل دقيقة عنه في مذكراته الصادرة باللغتين العربية والفرنسية عن دار "كارتالا" سنة 2006. وهي تفاصيل لا تخلو من نفحة عاطفية جياشة بالنسبة للرجل حين وصف يقول:

"(...) وفي 22 شتنبر (من سنة 1969) هبطت بمطار الرباط. وحين رأيت الملك الحسن الثاني محاطا بلجنة الإستقبال عند سلم طائرة "اليوشين 18" التي تقل وفدنا، وعلمنا يرفرف إلى جانب العلم المغربي وسط حوالي أربعين من أعلام مختلف الدول الإسلامية، ثم استمعت إلى نشيدنا الوطني يردده الجوق المغربي خلال استعراضي مع الملك وحدة من القوات المسلحة الملكية خامرني شعور بالإرتياح والعزة قلما شعرت به".

لقد انتصر منطق الدولة، لتجاوز آثار صدمة الإستعمار الذي فرق بين الجغرافيتين والبلدين والشعبين، بأصولهما الواحدة ثقافيا وتاريخيا وبوحدتهما المذهبية الدينية المالكية (الأشعرية العقيدة، على طريقة الجنيد في العبادات)، وكذا بالتزاور التاريخي بين المدارس الفقهية من هنا وهناك. بل إن الرئيس المؤسس لدولة موريتانيا الحديثة المرحوم المختار ولد داداه، سيؤكد في الصفحة 475 من مذكراته تلك قائلا عن الملك الراحل المغفور له الحسن الثاني أنه رجل دولة من طراز نادر، حيث قال:

"يعود الفضل في هذا التطور الإيجابي في علاقتنا الشخصية والدولية بالأساس لشريكي الملك. فقد سادت الثقة بيننا بفضل جهوده وتنازلاته، ولا سيما بعد اندلاع حرب الصحراء (يقصد الحرب التي أطلقتها الجزائر من خلال تسليح وتدريب وتأطير جبهة البوليزاريو، سنة 1975، وبسبب تداعياتها المتشعبة تلك ستتم الإطاحة به في انقلاب عسكري قاده عسكريون مصطفون إلى جانب أطروحة الجزائر). وبفضل تلك الثقة المتبادلة شيئا فشيئا استطعنا إقامة تعاون ثنائي يخدم بلدينا، ذلك التعاون الذي شمل مختلف المجالات المهمة الديبلوماسية والإقتصادية والثقافية والعسكرية بطبيعة الحال. وهنا ينبغي القول إن الحسن الثاني رجل دولة كبير. وهذا رأي يجمع عليه معظم المراقبين الذين خبروه إن لم يكن كلهم. وكان له ككل إنسان محامده ونقائصه، فهو بحكم تمتعه بذكاء فائق وذهن متقد يلجأ أحيانا إلى أن يتبنى في آن واحد مواقف تكاد تكون متناقضة. بيد أنه بحكم مرونته الكبيرة، يتمكن بمهارة وبسرعة من تصحيح أخطائه. إنه وطني كبير لا يتحرج من اتخاد هذا الموقف أو ذاك إذا كانت مصالح بلاده تملي عليه اتخاده. وأي رئيس دولة مسؤول سيسلك سلوكا مغايرا؟.

ورغم خلافاتنا حول بعض القضايا، فقد كان سلوكه تجاهي لائقا تماما، وهو سلوك يتسم بالإعتبار والتقدير بل والإحترام، لاسيما بعد بدء الحرب. فلم يحاول قط أن يستغل موقف قوته أو أن يظهر بمظهر متغطرس من شأنه أن يهيننا خلال هذه المرحلة التي واجهناها معا. وبكلمة واحدة كان حليفا وفيا يحترم التزاماته كما يحترم شريكه الأضعف منه. إنه سلوك حري بالثناء والتقدير" (انتهى كلام الرئيس المؤسس لموريتانيا).

منطق الدولة إذن هو الذي انتصر بين الدولتين، أي ذلك المنطق الذي كان قد كتب بخصوصه العاهل المغربي الحسن الثاني رأيا له نشر بعدد يوم 9 يونيو 1960 من يومية "لوموند" الفرنسية وهو ولي للعهد، قال فيه بالحرف: "ليس من مصلحتنا في شئ أن يتولى قائد مغربي إدارة موريتانيا... فما نتمناه هو نوع من الإتحاد الشخصي، هو رابطة بين دولة ودولة". وهو المنطق المنتصر للمستقبل الذي أفضى بعد لقاءات في الرباط ونواكشوط بين مسؤولين حكوميين من البلدين، إلى توقيع اتفاقية أطلق عليه بالحرف "معاهدة أخوة وحسن جوار وتعاون بين المملكة المغربية والجمهورية الإسلامية الموريتانية"، يوم 8 يونيو 1970 بالدار البيضاء، بحضور قائدي البلدين، وقعها عن الجانب المغربي السيد عبد الهادي بوطالب بصفته وزير خارجية المغرب، وعن الجانب الموريتاني السيد حمدي ولد مكناس بصفته وزير خارجية موريتانيا. وهي الإتفاقية التي جاءت في 8 أبواب، ينص بابها الثامن على أن: "تبقى هذه المعاهدة نافذة المفعول لمدة عشرين سنة ابتداء من تاريخ دخولها حيز التنفيذ، وتتجدد تلقائيا لمدة عشرين سنة أخرى ما لم يصدر عن أحد الطرفين المتعاقدين إشعار كتابي إلى الطرف الآخر بالرغبة في إلغائها وذلك قبل انتهائها بسنة". ولأنه لم يسجل أبدا أي طلب من أي من العاصمتين لإلغائها فإنها لا تزال سارية المفعول منذ 50 سنة.

هنا يكتسب ما ذهب إليه وزير الخارجية المغربي الحالي ناصر بوريطة قوة تجديدية لها، بعد الإستقبال الذي خصه به الرئيس الموريتاني المنتخب السيد محمد ولد الشيخ الغزواني الأسبوع الماضي بالعاصمة نواكشوط حين قال:  "في هذه السنة نحتفل بالذكرى الخمسين لاتفاق الأخوة وحسن الجوار الموقع في سنة 1970 بين المملكة المغربية والجمهورية الإسلامية الموريتانية"، معتبرا أن "هذا الاتفاق له راهنية اليوم أكثر من أي وقت مضى، فالأخوة وحسن الجوار، هما عنوانان أساسيان للعلاقات بين البلدين".

وأضاف أن "ما هو أساسي اليوم هو كيفية استغلال هذا الظرف الايجابي الموجود اليوم، وذلك من أجل تفعيل روح ذلك الاتفاق الذي كان في 1970، حول الأخوة وحسن الجوار، وكذا استغلال كل الإمكانات التي يتيحها لنا الجوار للانتقال بالعلاقة نحو شراكة إستراتيجية قوية". مؤكدا أن "رغبة جلالة الملك محمد السادس هي ألا تكون العلاقة مع موريتانيا علاقة عادية، وإنما علاقة استثنائية بحكم ما يميزها من تاريخ ومن الوشائج الإنسانية، وحتى من الجوار الجغرافي وكذا المصير المشترك، لأن ما يواجهنا من تحديات معا لا يمكن أن نتغلب عليها إلا معا".

وأشار إلى توفر "الآليات والإطار القانوني، وما يبقى هو كيف يمكننا في هذا السياق، وهو سياق ايجابي جدا في العلاقات الثنائية، أن نفعل الاتفاقيات ونستغل بشكل أفضل هذه الآليات من أجل أن تكون هناك نتائج ملموسة، ويكون هناك رفع لهذه العلاقة إلى شراكة حقيقية يحس بها كل الفاعلين على كل المستويات، ويحس بها أولا الشعبان الشقيقان بأنها شراكة مربحة للجانبين وشراكة تعود بالفائدة على الشعبين".

هي بداية أخرى أكيد في نهر العلاقات الممتدة بين المغرب والموريتان، بروح القرن 21، تتراءى في الأفق بأمل. ولربما ستكون بداية لأفق علاقات بمنطق رؤية استراتيجية ترسخ قوة الموقع الجيو سياسي والجيو ستراتيجي للبلدين في غرب شمال إفريقيا من مضيق جبل طارق حتى دكار وكل جغرافية "مجموعة سيداو" الواعدة والقوية في كامل غرب إفريقيا. تأسيسا على روح معاهدة الأخوة وحسن الجوار والتعاون التي وقعت في الدار البيضاء سنة 1970، أي تلك الروح التي انتصرت لمنطق الدولة في العاصمتين وأسست لتحولات عدة في جغرافياتنا المشتركة ليس أقلها النجاح بتعاون وثيق ووفي ومجرب لإنهاء الإستعمار الإسباني بالمنطقة خمس سنوات بعد ذلك. مع التذكير أن من مفارقات التاريخ والسياسة، أن الدولة التي سعت من خلال رئيسها لتسريع وتيسير التواصل بين العاهل المغربي المرحوم الحسن الثاني والرئيس الموريتاني المرحوم المختار ولد داداه، هي دولة الجزائر في شخص رئيسها المرحوم هواري بومدين، ففي مقر إقامته بفيلا بالرباط على هامش قمة المؤتمر الإسلامي الأول سنة 1969 تم التوافق النهائي والفعلي المغربي والموريتاني، وظلت الجزائر دائما حاضرة في صورة تفاصيل المشاورات المغربية الموريتانية، قبل توقيع اتفاقية الدار البيضاء (التي جاءت بعد اتفاقية إفران بين الجزائر والمغرب سنة 1969). وكان الإلتزام الرسمي المعلن للرئيس الجزائري الراحل رحمه الله أن لا مطامع لبلده في الصحراء التي تحتلها إسبانيا، وحلها بيد المغرب وموريتانيا، قبل أن يتغير الموقف فجأة في الطريق بين التزام 1970 و 1972، وبين التحرك المغربي الموريتاني لمواجهة مخطط فرانكو سنة 1974.

هل يعود تعقل روح اتفاقيات 1969 (إيفران) و 1970 (الدار البيضاء) إلى فضائنا المغربي والموريتاني والجزائري؟. ذلك ما يفرضه منطق الدولة المنتصر للتعقل في حسن تنظيم المصالح المشتركة لما فيه أمن مستقبل شعوب منطقتنا المغاربية. من هنا معنى الأمل في تجديد روح اتفاقية 8 يونيو 1970 المغربية الموريتانية، لأنها روح بناءة منتصرة للمستقبل.

آخر الأخبار