جائحة “كورونا”.. مرحبا بكم في العالم الجديد – الجريدة 24

جائحة "كورونا".. مرحبا بكم في العالم الجديد

الكاتب : الجريدة24

18 مارس 2020 - 04:00
الخط :

سمير لعبودي- دكتور في العلوم الاقتصادية

جائحة "كورونا" شجرة تختفي من وراءها غابة من المتغيرات التي ستعتري العالم بأجمع، فهذا الفيروس سيعيد ترتيب المشهد من جديد بعدما يكون قد سلط الضوء على النقائص التي شابت المعتقدات الاقتصادية على الخصوص، والتي أصبحت في حكم اليقين لدى الأغلبية منذ انقضاء الحرب العالمية الثانية وخصوصا منذ ثمانينات القرن الماضي وكذا سقوط جدار برلين إيذانا بنهاية الحرب الباردة التي عمرت لعقود بين المعسكرين الغربي والشرقي.

التغيير حتمي، ومن مشتملاته التأكيد على القوة التي تتسم بها الأنظمة التنموية الآسيوية والتي تعد الصين مثالا حيا عنها، فقد أظهرت الأزمة التي عصفت بالعالم على خلفية انتشار الطاريء الوبائي في أطناب العالم ككل، أن الصين قوة عظمى لا يستهان بها، فهي تتحوز على المقومات العلمية والاقتصادية والاجتماعية وحتى السلوكية المرتبطة بحس الانضباط المتجذر في شعب يقارب على إتمام الملياري نسمة، بما جعل البلاد قادرة على تجاوز محنة "كورونا" بطريقة صينية صرفة تشكل مثالا يحتذى من لدن الجميع خاصة القوى الغربية التي ظلت تتوجس خيفة من هذا العملاق الأصفر.

أما التغيير الثاني الذي سيسجل ولا خلاف حول ذلك، هو إعادة النظر في الدعوات التي نادت مرارا بالتخلي عن دور الدولة وتهميشها وحصرها في تدبير الأمور الأمنية والنظامية في الصيرورة الحياتية لا غير، إذ أثبتت أزمة "كورونا" أن دور الدولة ضروري وفعال وأنها الحامي الذي تدخل بقوة وحزم لنجدة النظام الاقتصادي الليبرالي.. ويا لها من مفارقة!

فالنظريات الليبرالية والنيو- ليبرالية التي ثمنت على مدى العقود الأربعة الأخيرة، تقديم الدولة لـ"استقالتها" في المنظومة الاقتصادية، تجد نفسها الآن على المحك وقد هَدَّ فيروس "كورونا" أركان هذه النظريات بعدما انكشف ضعف الأنظمة التي تتبناها في تخطي نوائب الجائحة التي هبت على العالم من كل حدب بعدما كانت الصين بؤرة انطلاقها، ولقد تخلى الليبراليون عن معتقداتهم بعدما تناسلت دعوات عدة تحث الدولة للتدخل بكامل ثقلها لإنجاد المنظومات الاقتصادية من قبضة "كورونا" التي شددت الخناق عليها ولا تزال.

كذلك، عادت إلى الساحة الأحاديث والنقاشات حول "التأميم" كوسيلة تجعل الدولة قادرة على تحمل المسؤوليات، كما الشأن فيما يتعلق بشركات النقل الجوي والعودة إلى مراقبة مصنعي السيارات الذين يرزحون تحت تبعات الوباء العالمي، وكل هذا لم يكن ممكنا التطرق إليه أو النبش في جوانبه حتى قبل وقت قليل مضى.. لكن "كورونا" تعيد ترتيب الأمور من جديد وتغير الأولويات وتؤثث لعالم جديد.

لكن الأهم هو الدعم الذي أسداه فيروس "كورونا" المستجد إلى المتشبثين بدور الدولة في قطاعات مثل الصحة العمومية، وقد ثبت جليا أن الدولة قد تفرط في جميع قطاعاتها إلا قطاعي الصحة العمومية والتربية والتعليم، إذ أن من شأن التخلي عنهما أن يسير بدول العالم صوبا وبسرعة نحو الحائط.

ولا أدل على ذلك من حجم الأضرار البليغة التي طالت الأنظمة الصحية  منذ تخلت الدولة عن أدوارها في الصحة خاصة بعد اعتماد برنامج التقويم الهيكلي  "PAS" (Programme d’Ajustement Structurel) في المغرب والذي أملاه صندوق النقد الدولي والبنك العالمي في 1983، ونفس الأمر يصدق على قطاع التربية والتعليم الذي جرى إخضاعه أيضا لمنطق السوق قبل أن تجتاح غمامة "كورونا" العالم لتقول لا للاستمرار على نفس المنوال.

آخر الأخبار