الثورة الزراعية … أكبر خدعة وفخ لا غير – الجريدة 24

الثورة الزراعية ... أكبر خدعة وفخ لا غير

الكاتب : الجريدة24

31 مارس 2025 - 11:00
الخط :

 أمينة المستاري

الثورة الزراعية ... أكبر خدعة وفخ لا غير

يستعرض الفصل الثاني كيفية انتقال البشر من حياة الصيد والجمع إلى الزراعة، وهو تحول أساسي في تاريخ البشرية حصل قبل حوالي 10,000 عام.

كانت الزراعة نقطة تحول كبرى غي حياة المجتمعات، فقد توقفت عن الترحال وأصبحت مستوطنة، وظهرت أنظمة اجتماعية معقدة تقوم على الملكية والعمل الجماعي. ومع أن الزراعة ساهمت في زيادة الإنتاج الغذائي واستقرار المجتمعات، إلا أنها أيضاً جلبت الأمراض، والحروب، والفوارق الاجتماعية، وتسببت في الاستغلال البيئي وتدمير التنوع الطبيعي.

يعتبر هراري أن هذا التحول قد يكون "أكبر خدعة في التاريخ"، حيث أُجبر البشر على العمل الشاق بدلاً من الحياة البسيطة التي عاشوها في فترة الصيد والجمع.

لقد تغيرت طريقة عيش البشر منذ حوالي 10 آلاف سنة، وبدأوا يتحكمون بحياة أنواع من الحيوانات والنباتات، انتقلوا من جمع النباتات وصيد الحيوانات...إلى نثر البذور وسقي النباتات وقادوا الخراف إلى المراعي فكانت ثورة زراعية.

بدأ التحول إلى الزراعة من 9500 حتى 8500 قبل الميلاد تقريبا، في تلال الريف جنوب شرق تركيا، وغرب إيران وشرق المتوسط، زرع  الإنسان القمح ودجن الماعز قبل 9 آلاف قبل الميلاد، وزرعت العدس وأشجار الزيتون 5000 ق.م ، دجنت الخيول حوالي 4 آلاف ق.م ، كروم العنب قبل 3500 ق.م.

بخلاف الاعتقاد السائد أن الزراعة انتشرت من بقعة شرق أوسطية إلى العالم، توصل المتخصصون إلى أنها ظهرت في بقاع مختلفة من العالم بشكل مستقل، وحسب خصوصية كل منطقة، ليصبح أغلب البشر مزارعين، واستطاع العقلاء تدجين أنواع معينة من الحيوانات فقط في أماكن محددة حدثت فيها الثورات الزراعية التي اعتبرها الباحثون قفزة تقدمية عظيمة للبشرية، نتج عنها أناس أذكياء فكانوا ألغاز الطبيعة.

فرضية يعتبرها هراري خيالية، فليس هناك ما يثبت ذلك، فالجامعون عرفوا أسرار الطبيعة قبل الثورة الزراعية بوقت طويل، بل أن الحياة الزراعية تركت البشر في حالة أصعب وتطلب منه الأمر عملا أكبر وجهدا أكبر... فقد كانت الثورة الزراعية أكبر خديعة في التاريخ...استطاعت أنواع من النباتات من تدجين الإنسان وليس العكس.

يضيف هراري إلى أن الذي دفع الثمن هو العمود الفقري للإنسان والركب والرقاب والأكتاف، فقد أشارت دراسة للهياكل العظمية أن التحول الزراعي نتج عنه زيادة في العلل. ويتساءل الكاتب كيف أقنع القمح الإنسان أن يستبدل حياته الجيدة بحياة بائسة وبنظام فقير بالأملاح والفيتامينات، صعب الهضم...؟؟؟ واعتبر أن حياة الفلاح أخطر من حياة الصياد الجامع، هذا الأخير كان له نظام غدائي متنوع.

ازدادت حاجة الإنسان للأراضي، ولم يمنحه القمح الأمن من العنف البشري، وزاد من حدة التعرض لمجاعة في حالة التخلي عن الحقول لفائدة منافس أقوى، فنحا المزارعون للبقاء والقتال حتى النهاية المريرة.

لقد جلبت حياة القرية للمزارعين فوائد نعم، يقول هراري، لكن المساوئ أكثر، وخلص إلى أن أساس الثورة الزراعية هو القدرة على جعل أناس أكثر يعيشون تحت ظروف أسوأ، وأن 1000 نسخة من الجينوم هو أفضل من 100، لأنه كما في الشركة المهم أن يقاس نجاحها بكم لديها في حسابها البنكي وليس بسعادة موظفيها....لذلك اعتبر أن الثورة الزراعية هي فخ لا غير.

لم يستقر البشر العقلاء فجأة وبشكل دائم، بل بالتدرج وعبر مراحل. واستقر بالشرق الأوسط قبل 70 ألف سنة، وفي أوقات وفرة الموارد الطبيعية كان لدى الناس المزيد من الأطفال فيما قل عددهم في أوقات العسر، فقد كانوا يتحكمون في العدد بوسائل هرمونية وجينية، وبالمباعدة بين الولادات والإرضاع كل ساعة، الوأد والإجهاض والعفة الكلية أو الجزئية(عدم ممارسة الجنس).

عاش الأجداد بعدها ب50 ألف سنة، وأكلوا القمح من حين لآخر، فلم يكن أساسيا في نظامهم الغذائي، لكن قبل 18 ألف سنة، تغير الجو وارتفعت الحرارة كما هطلت الأمطار ليصبح المناخ مثاليا للقمح، فقد أدت عملية جمعه إلى سقوط بعضه ونبت المزيد منه، وعند حرق العاقل للغابات فسح المجال أمام القمح ليأخذ من الشمس والماء حتى أصبح وفيرا، فاستقر العاقل في أماكن تجمع موسمية أو دائمة.

وتشكلت مخيمات الحصاد، وازدهرت الثقافة النطوفية منذ 12،500 ألف سنة، فالنطوفيون من الصيادين الجامعين اعتمدوا على الأنواع البرية، وعاشوا في قرى دائمة بحلول 8500 ق.م. فقد حققوا تقدما في طرق زرع القمح وبذور الحبوب، وتعلموا الجرف والحرث وإزالة الأعشاب...ليتحولوا بذلك إلى مزارعين، وارتفع عدد السكان، وبدت الحاجة للمزيد من الأراضي لزراعتها، والمزيد من اليد العاملة، فظهرت الأمراض وبالتالي ارتفعت الوفيات بين الأطفال، لكن ورغم ذلك تزايدت الولادات.

يقدم هراري أريحا كقرية من هذه القرى الكبيرة، وعرف كل جيل تحسينات طفيفة مقارنة مع سالفه، لكنها أضافت قيودا حول أعناق المزارعين، كان عليهم أن يعملوا أكثر ويجرفوا حتى يحصلوا على حصاد أوفر...وهو خطأ  أكبر اقترفه الانسان، يقول الكاتب، فقد كان على الأطفال الكثر أن يتشاركوا المحصول، وتحولت المستوطنات الدائمة إلى بؤر للأمراض المعدية، ولم يعلم العاقل أن الاعتماد على مصدر غدائي واحد يعرض حياته لأضرار القحط، وأن صوامع حبوبهم ستغري اللصوص مما سيدفعهم لبناء الأسوار وحراستها، فالخطة أنتجت نتائج عكسية...فالفلاحة رفعت عدد سكان القرية، وكان على البعض أن يموتوا جوعا حتى يتمكن الباقي من العيش...فخ انطبق بشكل محكم.

فالسعي لحياة أسهل نتج عنه معاناة كبيرة، وهذا يحدث حاليا مع العدد الكبير لخريجي الجامعات الشباب، يعملون بجد حتى يضمنوا تقاعدا جيدا لكنهم يجدون أنفسهم أمام شرك القروض العقارية الضخمة، ومصاريف الأطفال ووسائل النقل، والنبيذ الجيد ...فيكون عليهم العمل أكثر ومضاعفة جهودهم.

يورد هراري قانون " الرفاهيات تنحى لأن تصبح ضروريات لتنتج حينها واجبات جديدة"، فاعتياد رفاهية معينة تجعل الإنسان لا يستطيع الاستغناء عنها، ويورد أيضا أمثلة من الواقع الحالي (غسالات، هواتف، حواسيب...) .

يطرح خراري سؤالا حول مدى سعادة العاقل بالتقدم التكنولوجي واكتشاف الزراعة؟ أم أنها قيدته في دوامة من العمل المستمر والمكالب المتزايدة... ويلمح هراري إلى أن الإنسان  مازال عالقا في هذا الفخ، فكل ابتكار جديد رغم أنه يعد براحة أكبر إلا أنه في الواقع يضيف أعباء جديدة للحياة.

آخر الأخبار