علال الفاسي: الازدواجية والاستعمار - الجريدة 24

علال الفاسي: الازدواجية والاستعمار

الكاتب : الجريدة24

الخميس 21 مارس 2019 | 09:45
الخط :

بقلم : علال الفاسي

 قبل كل شيء أحب أن أضع النقط على الحروف في معنى الازدواجية، كما تدل عليها الكلمة العربية، وفي المعنى الذي يطلقه عليها المسؤولون في المغرب، حينما يتحدثون عن ضرورة الازدواجية في المدرسة المغربية، وينتقدون الذين يطالبون بالتعريب متهمين لهم، بأنهم يريدون إقفال كل تفتح خارج في وجه المتعلمين المغاربة، زاعمين أن نبذ الأخذ باللغة الفرنسية مثلا، يعني حصر معارفنا في حدودها الضيقة، الموروثة عن زمن ازدهار الحضارة العربية، في حين أن اللغات الأجنبية اليوم هي مصدر كل المبادرات العلمية والتقنية فينبذ الأخذ بها، يعني التخلي عن معرفة كل حاجة في العالم من مكتشفات علمية ومبادرات تقنية.

وليس هذا في الواقع إلا سفسطة غوغائية، يراد بها تضليل الجماهير، وأخذها بنقط الضعف، التي من الضروري أن تكون لها، وهي رغبتها في التقدم والتوسع في المعرفة، ومسايرة التطور الفكري.

والحقيقة أن كلمة الازدواجية: تعني الثنائية، من الازدواج، أي: التزاوج، وهو أن يكون هناك زوجان، أي اثنان، هذا معناها اللغوي.

فلو كان ذلك هو المقصود في نظر الذين يدافعون عن «الازدواجية» في لغة التعليم، لما كان ثمة موجب للمناقشة، ولا للانتقاد عليهم، أو خلق هذا التيار التحرري، الذي يرمي إلى تحرير المدرسة المغربية، من السياسة التعليمية الاستعمارية وأثرها على المعرفة والفكر، ومن ثم على مصيرنا الاقتصادي والاجتماعي والسياسي والثقافي.

فلو كان المقصود هو أن نتعلم بلغتنا، وبمقتضى برامج ومناهج وطنية، ولكننا نأخذ في مدرستنا بإضافة لغات أوربية، يختار منها الطالب في تعليمه الثانوي واحدة أو اثنتين، لأجل أن تكون لغة مساعدة له على الاتصال بالعالم، والاطلاع على مجريات الثقافة في أوروبا، التي هي مهد المعرفة والحضارة اليوم، لكنا أول من يصفق لذلك ويدعو إليه. لأن حضارتنا العربية كانت في مقدمة ما امتازت به، قدرتها على الأخذ والعطاء مع مختلف الثقافات والحضارات، وقد كان حذق أسلافنا للغات أجنبية، من أسباب استطاعتهم الأخذ والعطاء، حتى قالوا في مثلهم: كل لسان بإنسان.

ولكن الواقع أن الازدواجية، في عرف المسؤولين المغاربة، وأساتذتهم الفرنسيين، ومعاونيهم الأوروبيين، تعني هيمنة اللغة الفرنسية بمعجمها، ودلالاتها الحضارية، والثقافية، والدينية، على مدرستنا، ومن ثم على عقول وقلوب أبنائنا وبناتنا.

فالفرنسية لغة التعليم، للغة وللتاريخ، والجغرافية، والفلسفة، أي لغة أبناء الغال، وتاريخهم وجغرافيتهم (2) وفلسفتهم. ولغة التعليم كذلك للرياضيات وللعلوم على اختلاف أنواعها وفي جميع المستويات. فلا يبقى بعد ذلك للغة العربية إلا حظ لغة أجنبية، في مدرسة أجنبية، وبلد غير عربي. وماذا يكون مصير الطالب الذي يتكيف ذهنه بالمعجم الفرنسي، والحضارة الفرنسية، والفكر الفرنسي؟

إن التجربة التي رأيناها تدل على أن المصير، هو أن المغربي يصبح مستعمرا «مسكونا» بكل ما هو فرنسي. ولذلك فهو يبتعد رويدا عن وسطه الذي نشأ فيه، وبما يشتمل عليه من دين وثقافة شعبية، وذكريات عائلية، ولا يبقى له إلا نوع من الصبغة العاطفية، التي تختلط بإعجابه بحضارة الأوروبيين وتقاليدهم، فيود أن يصبح وسائر إخوانه على غرار الفرنسيين (بالنسبة للمغرب)، أو الإنجليز (بالنسبة للبلدان العربية)، وتعود وطنيته (مسكونة بازدواجية شخصية)، وفكره مسكونا، وقلبه كذلك، وكما خلق الله العالم على صورته، يريد هو أن يكون مخلوقا على صورة المستعمر شكلا، وموضوعا، لغة، وعقيدة وتقاليد وهوى.

هل أنا بحاجة أن أدلل على ما قلت، بأكثر مما هو واقع في وطننا، وملموس في نفوسنا وذواتنا؟ فمن الذي يهتم منا بمعرفة الإسلام، دينا وثقافة وحضارة؟ ومن منا يمارس شعائر دينه، كما كان آباؤنا قبل بضع سنين يفعلون؟ ومن منا يهتم بدراسة العربية، لغة وثقافة وحضارة؟ وأعني بالدراسة ما يدل على رغبة في تشرب العربية، ودلالاتها اللفظية والمعنوية، وما يقيم في كل مفردة من كلماتها، من عوالم بارزة، تشف عن عوالم أخرى، كما تشف اللوحة الهائلة للفنان من عوالم خفية، لا يدركها إلا هو، ومن على شاكلته.

وإذا كان كل واحد منا يشعر بهذا الواقع ويلمسه، فلا أطيل عليكم بتصويره وإبراز معالمه، ولأصل بكم إلى الأسباب والغايات التي أوصلتنا لهذه الحالة، أي لأن نكون مسؤولين جسما وروحا بالاستعمار الأجنبي، ولا نستطيع أن نخرج الاستعمار من قلوبنا ونفوسنا، أي من هذه الازدواجية التي أنستنا أنفسنا، وأخرجتنا من بيئتنا، وجردتنا من قيمنا، تمهيدا لقبول نفوسنا للهيمنة الدائمة، الاقتصادية والاجتماعية، من طرف أولئك الذين استعمرونا، ووضعوا الخطط الجهنمية لاستعبادنا الأبدي.

وإذن فلابد من أن نبحث عن العلاقة الجدلية التي «بين الازدواجية» في صورتها الحالية، وبين الاستعمار في أشكاله المتنوعة. وبين هذين والصليبية، التي تعني القضاء على الإسلام كدين وثقافة وحضارة لإحداث الفراغ، الذي يسمح بإحلال كل شيء أجنبي، محل ديننا وحضارتنا وثقافتنا.

وهذا البحث لا يعني أبدا التعرض للعقائد أو الإيديولوجيات كما هي، ولكنه يعني الذين يستعملون هذه العقائد والإيديولوجيات، كوسيلة للهيمنة اللغوية والحضارية والاقتصادية، على الشعوب المنكوبة باستعمارهم ليخدموا مصالحهم الرأسمالية، وتفوقهم الطبقي على مصالح شعبنا، وعلى مجتمعنا، الذي يؤمن مبدئيا بالمساواة واللاطبقية.

وإن للقضية الاستعمارية جذورا عريقة في التاريخ، فمنذ أن دخل الإسلام بلاد الشرق الأوسط، وإفريقية الشمالية، ومناطق البرانس، وحول السكان الذين كان جلهم يدين بالمسيحية، إلى الإيمان بالحنيفية السمحة، لم يستطع رجال الكنيسة وأتباعهم هضم هذه الحقيقة التاريخية، وقبول مبدإ إمكان تحول مجموعة بشرية، ولو كانت آرية ومسيحية من دينها إلى ديانة سامية وعربية. علاوة على أن الإسلام الذي استطاع بمجرد وصوله لهذه الديار، تطبيق مبدئه في منع الأحبار والرهبان من كنز الذهب والفضة، والسماح لها أن تروج بين أيدي سائر الطبقات والشعوب، فأصبحت العملة الإسلامية أداة المعاملات بين جميع الأمم. وقضى على الطبقة الكهنوتية والملوك المحتمين بها. وظلت ردود الفعل من طرف أولئك المجردين من وسائل الاحتكار متوالية، حتى كانت الحروب الصليبية المشهورة، التي حاولت استرجاع المناطق المسلمة لحظيرة الصليب، وفي الوقت نفسه تمكين الرأسمالية التجارية التي كانت قد بدأت في الغرب، من إيجاد أسواقها وطرقها، والبحث لها عن المواد الأولية التي تيسر لها سبيل نمو الإنتاج وترويجه.

وإذا كنا لا نريد أن نفيض القول في تاريخ هذه الحقبة، التي هي المحاولة الأولى للاستعمار الغربي المبني على الدين، وعلى الرأسمالية، فإننا نريد أن نؤكد أن كل  استعمار وقع منذئذ من طرف الغرب بأي شكل من الأشكال فإن جذوره في تلك الحرب الصليبية، الموجهة لحرب الإسلام، واستعمار أراضي المسلمين.

لقد أسفرت معظم الحروب الصليبية، في ما عدا التي جرت في اسبانيا، عن انهزام الصليب أمام الهلال، وأيقن الصليبيون من عدم قدرتهم على محو القرآن من الوجود، وبالتالي القضاء على تعاليمه التي تدعو إلى مقاومة كل معتد ظلوم.

وقد ظلت الحرب الصليبية قائمة في نظر الدول الغربية المستعمرة، حتى بعد أن دخل الإنجليز القدس سنة 1918، ووقف الجنرال الالبش يقول: “الآن تنتهي الحروب الصليبية”

فقد وقف الجنرال جورو بعده بقليل على قبر صلاح الدين في دمشق، وقال: “ها نحن يا صلاح الدين”.

وقال بعد ذلك م. يبدو، وهو وزير خارجية فرنسا، ونحن في أثناء المقاومة المغربية “إن فرنسا لا يمكن أن تعترف بالاستقلال، لأن ما أخذه الصليب للهلال، لا يمكن أن يرد إلى الهلال”، أي أن احتلال المغرب كسب صليبي، فلا يمكن أن يتخلى عنه لفائدة الإسلام.

لقد بدأ الاستعمار عمله بأجهزته الاجتماعية، ورواده الاقتصاديين، أعني المبشرين الصرحاء أو المتسترين باسم الاستشراق. والشركات، والكونتوارات، زاعمين أن عملهم لا يرمي لأكثر من نشر الحضارة الحديثة، في بلدان الشرق، رغبة إلحاقه بالركب الحضاري الغربي. ولكن هذه المحاولات لم تجد شيئا في هدم الإسلام، أو نبذ القرآن، بل زادت في قوة المقاومة العربية، الأسيوية الإفريقية، فتحدثت تقارير هؤلاء وأولئك، بأن العرقلة الوحيدة لانتصار المخطط الغربي في بلاد الإسلام، هي الإسلام وكتابه القرآن.

وأصبحت كلمة وليام جيفور بيلجراف، كلمة الأمر التي توجه العمل الاستعماري في أوطاننا المسلمة، وهذه الكلمة هي: (عندما يختفي القرآن، ومكة من بلاد العرب، يسهل علينا أن ندفع المسلم في سبيل الحضارة، التي لم يبعده عنها إلا محمد وكتابه).

إن تعاليم الإسلام في القرآن وفي السنة. والقرآن كتاب عربي بين، والسنة أفصح ما نطقت به الضاد. والمسلمون في كل مكان أعجميهم وعربيهم يقرأ القرآن والسنة ويستملي منهما. وبذلك فيهم عرب أو مستعربون يحفظون بالعربية آيات من القرآن، يفهمون معناها ويؤدون صلواتهم بها. وأسمى ما يرمون إليه هو التوسع في علوم القرآن، وآداب الإسلام، وجوامع الكلم من أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم.

وإلى أن تغلغل الاستعمار الغربي حامي الصليبية والتبشير ورأس المال، كانت مدارسنا العربية في البلاد العربية والإسلامية، وفي بلاد العجم تقوم على تربية أساسية إسلامية وحضارية، فيهما القرآن يفسر لفظه، ويؤول معناه، وتطبق تعاليمه وأخلاقه، والسنة النبوية تستخرج أحكامها، وتنفذ أوامرها، وتجتنب نواهيها.

ومن القرآن والسنة انبثقت العلوم العربية بأسرها دينية ودنيوية، على أنها وسيلة فهم الكون، والاستفادة من مادته، واستكشاف ما وراءه. فكان أول ما عملته أيدي المستعمرين، تغيير البرامج والمناهج، واستبدال العربية بالفرنسية في بلادن، والانجليزية أو الهولندية في بلدان المسلمين الأخرى. وتقدم عقائديو الصليبية والاستعمار وأذنابهم من أهالي المستعمرات، يبشرون هم الآخرون بفكرة أسيادهم، ويطالبون بنبذ التعليم الديني، والاهتمام بدراسة اللغات الأجنبية، على أنها (لغة العلوم والمعارف)، ومقاومة المعاهد الدينية، والاقتصار على العامية العربية وكتابتها بالحروف اللاتينية.

ولقد بدأت الحملة فيما يخص المغرب، بتأسيس لجنة الأبحاث المغربية التي ترأسها وشاتليه (3)، والذي قال سنة 1911، وقد أصبح أحد خبراء فرنسا، وكبير خبرائها في الشؤون العربية والإسلامية: “إن إرساليات التبشير الدينية، التي لديها أموال وفيرة، وتدار أعمالها بتدبير وحكمة، تأتي بالنفع الكثير في البلدان الإسلامية، من حيث أنها تثبت الأفكار الأوروبية”.

ثم يقول: «ولاشك أن إرساليات التبشير من بروتستانية، وكاثوليكية، تعجز عن أن تزحزح العقيدة الإسلامية من نفوس معتقديها، ولا يتم بها ذلك، إلا ببث الأفكار التي تشرب مع اللغات الأوروبية، فبنشرها اللغات الإنجليزية، والألمانية، والهولندية، والفرنسية، يحتك الإسلام بصحف أوربا، وستمهد السبل لتقدم إسلامي مادي». (تأمل هذا جيدا).

وتقضي إرساليات التبشير لبانها من هدم الفكرة الدينية الإسلامية التي لم تحفظ كيانها إلا بعزلتها وانفرادها.

ثم يقول: «إنه مهما اختلفت الآراء في نتائج أعمال المبشرين من حيث خطتهم في الهدم، فإن نزع الاعتقادات الإسلامية ملازم للجهود التي تبذل في سبيل التربية النصرانية. والتقسيم السياسي الذي طرأ على الإسلام سيمهد السبل لأعمال المدنية الأوربية، إذ من المحقق أن الإسلام يضمحل من الوجهة السياسية، ولن يمضي غير زمن قصير حتى يكون الإسلام في حكم مدينة محاطة بالأسلاك الأوروبية»(4).

وقبل هذا كان القسيس زويمر(5)، يبين أن اللغة العربية هي الرباط الوثيق، الذي يجمع بين ملايين المسلمين، فيجب أن يحل هذا الرباط، وذلك بقوله سنة 1906: «إنه لم يبق وجود عقيدة مبنية على التوحيد، أعظم من عقيدة الدين الإسلامي، الذي اقتحم قارتي آسية وافريقية الواسعتين، وبت في ملايين البشر عقائده وشرائعه وتقاليده، وأحكم عروة ارتباطهم باللغة العربية».

وإذا كانت في البلاد الإسلامية وسائل واحدة، لتنفيذ الخطة الصليبية والاستعمارية، فقد استعملت في كل جهة، الأساليب التي حكم المستعمرون أنها أفيد لإنجاح مقاصدهم.

ففي المغرب خلق الفرنسيون بمجرد احتلالهم سياسة تعليمية، كانت إحدى مظاهر السياسة الأهلية، فعدد أنواع المدارس بين عربية فرنسية، وفرنسية محضة، وخاصة بالبادية، وخاصة بالحاضرة، بعضها لأبناء الأعيان، وبعضها للطبقة الشعبية، ومدرسة لأبناء العرب، وأخرى للبربر، وثالثة لليهود المغاربة. كل ذلك في إطار الفرنسية وإضعاف التعليم الديني وحفظ القرآن، مع العلم أن الاستقلال قد جاء، وعدد التلامذة والطلبة الموجودين في مدارس الحماية، لا يبلغون المائة ألف، في جميع سلم التعليم.

ومن مظاهر هذه السياسة في ميدان التعليم، الجانب اللغوي، في المدرسة المعدة لأبناء الجبال البربرية، وفي هذا الصدد يتحدث جود دوفري دومبين((goudefroy-demombyne) (6في أطروحة (عمل فرنسا في المغرب في ميدان التعليم)ص 119  فيقول: (من الخطر أن نترك كتلة ملتحمة من المغاربة تتكون، ولغتها واحدة، وأنظمتها واحدة. لابد أن نستعمل لفائدتنا العبارة القديمة (فرق تسد)، إن وجود العنصر البربري هو آلة مفيدة لموازنة العنصر العربي، ويمكننا أن نستعمله ضد المخزن نفسه).

ويعترف هذا المؤلف نفسه في ص 118 بأن اللغة العربية هي اللغة الاقتصادية والدينية والإدارية بالمغرب الحالي. وأما البربري فيعتبر اللغة العربية، لغة عليا، ولذلك بقول (جود فروي – دوموموبين: (goudefroy-demombyne) في ص 119، (يجب أن تقوم اللغة الفرنسية، لا البربرية، مقام اللغة العربية كلغة مشتركة وكلغة للمدنية).

ويقول الكومندان بول مارتي (Paul Marty)، في كتابه (مغرب الغد:  (Le Maroc de demain) ص 241،” إن المدرسة الفرنسية البربرية هي مدرسة فرنسية بتعليمها وحياتها، بربرية بتلاميذها وبيئاتها، إذن فليس ثمة واسطة أجنبي، كل تعليم عربي، وكل تدخل من قبل القضية، وكل  ظاهرة إسلامية يجب منعها بصرامة تامة، فنحن نبتعد من تلقائنا عن كل مرحلة تكون مرحلة إسلامية، أي مرحلة تبلور، إن الآراء هنا وفي كل مكان، متفقة على هذه النقطة”.

ويقول ذي مونيس في كتابه سالف الذكر: “إن برنامج المدارس البربرية هو نفس البرامج البدوية الأخرى، إلا فيما يخص المعلمين. فيجب عليهم أن لا يستعملوا في أي حال من الأحوال اللغة العربية، ولو في أوائل الدراسة، كما يجب عليهم أن لا يسمحوا للتلاميذ بأي اتصال مع الطالب. أما في الحالة التي لا يمكن فيها اتباع طريقة المباشرة، فينبغي له إن كان يعرف البربرية أن يستعملها لتفهيم التلاميذ”.

وكتب مسيو موريس لوكلاي أحد موظفي الإقامة العامة، في مقال بعنوان (المدرسة الفرنسية لدى البربر) ما يأتي: ” يجب أن يحذف تعليم الديانة الإسلامية، واللغة العربية في مدارس البربر، وتكتب اللهجات البربرية بالحروف اللاتينية، وقال: «يجب أن نعلم البربر كل شيء ما عدا الإسلام”.

إن هذه الخطة ترمي لتفرقة المغرب الى عنصرين عربي وبربري، لأن مصلحة الاستعمار في أن لا تتبلور وحدة مغربية بكل معنى الكلمة. والوسيلة هي في استبعاد الإسلام واللغة العربية من المدارس، كمرحلة للتنصير وللفرنسية (7).

لقد قاوم الشعب المغربي هذه السياسة الصليبية الاستعمارية الفرنسية، وضحى البربر والعرب المغاربة في سبيل الدفاع عن دينهم ولغتهم، وجاهدوا لإرجاع الشريعة الإسلامية للمحاكم المغربية، واللغة العربية للمدارس. وكان ذلك منبثق الحركة الوطنية، التي تعني وحدة الوطن، ووحدة النضال في سبيله.

وظل المستعمرون سائرين في غلوائهم. غير مبالين بالمطالب الشعبية، وجهود المواطنين وتضحياتهم، مؤمنين بأن لا سبيل إلى إدامة تفوقهم الحضاري إلا بالسيطرة اللغوية والفكرية في شمال إفريقيا وغيرها. وفي ذلك يقول بورنيه في كتابه اللغات الدولية، لقد تحدثنا سابقا عن وجودنا القوي في الجزائر وتونس والمغرب، وقد أصبحت الفرنسية أيضا اللغة الرسمية للدول الجديدة الإفريقية المشتركة.. إن إمكانياتنا الفرنسية في افريقيا عظيمة، فالفرنسية تسعى لأن تصبح، شيئا فشيئا اللغة المشتركة، لستين مليونا من الأفارقة، وهذا يلبي حاجة، أكثر من أنه اختيار، إن الاستعمار الفرنسي غرس لغتنا في افريقيا.

وللخطر الذي يهدد اللغة الفرنسية في افريقيا، تحدث م تابوا في أواخر عهد الحماية قائلا: «كيفما كان سبب تبني الأفارقة  للفرنسية سواء كان مجرد اختيار، أو مجاملة، أو مصلحة أو للضرورة، فإن هذا لا ينبغي أن يحجب عنا حقيقة تكاد تكون مجهولة في فرنسا، فمهما كانت الصعوبات وعدم الملائمة مع المشروعات، فإن الأفارقة لهم رغبة ملحة في أن تكون لهم لغة خاصة بهم، لغة مشتركة افريقية تعوض الفرنسية، إن المشكلة لها جذور عاطفية ووطنية عميقة، توشك أن توضع من جديد في المستقبل» (8).

إن اللغة المشتركة في افريقيا، التي تدعو إليها الجذور العاطفية والوطنية العميقة، هي العربية التي غرسها الإسلام والقرآن، ولذلك فالسياسة الاستعمارية في افريقيا، هي التبشير ومقاومة الإسلام.

وهذه السياسة التي اتبعت في افريقيا، سبق أن عمل على إنجاحها في البلاد العربية، فمنذ عهد نابليون وحملته علي مصر سنة 1798، وقناصل الدول تشجع محمد علي لهدم الخلافة العثمانية، وتأسيس المدارس، وإرسال البعثات لأوروبا، ولكنهم حملوه على أن يكون التعليم باللغة الأجنبية، ويقول الأستاذ محمد محمود شاكر: «فانتهى اللسان العربي ومتابعة العلم في ذلك العهد البعيد،  فكانت أول فجوة حدثت بين التعليم ولغة التعليم، وصار المتخرج في البعثات يحسن لغة البلاد التي تعلم بها، وبحسن التعبير بها في العلم الذي درسه، ثم لا يحسن مثله في لغته التي ينتمي نسبه إليها، وبعد قليل بدأت طلائع إرساليات التبشير تفد الى مصر، وتنشئ المدارس، وتحدث في بيوت المسلمين وغير المسلمين صدعا كان يصعب اتقاؤه يومئذ، لقلة المنتبهين إليه» (9).

ويبين الأستاذ المجاهد شاكر:  «أن التبشير ليس معناه اقتصار ثلة من الرهبان والقساوسة على الدعوة إلى دينهم، من حيث هو عقيدة، يسمعها المرء فيرضاها أو ينكرها فهذا باطل. بل معناه أنه أفتك أسلحة الغزو الأوروبي المسيحي. ويراد به إخضاع العالم الإسلامي لسيطرة العالم الأوروبي المسيحي. بوسائل خبيثة من التجسس والتدمير والهدم في كل ناحية من حياتنا الاجتماعية والسياسية والأدبية، وإخضاع العقل المسلم للعقل الأوروبي وطرائق تفكيره، لينشأ في هذا العالم من أبنائه ضرب من المسوخ يكون عبيدا تدلل الطريق لإقدام السادة الطغاة، من حيث لا يدري أحدهم أنه عبد مسخر يعمل في سيادة هذه الحضارة الجديدة، على حضارته، بل يعمل على هدمها واستئصالها من نفسه ونفوس أمته»(10).

ثم ينقل بعد ذلك عن توينبي المؤرخ والفيلسوف الإنجليزي، في كتابه «الإسلام والغرب».مايلي: «وبعد فشل الأتراك أمام أبواب فيينا عام 1683، كان يجب أن يتم الهجوم المعاكس الغربي على العالم الإسلامي في يوم أو آخر، ولكنه تأخر في الظهور بسبب الصورة التي كانت في مخيلة الغربيين عن شجاعة الأتراك والمسلمين، وبسالتهم العسكرية. وقد أجاب العالم الغربي على استيلاء الأتراك على المسيحية والأرثوذوكسية الشرقية، في القرنين الرابع عشر والخامس عشر، بتأمين سيادته على البحار، لتطويق البلاد الإسلامية، وعوضا عن مقابلتها وجها لوجه، كما فعل خلال الحرب الصليبية التي كانت نتائجها وخيمة عليه. وقبل طوافهم حول إفريقيا، وصل البحارة البرتغاليون إلى الشواطئ الغربية للهند سابقين ببضع سنوات إلى هناك المغول، آخر موجة من موجات الإسلام التوسعية، هؤلاء الذين قدموا من آسيا الوسطى بطريق البر، وعندما حقق الإسبانيون ربط المحيط الأطلسي والهادي مرورا بمكسيكو، قامت في الفيليبين حواجز جديدة آسيوية هذه المرة، بين المسيحية الغربية والإسلام، اللذين لم يتجاورا حتى ذلك التاريخ، إلا في الطرف الثاني من العالم، في وادي الدانوب، وغربي المتوسط. وهكذا في نهاية القرن السادس عشر، بفضل السيطرة على البحار، استطاع الغرب أن يطوق البلاد الإسلامية. ولكنه لم يخاطر في شد الحبل إلا في القرن التاسع عشر فيما بعد. وحتى ذلك التاريخ، كانت فكرة بسالة المسلمين الفكرية، تفرض الحذر على الغربيين، وتشدد عزائم المسلمين أنفسهم لتجعلهم واثقين من أنفسهم. وهذه الثقة المتينة، قضي عليها شيئا فشيئا على إثر الفشل المتتالي الذي منيت به الإمبراطورية العثمانية، وباقي الدول الإسلامية. وقد كبدهم إياه خصم مجهز بأسلحة غربية، يملك التكنيك والعلم، اللذين تقوم عليهما الحرب الحديثة»(11).

ويبدو أن السياسة نفسها اتبعت في أوروبا الشرقية، سواء في زمن القياصرة، أو فيما بعد الثورة. فقد منع في المستعمرات الإسلامية الشيوعية درس القرآن وتعلمه، إلا في أضيق الحدود المتصورة. وأزيلت الشواهد القرآنية من بعض الكتب العربية.

إن الحملة الصليبية على الإسلام، وأداته التبليغية اللغة العربية واحدة من أين أتت. والأفكار التحررية يمينية أو يسارية، لا تجد غضاضة في أي الأوروبيتين أن تتبني ما خطه الصليبيون المستعمرون منذ القرن السابع عشر المسيحي.

وأخطر ما وصل إليه هؤلاء وأولئك، أنهم خلقوا منا في ديننا ولحمنا حلفاء على صورتهم، يتبنون أفكارهم، ويعملون على تنفيذها، تملقا لهم، وحبا في مرضاتهم. فقد استقلت بلدان عربية وإسلامية عديدة، ولكنها لم تخرج بعد عن الخط الذي وضعها فيه المستعمرون، كأنهم الأوصياء على تحقيق ما لم يكمل تحقيقه أولئك الأجانب الأشداء.

وإذا  كنت لا أحب أن أطيل في ذكر الشواهد من الشرق والغرب، فحسبي أن أعطي بلادي مثالا صادقا على ما أقول. فقد أصبحت حكوماتنا المتعاقبة متمسكة بإعطاء الفرنسية وبرامجها وإنسيتها المقام الأسمى في مدارسنا، ومعاهدنا، وجامعاتنا. وعلى الرغم من كفاحنا المستميت لإقناع الدولة بتعريب التعليم، وإنشاء المدرسة المغربية الجديدة، بالمحافظة على أصالتنا، وعلى تكويننا المتطور التقدمي، في إطار كياننا، ووجودنا الذاتي، فإن الدولة مصرة على أن تبقى المدرسة التي وضعها الفرنسيون كما هي، لغة وتربية وبرنامجا. وتبعا لذلك فإن الفرنسية أصبحت لغة التعليم والإدارة والاقتصاد. أما المسجد فلم يعد في حسبان هؤلاء المتحكمين.

وجامعة القرويين، ومعاهدنا الدينية الأصلية، ومدارسنا الحرة، التي أنشأها الشعب لحماية العربية والدين والكيان القومي، فقد أصبحت مرمى تهجمات حلفاء الاستعمار، ومحتكري السلطة في هذه البلاد.

وقد تجلى للجميع أن هؤلاء الذين يشرفون على سياسة الفرانكفونية في المغرب العربي، هم حلفاء الرأسمالية الاستعمارية الأجنبية، عميلة الاستعمار والرجعية الغربية والتفوق الطبقي، والدعوة الكهنوتية. ومن ذلك تتضح لكم أعزائي، العلاقة الجدلية بين ما يسمونه هنا بالازدواجية، وبين الاستعمار والصليبية، وعميلتهما الصهيونية الغادرة.

وطلبتنا وأساتذتنا الذين يجاهدون اليوم من أجل مغرب أفضل، يدركون هذه الحقائق التي بيناها. فالواجب أن يكون في مقدمة مطالبهم القضاء على الهيمنة اللغوية والفكرية الأجنبية، وخلق المدرسة الوطنية العربية الإسلامية، لأن ذلك وحده سبيل التحرر من سيطرة المستعمرين وأذنابهم الذين يكونون طبقة واحدة مستغلة وظالمة.

 

 

 

loading...

رأي