البرلمان يُنبه إلى اختلالات صحية في المناطق المهمشة بالدار البيضاء
أثار ملف العدالة المجالية في توزيع الموارد الصحية داخل مدينة الدار البيضاء جدلاً واسعاً تحت قبة البرلمان، بعدما وجه النائب البرلماني أحمد ابريجة نداءً صريحاً خلال جلسة الأسئلة الشفوية ليوم الإثنين 21 يوليوز 2025، إلى وزارة الصحة والحماية الاجتماعية، منبهاً إلى عمق التفاوتات بين مقاطعات المدينة نفسها، لا سيما في المناطق التي تعاني هشاشة اجتماعية واقتصادية كبيرة، كحال مقاطعتي سيدي مومن وسيدي البرنوصي.
وفي تدخل قوي، أبرز النائب عن دائرة سيدي البرنوصي أن الفوارق الصحية لم تعد تقتصر على التباين بين الجهات الكبرى، بل تسري أيضاً داخل المجال الحضري الواحد، حيث تحتضن مقاطعة سيدي مومن وحدها أزيد من 551 ألف نسمة، بينما يعيش حوالي 187 ألف نسمة في سيدي البرنوصي، وفق آخر إحصاء رسمي، دون أن يقابل هذا الحجم الديمغرافي استثمار صحي متكافئ من حيث عدد المؤسسات الطبية أو التخصصات العلاجية المتوفرة.
وأشار إلى أن الوضع بات مقلقاً، خاصة أمام محدودية البنيات التحتية الصحية في هذه المناطق، حيث تتوفر ثلاث مستشفيات مركزية فقط، في حين يظل مركزان صحيان جديدان مغلقين رغم استكمال أشغال البناء والتجهيز، ما يطرح تساؤلات حقيقية حول نجاعة تدبير الموارد العمومية.
كما سجل غياباً شبه تام لعدد من التخصصات الطبية الحيوية، الأمر الذي يُجبر مئات المرضى على التنقل نحو مستشفى ابن رشد، الذي يعاني بدوره من ضغط هائل واكتظاظ مزمن.
وشدد النائب البرلماني على أن هذه المناطق تنتمي إلى فئات ذات هشاشة مرتفعة، وتعرف انتشاراً لافتاً للأمراض المزمنة، وهو ما يستدعي تدخلاً عاجلاً من طرف الوزارة لضمان حد أدنى من التوازن في الولوج إلى العلاج، ورفع الحيف الصحي عن فئات سكانية ظلت لعقود خارج حسابات العدالة المجالية.
واعتبر أن من شأن تفعيل الإجراءات التحفيزية التي تضمنها الورش الجديد لإصلاح المنظومة الصحية أن يُسهم في جذب الكفاءات الطبية إلى هذه المناطق، مطالباً الوزارة بالإسراع في تنزيل هذه الإجراءات ضمن منظور شمولي يُعيد الاعتبار للمجال كفاعل مركزي في التخطيط الصحي.
من جهته، استعرض وزير الصحة والحماية الاجتماعية، أمين التهراوي، الخطوط العريضة لاستراتيجية الوزارة للفترة المقبلة، مؤكداً أن برنامج الإصلاح الجاري يضع ضمن أولوياته تجاوز الفوارق الجغرافية والمجالية في توزيع العرض الصحي.
وكشف المسؤول الحكومي عن مخطط طموح يمتد إلى أفق سنة 2030، ويهدف إلى تعزيز البنيات الاستشفائية العمومية، من خلال بناء خمسة مراكز استشفائية جامعية جديدة وإعادة تشييد مستشفى ابن سينا بالرباط، إضافة إلى تحديث وتأهيل المستشفيات الجامعية الحالية وتوسيع طاقتها الاستيعابية.
كما أعلن الوزير عن إدماج تدريجي لـ3807 أسرّة جديدة في العرض الصحي، بينها 1729 سريراً مبرمجاً للاستغلال في سنة 2025، و2056 سريراً إضافياً في أفق سنة 2028، فضلاً عن تطوير 83 مستشفى عبر التراب الوطني، وتوسيع العرض في العالم القروي من خلال تأهيل 1400 مركز صحي.
وشدد على أهمية تحسين جودة الخدمات عبر رقمنة المساطر الصحية وتسهيل تجربة المريض داخل المنظومة، بما يعزز من شمولية وجودة التغطية الصحية العمومية.
وفي ما يتعلق بالموارد البشرية، أوضح التهراوي أن سنة 2025 شهدت تعيين دفعتين كاملتين من الأطباء المتخصصين، بمجموع 661 طبيباً، بهدف تسريع إدماجهم داخل المنظومة، وإنهاء الاعتماد على التعيينات المؤقتة التي كانت تؤثر سلباً على استقرار الخدمات.
وأضاف أن الوزارة أطلقت هذا الشهر حركة انتقالية واسعة لفائدة الأطباء الاختصاصيين، تشمل 543 منصباً إضافياً سيجري توزيعها ابتداء من شهر شتنبر، ما سيعزز حضور الكفاءات الطبية داخل المناطق التي تعاني من خصاص مزمن.
وأكد الوزير أن توزيع هذه الموارد البشرية يتم وفق معايير دقيقة تراعي حجم الخصاص والطلب الصحي، وأن أحد أهم التحولات التي شهدها القطاع يتمثل في الرفع التدريجي لعدد المناصب المالية المخصصة لتوظيف الأطر الصحية، من 1500 منصب سنة 2017 إلى 6500 منصب سنة 2025، مما يترجم إرادة واضحة في دعم العرض العمومي وتأهيله للمرحلة المقبلة.
ورغم أهمية هذه الإجراءات، إلا أن عدداً من المتابعين للشأن الصحي يرون أن النجاعة تظل رهينة بمدى الالتزام الفعلي بتنزيل المشاريع على مستوى المناطق المهمشة، حيث لا يزال الواقع اليومي في مقاطعات مثل سيدي البرنوصي وسيدي مومن يعكس مفارقة صارخة بين الخطاب السياسي والواقع الميداني، في ظل استمرار معاناة المرضى مع قلة التخصصات، وغياب التجهيزات، ونقص الأطر الطبية والتمريضية.
ويُنتظر أن تتابع اللجنة البرلمانية المختصة تطورات هذا الملف في قادم الأسابيع، وسط دعوات متصاعدة لإدماج العدالة المجالية كمكون أساسي في التخطيط الصحي، ليس فقط بين الجهات، بل داخل المدن الكبرى أيضاً، بما يضمن وصول الخدمات الصحية لكافة المواطنين على قدم المساواة، بغض النظر عن موقعهم الجغرافي أو وضعهم الاجتماعي.