أدوية باهظة خارج لائحة التعويض.. جدل يتصاعد حول ولوج العلاج البصري في المغرب

الكاتب : انس شريد

25 يوليو 2025 - 10:30
الخط :

في خضم التحولات الجارية داخل المنظومة الصحية الوطنية، طفا إلى السطح مجددًا ملف الأدوية الباهظة غير القابلة للتعويض، خاصة تلك التي توصف لعلاج أمراض العيون الخطيرة، مما أعاد إلى الواجهة أسئلة مؤرقة حول العدالة الدوائية ومحدودية الولوج إلى العلاج، في سياق تعميم التأمين الصحي الإجباري واعتماد نظام "الثالث المؤدي".

ومن بين الأدوية التي أثارت نقاشًا واسعًا داخل الأوساط الطبية والتشريعية والاجتماعية، يبرز دواءا "Lucentis" و"Eylea"، اللذان يُستخدمان بشكل مكثف من طرف أخصائيي طب العيون في علاج أمراض الشبكية والبقعة الصفراء.

ورغم الفعالية العالية لهذين الدواءين، وتوصيات الأطباء بضرورة استعمالهما لتفادي فقدان البصر، إلا أن سعرهما المرتفع، الذي يبلغ 6492 درهم لدواء Lucentis و7920 درهم لدواء Eylea، وضع المرضى أمام معاناة مزدوجة: خطر فقدان البصر من جهة، وعجز عن تحمل التكلفة من جهة أخرى، في ظل غياب التغطية من طرف صناديق التأمين الصحي، كالصندوق الوطني للضمان الاجتماعي والصندوق الوطني لمنظمات الاحتياط الاجتماعي.

ويعود هذا الوضع بكون أن Lucentis وEylea لا يوجدان ضمن اللائحة الوطنية للأدوية القابلة للتعويض، المعتمدة من طرف السلطات الصحية في إطار نظام "الثالث المؤدي"، الذي يُفترض أن يخفف العبء المالي على المؤمنين ويمكّنهم من الحصول على العلاج دون دفع المبلغ الكامل مسبقًا.

مساءلة برلمانية ومطالب بتوسيع اللائحة الوطنية

الجدل انتقل إلى المؤسسة التشريعية، بعدما وجّهت فاطمة الكشوتي، النائبة البرلمانية عن حزب الحركة الشعبية، سؤالًا كتابيًا إلى وزارة الصحة والحماية الاجتماعية، تساءلت فيه عن الإجراءات المزمع اتخاذها لمراجعة وتحيين لائحة الأدوية القابلة للتعويض، وعن إمكانية إدراج أدوية حيوية مثل Lucentis وEylea ضمن هذا النظام، ضمانًا لحق المواطنين في ولوج علاج بصري أساسي لا يحتمل التأجيل أو التماطل.

وتزامن هذا النقاش مع تصاعد الغضب داخل قبة البرلمان بخصوص غلاء أسعار الأدوية، حيث طالبت فرق المعارضة الحكومة بالتدخل العاجل، معتبرة أن استمرار الأسعار الحالية يضرب القدرة الشرائية للمواطنين، ويقوض جهود الدولة في توسيع الحماية الاجتماعية.

وفي رده على هذه الانتقادات، أقر وزير الصحة والحماية الاجتماعية، أمين التهراوي، بأن أسعار الأدوية ما زالت تشكل عبئًا ثقيلاً على الأسر، رغم التغطية الصحية.

وأوضح أن نفقات التعويض عن الأدوية ارتفعت بنسبة 31 في المائة بين سنتي 2022 و2024، ما يضاعف الضغط على الميزانية العمومية، خصوصًا مع التعميم التدريجي للتأمين الصحي الإجباري.

إصلاح في الأفق... ومرسوم قيد المصادقة

وفي محاولة لتطويق هذا الوضع، كشف الوزير أن الحكومة أنهت إعداد مرسوم جديد لإصلاح نظام تسعير الأدوية، يهدف إلى خفض ملموس في الأسعار، مشيرًا إلى أن هذا الورش تم إنجازه في إطار مقاربة تشاركية شملت ما يفوق ثلاثين اجتماعًا مع ممثلي فدراليات صناعية وهيئات مهنية وصناديق تأمين، وهو الآن في مراحله النهائية في انتظار عرضه على مجلس الحكومة.

ويعتمد النموذج الجديد بحسب الوزير على مبادئ مبتكرة من ضمنها تقليص آجال مراجعة الأسعار، والمحافظة على الأدوية منخفضة الكلفة، وتحفيز التصنيع المحلي، مع تنزيل تدريجي لتفادي أي ارتباك في السوق. كما شدد التهراوي على أن هذا الإصلاح ليس مجرد إجراء تقني، بل خيار استراتيجي لضمان الإنصاف الدوائي وتحفيز الاستثمار في قطاع حيوي.

رفض نقابي وتهديد بالإضراب

رغم اللهجة التوافقية التي اعتمدها الوزير، إلا أن الصيغة المقترحة للمرسوم لم تلقَ قبولًا من طرف الكونفدرالية الوطنية لنقابات صيادلة المغرب، التي عبّرت عن رفضها التام لما وصفته بـ"المرسوم الأحادي"، محذّرة من أنه يُهدد استقرار صيدليات القرب، ويُعرض الأمن الدوائي الوطني للخطر.

وفي بيان ناري صادر عن اجتماع طارئ لمجلسها الوطني يوم 17 يوليوز الجاري، وصفت الكونفدرالية مشروع الإصلاح بـ"المنعطف الخطير"، ولوّحت بالتصعيد، بما في ذلك الدخول في إضراب وطني قد يصل إلى إغلاق شامل للصيدليات، إذا ما واصلت الحكومة تجاهل مطالب المهنيين وعدم إشراكهم بشكل فعلي في صياغة السياسات الصحية.

واعتبرت الكونفدرالية أن الصيادلة لا يعارضون تخفيض الأسعار في المطلق، لكنهم يرفضون أن يتم ذلك على حساب توازناتهم الاقتصادية، ودون توفير ضمانات عملية لحماية نشاطهم الحيوي.

المستهلك يدافع عن الإصلاح

في الجهة المقابلة، عبرت الجامعة الوطنية لجمعيات المستهلك عن دعمها الكامل للمشروع الإصلاحي، مؤكدة أن خفض الأسعار لا يمثل تهديدًا لمهنة الصيدلة، بل هو خطوة دستورية تهدف إلى تكريس الحق في العلاج.

وانتقدت الجامعة، في بلاغ رسمي، موقف الكونفدرالية، ووصفت تلويحها بالإضراب بأنه تهديد مباشر لصحة المواطنين، مطالبة الحكومة بعدم الرضوخ لأي ضغط نقابي، وتفعيل آليات المراقبة والمحاسبة بخصوص تسعير الأدوية.

كما دعت إلى فتح تحقيق من طرف مجلس المنافسة وهيئات الرقابة المختصة بشأن شبهات احتكار وتواطؤ في تحديد الأسعار، والتي كثيرًا ما تُثار دون مخرجات عملية تعزز الشفافية داخل القطاع.

وكالة جديدة ومرصد وطني لتعزيز الحكامة

تزامنًا مع النقاش الدائر، أعلنت وزارة الصحة عن إطلاق مجموعة من الإجراءات المصاحبة للإصلاح، من أبرزها إحداث الوكالة المغربية للأدوية والمنتجات الصحية، التي ستحل محل مديرية الأدوية، وستُشرف على تنزيل الإصلاحات ومواكبتها رقميًا، من خلال اعتماد الذكاء الاصطناعي ورقمنة المساطر وتسهيل التراخيص والعمليات الإدارية.

كما أعلن الوزير عن مشروع إحداث مرصد وطني للأدوية لرصد الأسعار وتحليل دينامية السوق واستباق الانقطاعات، إضافة إلى منصة لوجستيكية وطنية موحدة لتموين المؤسسات الصحية بالأدوية، بهدف تقليص نسب الهدر الناتجة عن الانقطاعات أو انتهاء الصلاحية، وتوفير الأدوية الضرورية بشكل منتظم وشفاف.

بين كلفة العلاج وكرامة المواطن... أي مخرج؟

في ظل هذه التجاذبات، تبقى فئات عريضة من المرضى خاصة المصابين بأمراض مزمنة وخطيرة رهائن لمعادلة معقدة تجمع بين الأسعار المرتفعة، ومحدودية التغطية الصحية، وتضارب المصالح بين مهنيي القطاع ومطالب العدالة الدوائية.

ويبقى إدراج أدوية حيوية مثل Lucentis وEylea ضمن لائحة التعويضات اختبارًا حقيقيًا لجدية الإصلاح المرتقب، ومدى قدرة وزارة الصحة والحماية الاجتماعية على تحقيق التوازن بين كلفة العلاج وكرامة المواطن، دون التفريط في استقرار المرفق الدوائي أو الرضوخ لمناورات تجارية أو نقابية.

آخر الأخبار