غليان في قطاع الدواجن بالمغرب.. البرلمان يحرك الملف واتهامات بالتحكم في السوق

الكاتب : انس شريد

02 أغسطس 2025 - 07:30
الخط :

يشهد سوق الدواجن في عدد من المدن المغربية خلال الأيام الأخيرة موجة جديدة من ارتفاع الأسعار، أثقلت كاهل الأسر المغربية، وأثارت جدلًا واسعًا في أوساط المستهلكين والمهنيين، وسط تساؤلات متصاعدة حول مستقبل هذا القطاع الحيوي في ظل غياب آليات فعالة للضبط والتنظيم.

وتجاوز سعر الكيلوغرام الواحد من الدجاج في الأسواق المحلية حاجز 22 درهما في بعض نقاط البيع بالتقسيط، مقابل 17 درهما في الضيعات الكبرى ونقاط البيع بالجملة، وفق ما عاينته "الجريدة 24" في عدد من أسواق الدار البيضاء.

ويرجع هذا التباين، بحسب مهنيين في القطاع، إلى غياب تسقيف موحد للأسعار، وتفاوت تكاليف النقل والتخزين، إضافة إلى الطلب المتزايد المرتبط بالمناسبات الاجتماعية والعطلة الصيفية، حيث يشهد استهلاك اللحوم البيضاء ارتفاعًا ملحوظًا بفعل تنظيم الحفلات والأعراس وتزايد إقبال المطاعم والممونين.

وقد انتقل النقاش حول هذا الارتفاع من السوق إلى المؤسسة التشريعية، حيث وجهت النائبة البرلمانية نادية بزندفة عن فريق الأصالة والمعاصرة بمجلس النواب سؤالًا كتابيًا إلى وزير الفلاحة والصيد البحري والتنمية القروية والمياه والغابات، مطالبة بتوضيح موقف الحكومة من هذه الزيادات، والإجراءات المتخذة أو المنتظرة لحماية القدرة الشرائية للمواطنين.

وأكدت النائبة في سؤالها أن لحوم الدواجن تشكل مصدرًا أساسيًا للبروتين الحيواني لشرائح واسعة من المجتمع، نظرًا لتوفرها وسعرها الذي كان إلى وقت قريب في متناول الأسر المغربية، مقارنة باللحوم الحمراء والأسماك.

لكنها أشارت إلى أن الأسعار المسجلة خلال الفترة الأخيرة عرفت زيادات متتالية ومقلقة، في ظل تراجع القدرة الشرائية واتساع الضغوط الاجتماعية والاقتصادية على الأسر، خاصة في الطبقات المتوسطة والفقيرة.

ودعت البرلمانية إلى ضرورة تفكيك أسباب هذه الأزمة، وفهم طبيعة التعقيدات البنيوية التي تميز سلاسل الإنتاج والتوزيع في هذا القطاع، مؤكدة أن الاستجابة لهذه التحديات تتطلب رؤية شاملة تجمع بين دعم المنتجين، وخاصة المربين الصغار، وحماية حقوق المستهلكين، من خلال آليات تنظيمية صارمة تضمن شفافية السوق وعدالة الأسعار.

وفي سياق موازٍ، كانت الجمعية الوطنية لمربي دجاج اللحم بالمغرب قد أطلقت خلال شهر يونيو الماضي تحذيرات قوية بشأن ما وصفته بـ"الاختلالات البنيوية" التي يعاني منها قطاع الدواجن، محملة مسؤولية الأزمة لغياب الرقابة وضعف تدخل الدولة أمام ما تعتبره "احتكارًا ممنهجًا" من طرف عدد محدود من الفاعلين الكبار الذين يتحكمون في مفاصل السوق.

وخلال لقاء دراسي نظمه الفريق الاشتراكي بمجلس النواب بشراكة مع الهيئة المغربية للمقاولات الصغرى، اتهم محمد أعبود، رئيس الجمعية، أطرافًا داخل القطاع بالتلاعب بالأسعار وإقصاء المربين الصغار والمتوسطين، في غياب أي حماية مؤسساتية أو دعم فعلي من الجهات الوصية.

وأوضح أن هؤلاء المربين يشكلون الحلقة الأضعف في السلسلة، ويتكبدون الخسائر لوحدهم في مواجهة تقلبات السوق وارتفاع أسعار الأعلاف والكتاكيت، دون أي تعويضات أو تغطية للخسائر.

وأشار أعبود إلى أن الجمعية سبق لها توجيه مراسلات رسمية إلى وزارة الفلاحة دقت فيها ناقوس الخطر حول الوضع المتأزم الذي يعيشه القطاع، لكنها قوبلت بسياسة الصمت والتجاهل، رغم أن هذا النشاط مصنف ضمن القطاعات الفلاحية الاستراتيجية التي يعوّل عليها في الأمن الغذائي الوطني.

وربط أعبود جانبًا من الأزمة بفشل أولى حلقات مخطط المغرب الأخضر، الذي أطلق سنة 2010، والذي فسح المجال أمام دخول استثمارات كبرى لم تخضع للضوابط القانونية والرقابية اللازمة، ما أدى إلى تركيز السوق في يد عدد قليل من الشركات الكبرى التي استحوذت على الإنتاج والتوزيع، وأقصت صغار المربين الذين عجزوا عن مجاراة التكاليف المرتفعة.

وكشف رئيس الجمعية أن الخسائر التي تكبدها القطاع منذ تلك الفترة بلغت أرقامًا مهولة، تجاوزت 530 مليار سنتيم إلى غاية غشت 2020، في ظل تكرار موجات الإفلاس بين صغار المربين الذين اضطروا للاعتماد على مواردهم الذاتية أو مغادرة القطاع بشكل نهائي.

وفي بلاغ سابق لها، دعت الجمعية الحكومة إلى إدماج مربي الدجاج ضمن البرامج الرسمية لدعم الفلاحين الصغار، بما يشمل الإعفاء من الديون البنكية والفوائد المترتبة عنها، وتوفير دعم مباشر لتكاليف الأعلاف والمستلزمات الأساسية، إلى جانب التغطية الاجتماعية والصحية.

وأكدت الجمعية أن تجاهل أوضاع هذه الفئة يهدد استقرار قطاع بأكمله، ويُضعف قدرة المغرب على تأمين حاجياته من اللحوم البيضاء، خاصة في ظل التحديات المناخية وارتفاع تكاليف الإنتاج عالميًا، مشددة على أن غياب آليات حقيقية للمراقبة والتقنين يفسح المجال لممارسات احتكارية تضر بالمستهلك والمربي على حد سواء.

وتُجمع الأصوات المهنية والحقوقية والبرلمانية على أن أزمة أسعار الدواجن تكشف عن اختلالات هيكلية أعمق داخل المنظومة الفلاحية والغذائية بالمغرب، وهو ما يستدعي مراجعة شاملة للسياسات العمومية في هذا المجال، من أجل تحقيق توازن عادل ومستدام بين مختلف الفاعلين، وضمان الأمن الغذائي لعموم المواطنين في إطار من الشفافية والعدالة الاجتماعية.

آخر الأخبار