هل يرفع “الزبون السري” تنافسية السياحة أم يثقل كاهل المالية العمومية؟
أثار مشروع “الزبون السري” الذي أطلقته الشركة المغربية للهندسة السياحية، بميزانية تناهز 147 مليون درهم، عاصفة من الانتقادات داخل الأوساط السياسية، وسط تساؤلات حول جدواه وتكلفته المرتفعة في ظرفية اقتصادية دقيقة.
المشروع، الذي يفترض أن يساهم في مراقبة جودة الخدمات داخل مؤسسات الإيواء السياحي عبر زيارات مفاجئة يقوم بها مراقبون بهوية مجهولة، وُوجه بانتقادات من برلمانيين اعتبروا أن المبلغ المرصود له مبالغ فيه، وأن اللجوء إلى الرقمنة كان سيكون خيارا أنجع وأقل كلفة.
وتساءلت النائبة البرلمانية قلوب فيطح، عن حزب الأصالة والمعاصرة، عن مآل هذه الصفقة، مشيرة إلى أن رصد 147 مليون درهم لتقييم جودة الخدمات السياحية يثير الكثير من علامات الاستفهام، خاصة في وقت تتجه فيه المملكة إلى اعتماد الاستراتيجية الوطنية للمغرب الرقمي 2030.
وأكدت أن المنصات الرقمية قادرة على لعب الدور ذاته بشكل مباشر وشفاف، من خلال إتاحة الفرصة للزبائن للإدلاء بآرائهم وتجاربهم دون الحاجة إلى آليات مكلفة.
وطالبت فيطح في سؤالها الكتابي الموجه إلى وزيرة السياحة والصناعة التقليدية، فاطمة الزهراء عمور ، بالكشف عن ظروف وشروط إنجاز الصفقة، وبإرساء نظام تقييم أكثر شمولية وشفافية يوفر قاعدة بيانات وطنية تعكس بشكل أوفى تجارب وآراء الزبائن.
وفي الاتجاه نفسه، عبرت النائبة سلوى البردعي عن حزب العدالة والتنمية عن رفضها لما اعتبرته “هدرا للمال العام”، مشددة على أن القطاع في أمس الحاجة إلى إصلاحات جوهرية مرتبطة بالتكوين والبنية التحتية وتأهيل الموارد البشرية، أكثر من حاجته إلى ما وصفته بـ“عمليات تجميلية” لا تعالج المشاكل الحقيقية.
وأوضحت في سؤال كتابي أن السياحة المغربية تحتاج إلى استثمارات توجه نحو تحسين الاستقبال، تطوير النقل، وتوفير الكفاءات، بدل صرف مبالغ ضخمة على آلية قد لا يكون أثرها مضمونا.
في المقابل، دافعت وزارة السياحة مرارا عن المشروع باعتباره آلية معمول بها في دول كبرى، حيث يشكل “الزبون السري” أداة أساسية لتقويم الخدمات بشكل عملي وموضوعي.
وتؤكد الوزارة أن الهدف من هذه التجربة هو ضمان احترام المعايير الجديدة للتصنيف المنصوص عليها في القانون 14.80، والتي تعتمد على مؤشرات إلزامية وأخرى تكميلية، مع إمكانية سحب أو تعديل التصنيف إذا لم تلتزم المؤسسات بالمعايير خلال المراقبة الدورية.
وقسمت الصفقات التي أطلقتها الشركة المغربية للهندسة السياحية إلى أربع فئات: الأولى تهم الفنادق المصنفة خمس نجوم والمؤسسات الفاخرة بقيمة تتجاوز 48 مليون درهم، الثانية موجهة لفنادق أربع نجوم بجهة مراكش آسفي بأكثر من 50 مليون درهم، الثالثة تغطي باقي فنادق أربع نجوم على المستوى الوطني بما يقارب 29 مليون درهم، أما الرابعة فخصصت للفنادق المصنفة ثلاث نجوم بما يزيد عن 20 مليون درهم.
وتقوم آلية “الزبون السري” على اختيار مقيمين ميدانيين يزورون المؤسسات السياحية دون إشعار مسبق، ويختبرون بدقة جميع مراحل التجربة، من الحجز والاستقبال إلى الإقامة والمغادرة، مرورا بجودة الغرف، خدمات المطاعم، وشفافية الفواتير.
وترى الوزارة أن هذا النظام سيمكن من بناء قاعدة بيانات دقيقة، تمنح صورة موضوعية عن مستوى الخدمات وتساعد في رفع تنافسية المغرب ضمن الوجهات السياحية العالمية.
لكن، وبينما تؤكد الحكومة أن المشروع استثمار استراتيجي لتجويد العرض السياحي وضمان التوافق مع المعايير الدولية، يصر منتقدوه على أن الظرفية الاقتصادية الحالية لا تسمح بإنفاق 147 مليون درهم على مثل هذه العمليات، وأن الأولويات يجب أن تتجه إلى ما يضمن استدامة القطاع وقدرته على مواجهة التحديات.
وبين الرؤيتين، يبقى مشروع “الزبون السري” مثيرا للجدل، ومرهونا بمدى قدرة وزارة السياحة على إقناع الرأي العام بجدواه وتقديم معطيات دقيقة حول طريقة تدبيره وأثره المنتظر على القطاع.