البيضاء تغرق في الركام.. عجز جماعي يفضح أعطاب التدبير المحلي مع اقتراب نهاية الولاية
تعيش مدينة الدار البيضاء، العاصمة الاقتصادية للمغرب، واحدة من أكبر أزماتها البيئية في السنوات الأخيرة، بعدما استعصى على المجلس الجماعي بقيادة العمدة نبيلة الرميلي إنهاء معضلة النفايات الهامدة التي تتكدس في مختلف الأحياء، رغم دخول الولاية الانتدابية سنتها الأخيرة واقتراب موعد الانتخابات الجماعية لسنة 2026.
المدينة التي يفترض أن تكون واجهة المملكة اقتصادياً واستثمارياً، تواجه اليوم وضعاً مقلقاً يسيء إلى صورتها الحضرية، حيث تحولت شوارع وأحياء كبرى مثل الولفة والحي الحسني وليساسفة وسيدي مومن ومولاي رشيد إلى نقاط سوداء تزداد اتساعاً يوماً بعد يوم.
أكوام الركام ومخلفات البناء تنتشر على قارعة الطرق وأمام مؤسسات عمومية وتعليمية، ما أثار غضب السكان ومخاوفهم من الانعكاسات الصحية والبيئية لهذه الظاهرة.
ويرى سكان العاصمة الاقتصادية في استمرار هذه الأزمة خطراً مباشراً على صحتهم قبل أن يكون تشويهاً للمشهد العام، إذ تتحول هذه النفايات إلى مصدر دائم للغبار والأتربة، ما يفاقم مشاكل الجهاز التنفسي خصوصاً لدى الأطفال والمسنين، فضلاً عن توفير بيئة خصبة لانتشار الحشرات والقوارض.
كما يشكل تكدس الركام خطراً مرورياً على السائقين والراجلين، وهو ما يعكس تقاعساً في فرض الانضباط داخل الفضاء الحضري.
ويرى متابعون أن المسؤولية مشتركة بين المجلس الجماعي والشركات المفوض لها تدبير القطاع من جهة، وبعض المواطنين الذين يتخلصون من مخلفات البناء بشكل عشوائي من جهة أخرى.
ورغم أن جماعة الدار البيضاء تخصص ميزانيات ضخمة للنظافة، إلا أن الاستراتيجية الموعودة لإيجاد حلول جذرية لهذه المعضلة لم تتحقق على أرض الواقع.
الانتقادات الموجهة للمجلس الجماعي تضاعفت بسبب غياب أماكن مخصصة لإفراغ النفايات الهامدة، وغياب آليات ردع فعالة، ما جعل وعود الحملات الانتخابية مجرد شعارات لم تنعكس على يوميات السكان. الجمعيات المدنية بدورها نبهت إلى غياب إطار قانوني صارم يمنع رمي هذه المخلفات في الفضاءات العامة، معتبرة أن أي خطة بدون آليات تنفيذ ومحاسبة تظل حبراً على ورق.
في المقابل، وُقعت مؤخراً اتفاقية متعددة الأطراف بين وزارة الداخلية ومجلس الجهة والسلطات المحلية والمجلس الجماعي للدار البيضاء، تروم إحداث تحول في تدبير النفايات المنزلية عبر إنشاء مركز حديث للطمر والتثمين بجهة الدار البيضاء-سطات، وإحداث وحدات للفرز والتدوير وإنتاج السماد العضوي، إلى جانب مشاريع لتوليد الوقود المشتق من النفايات.
وتبلغ كلفة المشروع نحو 3,198 مليون درهم، بتمويل يمتد على تسع سنوات، مع التزام وزارة الداخلية بمتابعة التنفيذ والمجلس الجماعي بتوفير العقار اللازم.
غير أن هذا المشروع، رغم أهميته، لا يتطرق بشكل مباشر إلى النفايات الهامدة التي تظل معضلة آنية تؤرق سكان العاصمة الاقتصادية.
وهو ما يدفع المطالب المدنية إلى الدعوة لخطة استعجالية تدمج بين التوعية الصارمة، وتوفير فضاءات خاصة للتخلص من مخلفات البناء، وتشديد العقوبات على المخالفين.
وبين الوعود الرسمية والواقع الميداني، تظل صورة الدار البيضاء عالقة في مشهد بيئي غير لائق، في وقت تتهيأ فيه لاحتضان تظاهرات كبرى مثل كأس أمم إفريقيا 2025 وكأس العالم 2030.
ما يجعل الضغوط تتصاعد على مسؤولي المدينة لإيجاد حلول عاجلة تعيد للدار البيضاء بريقها كمدينة حديثة تسعى لمنافسة كبريات العواصم العالمية.