مونديال 2030 فرصة للتنمية أم عبء على أولويات المغرب الاجتماعية؟

الكاتب : انس شريد

21 September 2025 - 10:30
الخط :

يشكل رهان المغرب على تنظيم نهائيات كأس العالم لكرة القدم لسنة 2030 محطة تاريخية ومفصلية في مسار التنمية الوطنية، إذ يجد البلد نفسه أمام فرصة كبرى لتسريع إنجاز مشاريع البنيات التحتية وتعزيز جاذبيته الدولية، وفي الوقت ذاته أمام أسئلة مجتمعية ملحة حول الأولويات والعدالة المجالية.

فمنذ الإعلان عن فوز الملف الثلاثي المغربي الإسباني البرتغالي بشرف التنظيم، تصاعد النقاش حول ما إذا كان التركيز على هذا الحدث الكروي العالمي ينسجم مع الحاجات الاجتماعية والتنموية الملحة، خصوصا في مجالات التعليم والصحة والشغل.

هذا النقاش يعكس انقساماً مشروعاً في الرأي العام بين من يرى في المونديال رافعة قوية للتنمية ومن يعتبره مغامرة مالية قد تُثقل كاهل الميزانية دون ضمانات كافية لاستدامة عائداته.

وخلال ندوة حول “مغرب 2030 بين رهان الأوراش الكبرى وسؤال العدالة الاجتماعية والمجالية؟’” نُظمت الأحد على هامش الملتقى الوطني التاسع عشر لشبيبة العدالة والتنمية، أكد الباحث في السياسات الرياضية منصف اليازغي،  أن التساؤل حول أولوية “الخبز أم الكرة” يبقى حقاً طبيعياً للمغاربة، غير أنه يعتبر أن تنظيم المونديال يضع الدولة أمام التزام صارم بتنفيذ دفتر تحملات قاس تفرضه الفيفا، بما يشمل المطارات والطرقات وشبكات النقل الكبرى، وهو ما يجبر الحكومة على تسريع إنجاز مشاريع كانت ستأخذ سنوات أطول في غياب هذا الاستحقاق.

وشدد اليازغي على أن وجود هيئة رقابية بحجم الفيفا يخلق مستوى من المحاسبة الدولية يفرض دقة التنفيذ وجودة البنيات، وهو ما لم تكن تفرضه من قبل أي مؤسسة وطنية أو برلمانية.

وفي نظره، فإن اختيار عدم تنظيم المونديال قد يعني ببساطة استمرار وتيرة التنمية الحالية دون قفزة نوعية، بينما يشكل الحدث فرصة لتقليص الفوارق المجالية إذا ما أُحسن تدبير عائداته وتوزيع أوراشه على مختلف الجهات، خصوصا القرى والمناطق المهمشة.

وفي المقابل، لفت الباحث الاقتصادي سمير شوقي إلى أن المعضلة الحقيقية لا تكمن فقط في حجم الاستثمارات المرتبطة بالمونديال، بل في بنية السلطة وتوزيع القرار داخل المغرب.

فبرأيه، يستحيل تحقيق تنمية جهوية عادلة طالما بقيت صلاحيات الوالي والعامل ممركزة في الرباط، وهو ما يعرقل تفعيل الجهوية المتقدمة التي يفترض أن تمنح رؤساء المجالس الجهوية سلطة فعلية لتحديد أولويات التنمية المحلية.

وحذر شوقي من أن ضخ موارد مالية هائلة في مشاريع الملاعب والمنشآت الرياضية قد يأتي على حساب قطاعات حيوية كالصحة والتعليم والتشغيل، مؤكداً أن الاستثمار في العنصر البشري هو الثروة الحقيقية التي ينبغي أن تظل في صلب كل مشروع، بما في ذلك تنظيم كأس العالم.

وشدد المتحدث ذاته على ضرورة أن تقدم مؤسسة “مغرب 2030” إجابات واضحة منذ الآن حول مصير المنشآت الكبرى بعد انتهاء البطولة، لتفادي تكرار تجارب دول تركت ملاعبها تتحول إلى عبء مالي أو فضاءات مهجورة.

من جهته، طرح القيادي السياسي رضا بوكمازي أسئلة إضافية حول استدامة الحركية التنموية التي يفرضها المونديال، متسائلاً إن كان مسار الأوراش الكبرى سيتوقف بمجرد انتهاء التظاهرة.

ويرى أن المغرب، رغم انخراطه في ست محاولات سابقة لاستضافة كأس العالم، مدعو اليوم إلى استثمار هذا التنظيم كرافعة لتعزيز العدالة الاجتماعية والمجالية، لا كغاية في حد ذاتها.

معتبرا أن جوهر النقاش لا يتعلق برفض الحدث وإنما بكيفية تحويله إلى فرصة حقيقية تخلق تكاملاً بين السرعات المختلفة للتنمية داخل البلاد، عبر سياسات عمومية تضمن تكافؤ الفرص وتستبق التوترات الاجتماعية بدل انتظار انفجارها.

وأكد أن الديمقراطية الفعلية واستعادة الثقة في المؤسسات هما المدخلان الأساسيان لتحويل هذا الحدث الرياضي إلى محطة لترسيخ العدالة والمساءلة الشعبية.

هذه المواقف المتقاطعة لجل الحاضرين خلال الندوة تلتقي عند حقيقة أساسية مفادها أن تنظيم كأس العالم 2030 يشكل فرصة نادرة للمغرب لإعادة ترتيب أولوياته التنموية، لكنه في الوقت نفسه يفرض تحديات جسيمة تتعلق بتمويل المشاريع وتوزيع منافعها بشكل عادل بين الجهات.

فالرهان حسب الفاعلين والخبراء، لا يقتصر على بناء ملاعب أو تحسين صورة البلد في الخارج، بل يتطلب وضع رؤية متكاملة تضمن استثمار هذه التظاهرة في تعزيز البنية التحتية، وتحفيز الاقتصاد، وخلق فرص الشغل، وتقليص الفوارق المجالية.

ويبقى السؤال الأعمق هو ما إذا كان المغرب سينجح في تحويل هذا الحدث إلى ورش وطني شامل يحقق نقلة نوعية في مسار التنمية، أم سيكتفي بتكرار تجارب دول أخرى اكتفت بالاحتفال بالمونديال لتكتشف بعد ذلك ثقل الفاتورة وضعف العائد.

آخر الأخبار