بعد فاجعتي الدار البيضاء والفقيه بن صالح.. معضلة الكلاب الضالة تعود للواجهة
تشهد قضية الكلاب الضالة في المغرب عودة قوية إلى واجهة النقاش العمومي، بعد تسجيل حوادث مأساوية راح ضحيتها أطفال أبرياء، آخرهم تلميذ في الرابعة عشرة من عمره بمدينة الدار البيضاء، وطفل في الرابعة من عمره بإقليم الفقيه بن صالح.
هذه الوقائع المؤلمة أعادت تسليط الضوء على معضلة قديمة متجددة، باتت تثير مخاوف متصاعدة في الشارع، وتطرح أسئلة عميقة حول فعالية التدابير المعتمدة لمعالجتها.
في منطقة الرحمة بالدار البيضاء، فقد طفل حياته متأثراً بإصابته بداء السعار عقب تعرضه لعضة كلب ضال. ورغم مرور أسابيع على الحادثة، ظل الضحية متكتماً على إصابته، قبل أن تتطور حالته الصحية بشكل خطير انتهى بوفاته في المستشفى الجامعي ابن رشد.
الحادثة أثارت حزناً واسعاً وسط أسرته وجيرانه، الذين حمّلوا الجماعة المحلية مسؤولية الإخفاق في محاربة هذه الظاهرة، مؤكدين أن العشرات من الكلاب الضالة تتجول في شوارع المنطقة دون تدخل يُذكر.
وبالموازاة، اهتز دوار أولاد سالم بجماعة بني شكدال التابعة لإقليم الفقيه بن صالح على وقع حادث مماثل، بعد وفاة طفل صغير لا يتجاوز عمره أربع سنوات نتيجة هجوم كلب ضال.
هذه المأساة عمّقت الإحساس بالخوف والقلق لدى الأسر، خصوصاً في المناطق القروية والهامشية التي تعاني ضعف البنيات الصحية وغياب المرافق الوقائية.
وجعل تكرار هذه الحوادث المؤلمة الملف يحط على طاولة البرلمان، حيث بادرت نائبة عن المعارضة إلى توجيه سؤال كتابي لوزير الداخلية، دعت من خلاله إلى التعجيل بإجراءات عملية للحد من المخاطر التي تهدد الأمن الصحي والجسدي للمواطنين.
وأشارت النائبة البرلمانية عن حزب العدالة والتنمية، ثورية عفيف، إلى أن تفاقم الظاهرة في ظرفية دقيقة، يستعد فيها المغرب لاحتضان تظاهرات رياضية عالمية من قبيل كأس العالم 2030، يسيء إلى صورة البلاد ويثير مخاوف حول قدرة السلطات على ضمان الأمن العام.
موازاة مع ذلك، يتوسع النقاش العمومي حول حجم الخطر الذي باتت تشكله الكلاب الضالة في الأحياء الشعبية والنائية.
فالمواطنون يشكون من تنامي أعدادها بشكل غير مسبوق، وما يرافق ذلك من إزعاج مستمر وضغوط نفسية، حيث صار التنقل ليلاً محفوفاً بالمخاطر، بل إن بعض السكان يتجنبون الخروج لأداء صلاة الفجر خشية التعرض لهجوم مباغت.
وسبق لوزارة الداخلية، من جانبها، أن أكدت أنها تتعامل مع الملف في إطار استراتيجية وطنية انطلقت منذ سنة 2019، تقوم على التعقيم والتلقيح بدل القتل العشوائي، وذلك بتنسيق مع وزارة الصحة والمكتب الوطني للسلامة الصحية والهيئة الوطنية للأطباء البياطرة.
ووفق الأرقام الرسمية، تم خلال السنة الماضية تسجيل أزيد من 100 ألف حالة عضة وخدش، نتجت عنها 33 حالة وفاة بداء السعار، إلى جانب مئات الإصابات بأمراض أخرى مثل الأكياس المائية والليشمانيا.
ولتدارك هذه الوضعية، أوضح وزير الداخلية عبد الوافي لفتيت قبل أشهر أن الوزارة خصصت غلافاً مالياً يناهز 40 مليون درهم سنوياً لمعهد باستور من أجل اقتناء اللقاحات والأمصال، مع توزيعها على مئات المراكز الصحية عبر مختلف الأقاليم.
كما تم إطلاق برنامج يمتد إلى غاية 2025، يتضمن إنشاء 130 مكتباً لحفظ الصحة وتوظيف أطباء بيطريين للإشراف على جمع وتعقيم وتلقيح هذه الحيوانات وفق معايير علمية، إلى جانب بناء وتجهيز محاجز جديدة لإيواء الكلاب الضالة، وفقا لما كشفه وزير الداخلية.
وبحسب المعطيات الرسمية، بلغ عدد المحاجز المنجزة أو قيد الإنجاز إلى حدود صيف 2025 أكثر من عشرين محجزاً، أبرزها في الرباط، الدار البيضاء، مراكش، طنجة، وأكادير، فيما يجري العمل على مشاريع مماثلة في مدن أخرى مثل وجدة، القنيطرة، الراشيدية، ومديونة.
ورغم الجهود المبذولة، يرى مراقبون أن النتائج ما تزال محدودة مقارنة بحجم الظاهرة، داعين إلى اعتماد مقاربة أكثر نجاعة تقوم على إشراك المجتمع المدني والجمعيات البيطرية، وتكثيف حملات التوعية بأهمية التلقيح والإبلاغ المبكر عن أي إصابة، مع تعزيز الرقابة على تربية الكلاب المنزلية المهملة التي غالباً ما تتحول إلى كلاب ضالة.