الدار البيضاء بين رهانات الاستعداد لكأس إفريقيا وواقع الاعتداء على المرافق العمومية
في خطوة وُصفت بالانتقالية، دشنت مدينة الدار البيضاء مؤخراً جيلاً جديداً من المراحيض العمومية الحديثة، بعد سنوات من المشاريع المتعثرة التي تركت المواطنين في حالة ترقب وانتظار.
المشروع، الذي رُصدت له ميزانية ضخمة، يهدف إلى إنشاء وتجهيز 60 مرفقاً صحياً بمعايير جودة عالمية، في مواقع حيوية تشمل الشوارع الرئيسية، الساحات العامة، الحدائق والمناطق السياحية، وذلك في إطار خطة شاملة لتحسين المظهر الحضري للمدينة وتعزيز جاذبيتها استعداداً لاحتضان كأس أمم إفريقيا 2025 ومونديال 2030.
لكن فرحة ساكنة العاصمة الاقتصادية لم تدم طويلاً، إذ تفاجأ سكان منطقة الولفة، صباح اليوم، بتعرض أحد هذه المراحيض العمومية الحديثة للتخريب، رغم مرور فترة قصيرة على افتتاحه.
وقد وثقت بعض الصفحات المحلية على مواقع التواصل الاجتماعي صوراً ومقاطع تظهر حجم الأضرار التي لحقت بالتجهيزات الأساسية للمرفق، وهو ما أثار موجة غضب واسعة واستياءً من انتشار ظاهرة الاعتداء على الممتلكات العامة.
الحادثة أعادت إلى الواجهة النقاش حول ضعف الحماية الميدانية للمرافق الجديدة، في وقت يزداد فيه القلق بشأن مدى جاهزية بعض العقليات المجتمعية لمواكبة التحولات الكبرى التي تعرفها البلاد، وعلى رأسها الاستعداد لتنظيم تظاهرات كروية عالمية.
فالتخريب لا يعكس فقط مشكلاً أمنياً مرتبطاً بمستوى المراقبة، بل يفضح أزمة ثقافية واجتماعية عميقة، تتعلق بغياب وعي جماعي يحترم الملكية المشتركة ويدرك أهميتها في التنمية.
ورغم أن جماعة الدار البيضاء وشركة التنمية المحلية "الدار البيضاء للبيئة" شددتا على أن المشروع مر بفترة تجريبية للتأكد من سلامة النظام المعتمد وضمان شروط الاستدامة والنظافة، إلا أن تكرار هذه الحوادث يكشف عن تحديات أكبر.
فالمشروع الذي جاء ليكرس رؤية حضرية جديدة للمدينة، اعتمد على معايير حديثة تشمل مقصورات منفصلة للرجال والنساء وتجهيزات خاصة للأطفال والأشخاص في وضعية إعاقة، إضافة إلى أنظمة تهوية، وكاشفات حريق، وكاميرات مراقبة خارجية، لم يسلم من العبث والتخريب، وهو ما يطرح علامات استفهام حول جدوى هذه الاستثمارات إذا لم يقابلها وعي مسؤول من طرف المواطنين.
النقاش الذي أثارته هذه الوقائع تجاوز حدود الحديث عن النظافة والراحة، ليشمل تهديد التنمية الاقتصادية والاجتماعية للمدينة، إذ يرى عدد من الفاعلين أن تخريب المرافق العامة يضعف ثقة المستثمرين والسياح، ويُفقد الدار البيضاء جزءاً من صورتها وجاذبيتها كمدينة كبرى تسعى لترسيخ مكانتها في المشهد الدولي.
هذه الوضعية دفعت نشطاء إلى التأكيد في تدويناتهم على أن التنمية ليست مجرد مشاريع تُنجز، بل هي ثقافة وسلوك يومي يُترجم في كيفية تعامل الأفراد مع فضاءاتهم المشتركة.
وفي خضم هذه الانتقادات، سبق أن أكدت جماعة الدار البيضاء في بلاغ رسمي أن إطلاق الجيل الجديد من المراحيض العمومية يعكس إرادة قوية في صون كرامة المواطنين والزوار، وتجسيد رؤية مدينة حضرية عصرية ومستدامة.
وأشار البلاغ إلى أن هذه المرافق، التي تفتح أبوابها من الثامنة صباحاً إلى الثامنة مساءً في الأيام العادية، ومن الثامنة صباحاً إلى العاشرة ليلاً خلال المواسم السياحية، تعتمد على بروتوكولات دقيقة للتنظيف المستمر والتعقيم، ويشرف على تشغيلها عمال متخصصون.
كما أوضح أن الجماعة اعتمدت نظام استغلال ذكي يرتكز على دمج مساحات إعلانية لتمويل تكاليف الصيانة وضمان استدامة الخدمة.
غير أن هذه الجهود تبقى مهددة ما لم تُترجم إلى وعي جماعي يحمي هذه المرافق ويضمن استمرارها.