اليوم العالمي للمسنين يعيد إلى الواجهة معاناة المتقاعدين وملف إصلاح أنظمة التقاعد

الكاتب : انس شريد

30 September 2025 - 08:30
الخط :

في ظل مشهد اجتماعي يتسم بارتفاع منسوب التوتر وتزايد المطالب الاجتماعية، يعود ملف إصلاح أنظمة التقاعد إلى الواجهة بالمغرب كإحدى القضايا الأكثر استعصاء في العلاقة بين الحكومة والنقابات، وسط تحذيرات متكررة من قرب انهيار الصناديق التقاعدية وعجزها المحتمل عن الوفاء بالتزاماتها تجاه مئات الآلاف من المتقاعدين.

يأتي هذا النقاش قبيل حلول اليوم العالمي للمسنين، فاتح أكتوبر، الذي يُعيد إلى الذاكرة معاناة المتقاعدين مع ضعف المعاشات وتجميدها لأزيد من عقدين من الزمن، في وقت تتسع فيه الهوة بين ارتفاع تكاليف المعيشة وجمود مداخيلهم.

المتقاعدون الذين أفنوا أعمارهم في خدمة المرفق العمومي أو القطاع الخاص يطالبون اليوم بإنصاف حقيقي عبر إدماجهم في الزيادات العامة للأجور، معتبرين أن استثناؤهم من القرارات الأخيرة يُشكل إقصاءً واضحًا لهذه الفئة.

ومع اقتراب إعداد مشروع قانون المالية لسنة 2026، يُعلق هؤلاء آمالًا على أن يكون محطة لتصحيح الوضع، وإقرار زيادات ملموسة في معاشاتهم التي لا تتجاوز لدى فئات عريضة 1000 درهم شهريًا.

من جهتها، استحضرت المنظمة الديمقراطية للشغل بمناسبة اليوم العالمي للمسنين معطيات إحصائية رسمية كشفت أن عدد المغاربة الذين تفوق أعمارهم 60 سنة يناهز خمسة ملايين شخص، فيما لا يتجاوز عدد المستفيدين من المعاشات 1.4 مليون متقاعد مدني وعسكري سنة 2024، ما يعني أن 75 في المئة من كبار السن غير مشمولين بأي تغطية تقاعدية.

النقابة ذاتها انتقدت استمرار تجميد المعاشات رغم هشاشتها أساسًا، حيث تتراوح بالنسبة لأغلبية المستفيدين بين 1000 و1500 درهم، مشيرة إلى الفوارق الكبيرة بين الصناديق المختلفة في تحديد قيمة التقاعد، مع سقف محدد عند 4200 درهم في الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي.

ولا تقف المعاناة عند حدود ضعف الدخل، إذ أبانت دراسات صحية أن نسبة انتشار الأمراض المزمنة بين كبار السن بالمغرب تتجاوز 64 في المئة، تشمل أمراض القلب والسكري وضغط الدم والهشاشة العضمية والخرف والاكتئاب، وهو ما يضاعف من تكاليف العلاج ويضعف القدرة على مواجهة أعباء الحياة اليومية.

في هذا السياق، طالبت المنظمة الديمقراطية للشغل الحكومة برفع الحد الأدنى للمعاش إلى 3000 درهم، وإقرار زيادات دورية مرتبطة بالتضخم، مع ضمان تغطية صحية شاملة تشمل الأدوية والعلاجات الخاصة بالأمراض المزمنة والشيخوخة.

في المقابل، لا تزال الحكومة تؤكد أن إصلاح التقاعد لن يتم بقرارات أحادية، بل عبر مشاورات موسعة تراعي التوجيهات الملكية القاضية ببلورة نظام تقاعدي عادل ومنصف يعزز التضامن بين الأجيال.

المشاورات الأخيرة بين وزارة الاقتصاد والمالية والنقابات الأكثر تمثيلية شكلت مقدمة لهذا النقاش، غير أن الخلافات برزت من جديد بشأن أولويات الإصلاح، حيث ترفض النقابات مقاربة تقنية صِرفة تُحمّل الأجراء كلفة الإصلاح عبر رفع سن التقاعد أو زيادة الاقتطاعات أو تقليص المعاشات المستقبلية، دون معالجة مسألة الزيادة الفورية في معاشات المتقاعدين الحاليين.

كما تطالب المركزيات النقابية بإنشاء لجنة تقنية مستقلة تضم خبراء وممثلين عن الدولة والأجراء وأرباب العمل، لإعداد حلول دقيقة تستند إلى معطيات علمية ودراسات معمقة، بدل اللجوء إلى قرارات استعجالية قد تؤدي إلى تفاقم الأزمة.

ويرى مراقبون أن نجاح الإصلاح يظل اختبارًا حقيقيًا لقدرة الحكومة على بناء تعاقد اجتماعي جديد يُعيد الثقة بين الدولة والمواطنين، خاصة وأن الوضع المالي والديمغرافي لم يعد يسمح بتأجيل هذا الورش الحيوي.

داخل البرلمان أيضًا، تزايدت الأصوات المطالبة بمراجعة الصيغة الحالية لاحتساب المعاشات، إذ كشفت النائبة البرلمانية فاطمة الكشوتي عن مفارقات صارخة في النظام المعمول به بالصندوق الوطني للضمان الاجتماعي، حيث لا يتجاوز سقف المعاش 4200 درهم حتى بالنسبة للمؤمنين ذوي الأجور المرتفعة أو ذوي سنوات خدمة طويلة، وهو ما اعتبرته لا يعكس مستوى المعيشة ولا يواكب الارتفاع المتواصل لتكاليف الحياة.

وتساءلت النائبة البرلمانية سؤالها الكتابي الموجه للحكومة حول نيتها مراجعة سقف الأجر المرجعي بما يواكب تطور الأجور الوطنية، وإمكانية الرفع من النسبة الأساسية لاحتساب المعاش من 50 إلى معدل أعلى، إضافة إلى مراجعة وتيرة الزيادة عن كل فترة إضافية من التأمين.

وبينما تسابق الحكومة الزمن لصياغة بدائل عملية قابلة للتنفيذ تراعي توازنات المالية العامة والانتظارات الاجتماعية، يبقى الرهان الأكبر هو التوصل إلى صيغة إصلاحية تحقق العدالة والإنصاف للمتقاعدين، وتضمن استدامة الصناديق، وتؤسس لنظام تقاعد موحد وشفاف يكرس مبدأ التضامن ويعيد الاعتبار لفئة أسهمت لعقود في بناء الاقتصاد الوطني.

آخر الأخبار