قانون العنف ضد النساء بين الوعود والواقع.. هل يفتح حادث تازة باب الإصلاح؟

الكاتب : انس شريد

30 September 2025 - 10:00
الخط :

في جريمة مروعة هزت الرأي العام الوطني وأعادت إلى الواجهة ملف العنف ضد النساء بكل ما يحمله من حساسية وخطورة، شهدت مدينة تازة مؤخرا اعتداءً دمويا بشعا تعرضت له شابة في مقتبل العمر تدعى إيمان، بعد أن أقدم طليقها على مهاجمتها بسلاح أبيض في الشارع العام، موجها لها طعنات غادرة على مستوى الوجه والرأس.

وخلفت الحادثة إصابات خطيرة استلزمت تدخلا جراحيا عاجلا تجاوز عدد غرزاته 130، وأدت إلى تشوهات بليغة ستترك آثارا جسدية ونفسية عميقة على الضحية لسنوات طويلة.

الواقعة، التي وثقتها عدسات مواطنين صُدفة وانتشرت مقاطعها على نطاق واسع عبر وسائل التواصل الاجتماعي، خلفت موجة صادمة من الغضب والتعاطف، حيث عبر آلاف المغاربة عن استيائهم من تكرار مثل هذه الجرائم، مؤكدين أن ما حدث لإيمان ليس حالة معزولة بل يعكس خللا بنيويا في آليات الحماية القانونية والاجتماعية للنساء.

واعتبر حقوقيون أن الحادثة جاءت لتؤكد محدودية فعالية القانون رقم 103.13 المتعلق بمحاربة العنف ضد النساء، الذي دخل حيز التنفيذ قبل سنوات باعتباره خطوة تشريعية مهمة، لكنه لم ينجح في تحقيق الردع الكافي ولا في تأمين الحماية الفعلية للضحايا.

هذا المستجد المأساوي أطلق دينامية جديدة في صفوف المنظمات النسائية والجمعيات الحقوقية، التي بادرت إلى عقد لقاءات وندوات للترافع من أجل تعديل شامل وعميق للقانون المذكور.

وشهدت مدينة الدار البيضاء، مؤخرا اجتماعا تشاوريا نظمته جمعية التحدي للمساواة والمواطنة، بمشاركة واسعة ضمت ممثلات منظمات نسائية حزبية من مختلف التوجهات السياسية، في سابقة تعكس توافقا نادرا حول مطلب مشترك يتمثل في ضرورة مراجعة النص القانوني بما يتلاءم مع الواقع المعيش.

المداخلات التي شهدها اللقاء أبرزت أن أوامر الحماية، التي كان يُفترض أن تكون آلية استعجالية لإنقاذ النساء المهددات بالعنف، غالبا ما تبقى حبرا على ورق بسبب تعقيدات المساطر القضائية وضعف التنسيق بين الأجهزة المعنية، مما يجعل الضحايا عرضة لمزيد من المخاطر.

كما تمت الإشارة إلى أن العقوبات الحالية لا تحقق الردع المطلوب، إذ سرعان ما يعود بعض المعتدين إلى ارتكاب جرائم مماثلة، في ظل غياب مقاربة وقائية موازية تعالج جذور الظاهرة عبر التربية والتحسيس ونشر ثقافة المساواة والاحترام.

كما نبهت بعض الأصوات إلى غياب مواكبة نفسية واجتماعية فعالة للضحايا، معتبرة أن الاكتفاء بالحلول القانونية والقضائية غير كافٍ لإعادة بناء ثقة النساء في أنفسهن وفي المؤسسات.

وشددت المتدخلات على ضرورة خلق مراكز دعم متخصصة تقدم خدمات متعددة الأبعاد، تشمل الاستشارة القانونية، والدعم النفسي، والإيواء في الحالات الاستعجالية، فضلا عن التكوين المهني الذي يساعد النساء على الاستقلالية الاقتصادية، بما يحد من هشاشتهن أمام العنف.

وعلى المستوى السياسي، أكدت ممثلات الهيئات النسائية الحزبية أن الدفاع عن تعديل القانون 103.13 ليس فقط مطلبا حقوقيا بل هو التزام سياسي وأخلاقي، معتبرات أن حماية النساء من العنف جزء لا يتجزأ من بناء دولة القانون والمؤسسات وتعزيز المسار الديمقراطي.

وأشارت بعضهن إلى ضرورة إلزام الحكومة بوضع جدول زمني محدد لتفعيل الإصلاحات المطلوبة، وتقديم تقارير دورية أمام البرلمان حول التقدم المحرز في تطبيق القانون، ضمانا للمصداقية والشفافية.

التوصيات التي خرج بها اللقاء مثلت أرضية مشتركة لتشكيل مذكرة ترافعية جماعية موجهة إلى الحكومة والبرلمان، تتضمن مقترحات عملية لتعزيز فعالية التشريع، وتشديد العقوبات على المعتدين، وتوسيع نطاق الحماية ليشمل مختلف أشكال العنف بما فيها النفسي والاقتصادي، فضلا عن تقوية الشراكة بين الدولة والمجتمع المدني لضمان متابعة دقيقة لتطبيق القانون على أرض الواقع.

الجريمة التي تعرضت لها إيمان في تازة لم تكن مجرد واقعة جنائية عابرة، بل تحولت إلى صرخة قوية ضد تقاعس المنظومة القانونية والاجتماعية عن حماية النساء، وأيقظت وعيا جماعيا بضرورة التحرك العاجل.

وبين مأساة شخصية مدوية وغضب مجتمعي متصاعد، يجد المغرب نفسه اليوم أمام مفترق طرق حاسم: إما المضي نحو تعديل عميق يترجم الإرادة السياسية إلى إجراءات ملموسة، أو الاستمرار في الاكتفاء بنصوص قانونية لا تكفي وحدها لوقف نزيف العنف المتكرر.

آخر الأخبار