وهبي: نفتح الباب أمام شباب "زد" للترشح.. وإسقاط الحكومة عبر الشارع ليس دستوريا
تشهد مدن مغربية عدة منذ أيام حركية احتجاجية غير مسبوقة، أبطالها شباب من جيل “زد” الذين اختاروا النزول إلى الشارع بعد أن انطلقت شرارة التعبئة عبر شبكات التواصل الاجتماعي.
وتركزت شعارات المحتجين حول مطالب اجتماعية واقتصادية واضحة، في مقدمتها الحق في الشغل الكريم، وتحسين الخدمات الصحية والتعليمية، ومحاربة الفساد، وتحقيق العدالة الاجتماعية، وهي مطالب تعكس أزمة ثقة متنامية بين شريحة واسعة من الشباب ومؤسسات الوساطة التقليدية من أحزاب ونقابات وجمعيات مدنية.
الاحتجاجات التي بدأت سلمية ومنظمة في عدد من المدن سرعان ما شهدت انزلاقات في بعض المناطق، حيث سجلت أعمال عنف وتخريب استهدفت ممتلكات عامة وخاصة، بينها مؤسسات بنكية ومتاجر كبرى، فضلا عن سيارات تابعة للأمن والدرك.
هذه التطورات أثارت قلقا واسعا وسط الرأي العام، ودَفعت السلطات الأمنية إلى رفع حالة الاستنفار تحسبا لمزيد من الانفلاتات، في وقت أكد فيه عدد من المتابعين أن الطبيعة غير المؤطرة لهذه التحركات تجعلها أكثر عرضة للاختراق.
في خضم هذه الأجواء، خرج وزير العدل عبد اللطيف وهبي بتصريحات عبر قناة “العربية”، أكد فيها أن التظاهر السلمي حق يكفله الدستور المغربي، مشددا على أن ما يجري يدخل في صميم الممارسة الديمقراطية.
وأوضح أن القانون المغربي لا يلزم المتظاهرين بالحصول على تراخيص، وإنما يكتفي بالتصريح للسلطات، مع منحها صلاحية المنع في حالات معينة.
وأضاف أن الديمقراطية، بطبيعتها، تحمل مخاطر وانزلاقات، وأن الدولة المغربية اختارت هذا المسار وتتحمل تبعاته.
وهبي أقر بأن الحكومة “قدرت بعض الأمور بشكل خاطئ”، مشيرا إلى أن السلطة استمعت بوضوح إلى نبض الشارع وأنها بصدد تقييم الوضع للبحث عن صيغ عملية للاستجابة للمطالب.
لكنه في المقابل شدد على أن الحوار مع الشباب لا يمكن أن يتم إلا عبر المؤسسات الدستورية والقنوات الرسمية، معتبرا أن تجاوز هذه الأطر غير ممكن.
ودعا المحتجين إلى انتظار الاستحقاقات الانتخابية المقبلة للمشاركة في التغيير، سواء بالتصويت أو الترشح، مؤكدا أن إسقاط الحكومة عبر الشارع لا يتوافق مع مقتضيات الدستور.
وحول المطالب المتعلقة بقطاع الصحة، أشار الوزير إلى أن الحكومة استثمرت في بناء مستشفيات جديدة، لكنه اعترف بأن ذلك لا يكفي في ظل هجرة مئات الأطباء سنويا إلى الخارج، وهي إشكالية تراكمية تعود إلى سنوات طويلة وتتحملها الحكومات المتعاقبة.
كما أوضح أن كل إنجاز تقوم به حكومة معينة يصبح جزءا من إرث وتحديات الحكومة التي تليها، ما يبرز الحاجة إلى رؤية استراتيجية ممتدة زمنيا بدل الحلول الجزئية.
بشأن الدعوات التي طالبت بإسقاط الحكومة أو تدخل القصر، اعتبر وهبي أن هذه المطالب تعكس حدة النقاش الديمقراطي، لكنها تبقى خاضعة لسلطة الدستور الذي لا ينص على إسقاط الحكومة عبر المظاهرات.
ولفت إلى أن المؤسسات هي الحكم النهائي في مثل هذه القضايا، وليس الشارع، مهما كانت قوة التعبئة داخله.
وفي موضوع التعامل مع الموقوفين على خلفية أعمال العنف، خاصة القاصرين، أوضح الوزير أن الدولة ستتعامل معهم وفق مقاربة قانونية وإنسانية، مؤكدا أن القاصرين ليسوا مسؤولين مسؤولية كاملة عن أفعالهم.
وكشف عن توجه نحو إصلاحات في قانون المسطرة الجنائية، تتيح حضور محامٍ منذ اللحظة الأولى للتحقيق، بالإضافة إلى تعزيز العقوبات البديلة.
وأكد أن الهدف هو معاملة هؤلاء باعتبارهم “أبناء الوطن”، بعيدا عن أي منطق انتقامي، وإنما في إطار من الرحمة والمسؤولية القانونية.
التصريحات الحكومية تزامنت مع استمرار الدعوات عبر منصات التواصل لمزيد من التظاهر، ما يضع الدولة أمام اختبار مزدوج: الاستجابة لضغط الشارع من جهة، والحفاظ على الاستقرار والأمن العام من جهة أخرى.
وفي ظل هذا المشهد المعقد، يبدو أن المغرب يعيش لحظة فارقة تطرح أسئلة جوهرية حول العلاقة بين الأجيال الجديدة والدولة، وحول جدوى الوسائط السياسية التقليدية في احتواء طموحات ومطالب شباب يرى في الفضاء الرقمي منبرا أوسع وأسرع للتعبئة والاحتجاج.