الدار البيضاء تسابق الزمن لإنهاء ملفات الإيواء قبل انطلاق ورش "المحج الملكي"
بعد سنوات طويلة من الجمود والتأجيل، يعود مشروع “المحج الملكي” إلى الواجهة كأحد أبرز الأوراش الحضرية التي تعوّل عليها الدار البيضاء لتغيير ملامحها وإعادة الاعتبار لقلبها التاريخي.
هذا المشروع، الذي تعود فكرته الأولى إلى تسعينيات القرن الماضي في عهد الملك الراحل الحسن الثاني، ظل طيلة عقود رهين التعقيدات العقارية والإدارية والاجتماعية، قبل أن يشهد خلال الأشهر الأخيرة تحريكاً غير مسبوق من طرف المجلس الجماعي والسلطات الوصية، تمهيداً لانطلاق مرحلة التنفيذ الفعلي.
فبعد مصادقة المجلس الجماعي خلال دورة شتنبر الماضية بأغلبية ساحقة على اتفاقية شراكة جديدة مع صندوق الإيداع والتدبير، تستعد الدار البيضاء خلال الدورة العادية لشهر أكتوبر الجاري لاتخاذ خطوة حاسمة تتعلق بدراسة والتصويت على مشروع اتفاقيتين خاصتين تشكلان العمود الفقري لانطلاق الورش الميداني.
الأولى تهم نقل الالتزامات المتعلقة بإعادة الإيواء وتعويض المستفيدين وهدم المباني المتواجدة ضمن نطاق المشروع، والثانية تتعلق بنقل الأصول العقارية والعقارات المسماة “أراضي الموازنة” من شركة “صوناداك” إلى جماعة الدار البيضاء.
هذه الخطوة المنتظرة خلال دورة أكتوبر، بحسب مصادر من داخل المجلس، تمثل لحظة مفصلية في مسار المشروع، إذ ستحدد بوضوح الأدوار والمسؤوليات بين مختلف الأطراف المتدخلة، وتفتح الباب أمام شركة “الدار البيضاء إسكان وتجهيز” للشروع في المهام التنفيذية الميدانية.
وفي مقدمتها معالجة ملفات إعادة الإيواء، وتحرير العقارات، وتعويض الأسر المتضررة، وهي الملفات التي تُعد الأكثر تعقيداً وحساسية في هذا الورش الضخم.
ويروم مشروع “المحج الملكي” إعادة تأهيل وسط الدار البيضاء، وتحويله إلى فضاء حضري متكامل يجمع بين الحداثة والمعمار المغربي الأصيل.
وتشمل مكوناته إنشاء حديقة حضرية كبرى على مساحة تمتد على طول المحور الرابط بين المدينة القديمة ومعرض الدار البيضاء الدولي، إلى جانب فضاءات خضراء وساحات عامة ومبانٍ سكنية وتجارية، فضلاً عن ترميم الأسواق التاريخية مثل “باب المراكش” وتأهيل الواجهات العمرانية العتيقة.
كما يسعى المشروع إلى جعل المنطقة محوراً سياحياً وثقافياً يربط بين ماضي المدينة ومستقبلها، ويعيد إليها إشعاعها المفقود.
وفي موازاة ذلك، ستتولى شركة “صوناداك”، التي تنازلت عن أصول المشروع لفائدة الجماعة الحضرية، تطوير مشروع “النسيم” فوق مساحة تقارب 200 هكتار، يتضمن برنامجاً سكنياً مختلطاً بمساحة صافية تبلغ حوالي 2.6 مليون متر مربع، منها أزيد من 400 ألف متر مربع مخصصة للسكن الاجتماعي لفائدة الأسر المرحّلة من “المحج الملكي”.
كما ستساهم الشركة بمبلغ مالي قدره مليارا درهم في تمويل عمليات التحرير والتجهيز الخاصة بالموقع، إلى جانب دعم تهيئة القطب الحضري الجديد بمنطقة النسيم.
ويرى متتبعون للشأن المحلي أن دورة أكتوبر الحالية ستكون اختباراً حقيقياً للمجلس الجماعي من أجل إثبات قدرته على تنزيل هذا المشروع المعقد ضمن مقاربة تشاركية تراعي البعد الاجتماعي بقدر ما تراعي الطموح العمراني.
فملف إعادة الإيواء يظل التحدي الأكبر أمام السلطات، في ظل تخوفات من تكرار سيناريوهات سابقة عانت خلالها الأسر من تأخير في التعويض أو صعوبات في الانتقال إلى مساكن بديلة.
ولهذا الغرض، تنص الاتفاقية الجديدة على إرساء مواكبة اجتماعية شاملة للأسر المستفيدة، تشمل الدعم النفسي والإداري، وضمان الشفافية في تحديد المستفيدين وشروط التعويض.
وأكد أعضاء المجلس مرارا أن المشروع لن يكون مجرد عملية تجميل عمراني، بل ورشاً هيكلياً يهدف إلى تحقيق مصالحة بين المدينة وساكنتها، من خلال إعادة توزيع الفضاءات الحضرية، وتوفير متنفسات خضراء، وخلق جاذبية جديدة في قلب العاصمة الاقتصادية.
كما يأتي هذا التحرك في سياق وطني يرمي إلى تحسين صورة المدن المغربية استعداداً لاحتضان تظاهرات دولية كبرى خلال السنوات المقبلة، بما في ذلك كأس العالم 2030 التي ستتشارك المملكة تنظيمها مع إسبانيا والبرتغال، وهو ما يجعل من إعادة تأهيل الدار البيضاء ضرورة وطنية قبل أن تكون خياراً محلياً.