بركة: الحكومة ستعرض حزمة من الإصلاحات لتسريع ورش التعليم والصحة
يشهد المغرب منذ أيام حالة من الغليان الاجتماعي المتنامي، تقودها بالأساس فئة الشباب المنتمين إلى ما يُعرف بجيل "زد"، الذين اختاروا الخروج إلى الشارع للتعبير عن تذمرهم من أوضاع اقتصادية واجتماعية يعتبرونها غير منصفة، مطالبين بإصلاحات عاجلة في قطاعي الصحة والتعليم.
هذا الحراك الشبابي، الذي برزت ملامحه الأولى عبر دعوات على وسائل التواصل الاجتماعي، يعكس تحوّلاً عميقاً في الوعي الجمعي لجيل جديد من المغاربة، بات يعتمد الفضاء الرقمي كمنصة للتعبئة والنقاش العمومي، بعيداً عن الأطر التقليدية للعمل السياسي والنقابي.
منذ بداية الأسبوع، شهدت مدن عدة مثل الرباط والدار البيضاء وفاس وطنجة ووجدة وقفات احتجاجية اتسمت بالسلمية والتنظيم، حيث رفع المتظاهرون شعارات تدعو إلى إصلاح شامل للمنظومة الصحية والتعليمية، وتحسين ظروف العيش، ومحاربة الفساد والزبونية.
وقد لاقت هذه التحركات تعاطفاً واسعاً على مواقع التواصل، حيث تصدر وسم "كرامة المواطن" ووسوم أخرى منصات التواصل، في مؤشر على انتشار المطالب الاجتماعية وتوسع نطاق النقاش حولها.
ورغم الطابع السلمي الذي طبع أغلب الوقفات، إلا أن بعض المناطق عرفت انزلاقات خطيرة، خاصة في آيت اعميرة وإنزكان وسلا، حيث تحولت احتجاجات محدودة إلى مواجهات وأعمال تخريب طالت مؤسسات تجارية وبنكية، وسيارات تابعة للقوات العمومية. هذه الأحداث دفعت السلطات المحلية والأمنية إلى التدخل بحزم لإعادة النظام وضمان سلامة المواطنين والممتلكات، فيما أكد مسؤولون أن التحقيقات جارية لتحديد المسؤوليات ومحاسبة المتورطين في أعمال العنف.
في المقابل، سارعت الحكومة إلى محاولة احتواء التوتر من خلال رسائل تهدئة وتعهدات بإطلاق إصلاحات ملموسة.
وفي هذا السياق، أعلن وزير التجهيز والماء والأمين العام لحزب الاستقلال، نزار بركة، أن الأغلبية الحكومية المكونة من ثلاثة أحزاب ستعقد اجتماعاً طارئاً يوم الاثنين المقبل للكشف عن حزمة من التدابير الرامية إلى تسريع إصلاح قطاعي الصحة والتعليم.
وأوضح بركة، في تصريح تلفزيوني بثته القناة الثانية، أن الحكومة استوعبت الرسائل التي حملتها الاحتجاجات، وهي عازمة على التفاعل الإيجابي معها من خلال إجراءات عملية تستجيب لتطلعات المواطنين، خاصة فئة الشباب.
وأكد نزار بركة أن الحكومة تبذل مجهودات كبيرة لإصلاح المنظومة الصحية في إطار الورش الملكي الكبير للحماية الاجتماعية، مبرزاً أن القطاع شهد في السنوات الأخيرة بناء ألف مركز صحي، إلى جانب تشييد مستشفيات جامعية في كل جهة من جهات المملكة.
وأشار إلى أن المستشفى الجامعي بأكادير سيفتتح نهاية السنة الجارية، فيما يجري التحضير لافتتاح المستشفى الجامعي بالعيون قريباً، مما سيساهم في تقريب الخدمات الصحية من المواطنين وتحسين جودة الرعاية.
كما شدد الوزير على أن النقص في الأطر الطبية يبقى من أبرز التحديات التي تواجه إصلاح القطاع، موضحاً أن الحكومة قامت بمجهودات برفع عدد المقاعد المخصصة لتكوين الأطباء بشكل غير مسبوق لتغطية هذا العجز على المدى المتوسط.
مشيراً إلى أن الإصلاح لا يقتصر على البنية التحتية، بل يشمل كذلك تحسين ظروف عمل الأطر الطبية وتحفيز الكفاءات الوطنية على الاستقرار في المغرب بدل الهجرة نحو الخارج.
وتأتي هذه التطورات في سياق اجتماعي واقتصادي حساس، حيث يواجه المغرب تحديات مرتبطة بغلاء المعيشة وتراجع القدرة الشرائية وارتفاع معدلات البطالة في صفوف الشباب.
ومع ذلك، يرى محللون أن هذا الحراك، رغم ما رافقه من توتر، يمثل مؤشراً على حيوية المجتمع المدني ووعي الجيل الجديد بحقوقه ودوره في مساءلة السياسات العمومية.
ويرى مراقبون أن طريقة تعامل الدولة مع هذه المطالب ستحدد مستقبل العلاقة بين الشباب والمؤسسات، خاصة في ظل التغيرات المتسارعة التي يعرفها العالم الرقمي وتأثيرها المتزايد على الفعل السياسي والاجتماعي.
وبينما يترقب الشارع المغربي ما ستسفر عنه اجتماعات الحكومة المقبلة، تبقى الأنظار معلقة على قدرة الفاعلين السياسيين على ترجمة الوعود إلى خطوات ملموسة تُعيد الثقة إلى فئة واسعة من الشباب الذين اختاروا أن يُسمعوا أصواتهم بطرق سلمية وحضارية، في مشهد يعيد طرح سؤال العدالة الاجتماعية والإنصاف في مغرب اليوم.