يشهد المغرب منذ أيام حالة من التوتر الاجتماعي الذي قاده شباب من مختلف المدن، تعبيراً عن مطالب تراكمت عبر السنوات، أبرزها تحسين فرص الشغل، وتحقيق العدالة الاجتماعية، وإصلاح قطاعات الصحة والتعليم، إلى جانب محاربة الفساد.
وقد لفتت هذه الاحتجاجات، التي يشارك فيها جيل جديد من المغاربة، أنظار الرأي العام الوطني والدولي، لما تميزت به من تنظيم وسِلمية في بداياتها، ولما عكسته من وعي مدني متنامٍ لدى فئة واسعة من الشباب المغربي.
انطلقت شرارة هذا الحراك من الفضاء الرقمي، حيث انتشرت على منصات التواصل الاجتماعي دعوات للنزول إلى الشارع من أجل المطالبة بحقوق اقتصادية واجتماعية، وسرعان ما وجدت هذه الدعوات صدى في الواقع، لتتحول إلى وقفات احتجاجية سلمية في مدن كبرى كالرباط، والدار البيضاء، وفاس، وطنجة.
وقد رفع المحتجون شعارات تدعو إلى الإصلاح، وتوفير فرص الشغل، ومحاربة الفساد، وتحقيق الكرامة الاجتماعية، في إطار سلمي يعكس تطوراً في طرق التعبير لدى الجيل الجديد من الشباب.
غير أن بعض المدن، على غرار آيت اعميرة وإنزكان وسلا، شهدت انزلاقات محدودة تحولت فيها احتجاجات صغيرة إلى مواجهات وأعمال تخريب طالت ممتلكات عامة وخاصة، منها مؤسسات تجارية ومصرفية، إضافة إلى سيارات تابعة للأمن.
وقد استدعى ذلك تدخلاً أمنياً لضبط الأوضاع ومنع اتساع رقعة الفوضى، في وقت أكدت فيه السلطات على حق المواطنين في التظاهر السلمي وفق الضوابط القانونية، محذّرة من استغلال هذه التحركات لأغراض تمس بالأمن العام.
وفي خضم هذا المناخ الاجتماعي المشحون، خرج نزار بركة، الأمين العام لحزب الاستقلال ووزير التجهيز والماء، بتصريحات مثيرة للجدل خلال حلوله ضيفاً على برنامج “نكونوا واضحين” الذي تبثه القناة الثانية.
فقد أقرّ بصعوبة تحقيق وعد الحكومة الحالي بتوفير مليون فرصة شغل خلال ما تبقى من عمر الولاية الحكومية، معتبراً أن “الظرفية الاقتصادية والمناخية التي تمر بها البلاد تجعل من الصعب بلوغ هذا الهدف الطموح”.
وأوضح أن الجفاف الذي ضرب مناطق واسعة من المغرب خلال السنوات الأخيرة تسبب في فقدان عدد كبير من فرص الشغل بالعالم القروي، إلى جانب تداعيات الحرب الروسية الأوكرانية التي أثرت بشكل مباشر على القدرة الشرائية للأسر المغربية، فضلاً عن الصعوبات التي يواجهها القطاع الخاص في مواكبة الاستثمارات العمومية.
وشدد بركة على أن “الحكومة واعية بحجم التحديات الاجتماعية والاقتصادية التي تواجهها، وتعمل على مواجهتها من خلال برامج تشغيل جديدة تستهدف بالأساس الشباب غير الحاصلين على تكوين أو شهادات، عبر تمكينهم من فرص ثانية للاندماج المهني”.
وأكد أن هذا البرنامج يتم بتعاون مع الوكالة الوطنية لإنعاش التشغيل والكفاءات، ويهدف إلى تحسين إدماج الشباب في سوق العمل وتخفيف الضغط على فئة العاطلين.
وفي سياق حديثه عن الوضع السياسي العام، اعتبر الأمين العام لحزب الاستقلال أن “البديل السياسي في المرحلة المقبلة غير واضح”، موضحاً أن جميع الأحزاب السياسية التي تنشط في الساحة قد سبق أن شاركت في تدبير الشأن العام، سواء برئاسة الحكومات أو بالمشاركة فيها، وهو ما يجعل من الصعب على الناخبين التمييز بين العروض السياسية المطروحة.
كما عبّر عن تخوفه من ضعف نسبة المشاركة في الانتخابات المقبلة، مشيراً إلى أن “العزوف الانتخابي بات هاجساً حقيقياً يهدد الممارسة الديمقراطية بالمغرب”.
وفي معرض تقييمه لأداء الحكومة، شدد نزار بركة على أن “الدستور واضح في ما يتعلق بصلاحيات الحكومة ومسؤوليتها عن تدبير الشأن العام”، مؤكداً أن “الحكومة لا تتهرب من المحاسبة ومستعدة لتقديم الحصيلة الكاملة لما تحقق خلال هذه الفترة”.
وأشار بركة إلى أن الحكومة تمكنت رغم التحديات من تحقيق عدد من الإنجازات في مجالات البنية التحتية والماء والتجهيز، إلا أن الظروف الاقتصادية العالمية وتغير المناخ فرضت قيوداً موضوعية على سرعة تنفيذ الوعود الحكومية، خاصة في ما يتعلق بخلق فرص الشغل.
وفي ختام حديثه، أكد بركة أن حزب الاستقلال يواصل العمل الميداني والإنصات لفئة الشباب، من خلال مبادرة “أكاديمية الاستقلال للشباب” التي تم إطلاقها في يناير الماضي، وتهدف إلى تعزيز المشاركة السياسية للشباب عبر منصات رقمية وميدانية، من بينها تطبيق “ديسكورد”.
وأوضح أن هذه المبادرة بعيدة عن الحسابات الانتخابية، وأن تأجيل إطلاقها إلى يناير 2025 جاء لإعطاء الحزب فرصة لترتيب بيته الداخلي بعد مؤتمره الوطني الأخير، وإعادة بناء الثقة مع الشباب المغربي عبر مبادرات حقيقية لا خطابية.
وبينما تتواصل الاحتجاجات الشبابية في الشارع، تبرز تصريحات نزار بركة كإشارة إلى إدراك الحكومة لصعوبة الظرفية، لكنها في الوقت نفسه تعكس وعياً رسمياً متزايداً بضرورة التواصل الصريح مع الرأي العام، في لحظة دقيقة تتقاطع فيها المطالب الاجتماعية مع التحديات الاقتصادية والسياسية التي تواجه المغرب في هذه المرحلة المفصلية من تاريخه المعاصر.