وزير الشغل: نرفض الركوب السياسي على مطالب الشارع ونرحب بالنقاش الصادق
يشهد المغرب منذ شهر شتنبر الماضي حراكا اجتماعيا متصاعدا يقوده جيل جديد من الشباب، نشأ في فضاء رقمي مفتوح ومتشبع بثقافة عالمية متعددة المصادر، لكنه في الوقت ذاته يعبّر عن هموم محلية متجذّرة في الواقع اليومي للمغاربة.
وتحولت المدن المغربية الكبرى كالعاصمة الرباط والدار البيضاء وفاس وطنجة إلى مسرح لتجمعات سلمية واسعة حملت شعارات اجتماعية واقتصادية بالأساس، ركزت على الحق في الشغل والسكن والتعليم والعدالة الاجتماعية، ونددت بتدهور القدرة الشرائية وغلاء المعيشة.
وبينما حرص المحتجون على تأكيد سلمية تحركاتهم ورفض أي شكل من أشكال العنف، شهدت بعض المناطق كآيت اعميرة وإنزكان وسلا توترات محدودة تحولت في لحظات إلى مواجهات مع قوات الأمن، نتجت عنها خسائر مادية طالت مؤسسات مصرفية وتجارية وسيارات أمنية.
سرعان ما تحركت السلطات لتطويق هذه الأحداث والحيلولة دون اتساع رقعتها، مؤكدة في بيانات رسمية حرصها على حماية الحق في التظاهر السلمي في إطار القانون، مع التشديد على ضرورة احترام النظام العام وعدم المساس بالممتلكات العامة والخاصة.
غير أن هذه المقاربة الأمنية لم تكن وحدها محور النقاش، إذ أعادت الاحتجاجات الأخيرة طرح أسئلة عميقة حول طبيعة العلاقة بين الحكومة والشباب، وحول مدى قدرة النخب السياسية على التقاط إشارات الغضب الاجتماعي وفهم لغته الجديدة.
في هذا السياق، اعتبر وزير الإدماج الاقتصادي والمقاولة الصغرى والشغل والكفاءات، يونس السكوري، أن ما يجري يمثل “لحظة صدق” في مسار المجتمع المغربي، تستدعي من الحكومة ومختلف الفاعلين السياسيين والاقتصاديين التوقف أمامها بجدية ومسؤولية.
وأوضح، خلال استضافته في برنامج خاص على القناة الثانية، مساء اليوم، أن الاحتجاجات الأخيرة تعكس واقعا اجتماعيا لا يمكن القفز عليه، وأنها تعبّر عن جيل نشأ في قلب التحولات الرقمية ويطالب بأن يكون جزءا من صناعة القرار لا مجرد متلقٍ لسياسات جاهزة.
السكوري شدد على أن التعامل مع هذا الحراك لا يجب أن يكون بمنطق التبرير أو التهدئة المؤقتة، بل عبر نقاش عميق حول أولويات السياسات العمومية.
وأشار إلى أن الحكومة وإن كانت قامت بعدد من المبادرات، فإن “جوهر الإشكال يكمن في ترتيب الأولويات”، لأن جيلا جديدا من المغاربة يرى أن مطالبه لم تُدرج بعد ضمن سلم الاهتمامات الرسمية.
وأضاف أن هذا الجيل، الذي يكوّن ما بين 60 و70 بالمئة من شخصيته عبر وسائل العصر الرقمية، أكثر وعيا وتنظيما من الأجيال السابقة، وقادر على المقارنة والمساءلة والمطالبة بالمحاسبة.
وتحدث الوزير عن ضرورة تجنب أي استغلال سياسوي أو انتخابي لهذه التحركات، معتبرا أن المرحلة الراهنة تتجاوز الحسابات الضيقة وأن “العمل السياسي النبيل يقوم على الاعتراف بالخطأ وتحمل المسؤولية”.
ورغم حديث الوزير عن “وعي جديد” يتشكل داخل المجتمع المغربي، فإن الأصوات في الشارع ما تزال مرتفعة، تطالب بإصلاحات ملموسة في قطاعات التعليم والصحة والتشغيل ومحاربة الفساد، معتبرة أن الخطابات الرسمية لم تعد كافية ما لم ترافقها إجراءات عملية تحدث فارقا في حياة الناس اليومية.
وبينما يواصل الشباب تنظيم احتجاجاته عبر وسائط رقمية وأشكال تعبير سلمية غير تقليدية، تترقب النخب السياسية والإعلامية مآلات هذا الحراك الجديد، الذي كسر صمت الشارع وأعاد إلى الواجهة سؤال العدالة الاجتماعية ومفهوم المواطنة الفاعلة.