هل كشفت الاحتجاجات تملص قادة الأغلبية من الصفة الوزارية؟

الكاتب : انس شريد

08 October 2025 - 10:00
الخط :

تشهد الساحة السياسية المغربية هذه الأيام توتراً واضحاً في ظل استمرار الحراك الاحتجاجي الذي تقوده فئات واسعة من الشباب، وما رافقه من نقاشات حادة داخل الفضاء العمومي حول أداء الحكومة وتماسك مكوناتها.

في خضم هذه الأجواء، عاد الجدل من جديد حول مدى انسجام مكونات الأغلبية الحاكمة، بعدما أثارت تصريحات عدد من قادتها تساؤلات حول التزامهم بالصفة الوزارية ومسؤولياتهم الجماعية في مواجهة الأزمة الراهنة.

ففي الوقت الذي خرج فيه الوزير المنتدب المكلف بالعلاقات مع البرلمان والناطق الرسمي باسم الحكومة، مصطفى بايتاس، ليؤكد أن الأغلبية الحكومية تواصل عملها في “انسجام كبير”، بدت مؤشرات الخلاف تلوح في الأفق بين مكونات التحالف الثلاثي.

وأوضح بايتاس خلال استضافته في برنامج “نقطة إلى السطر” على القناة الأولى أن الحكومة الحالية “أكثر انسجاماً مقارنة بالتجارب السابقة”، مشدداً على أن الشركاء الحكوميين يتعاملون بشكل موحد مع مختلف القضايا، بما في ذلك الاحتجاجات الشبابية التي تعرفها بعض المدن.

لكن هذه الصورة التي حاول الناطق الرسمي رسمها عن تماسك الأغلبية، لم تصمد طويلاً أمام موجة من التصريحات التي صدرت عن قيادات من داخل التحالف نفسه، واعتُبرت من قبل العديد من المراقبين مؤشراً على تصدع داخلي غير معلن.

فقد أثارت مشاركة نزار بركة، وزير التجهيز والماء والأمين العام لحزب الاستقلال، ونجوى ككوس، رئيسة المجلس الوطني لحزب الأصالة والمعاصرة، في برنامج “نكونو واضحين” على القناة الثانية، موجة واسعة من الجدل السياسي والإعلامي بعد أن أعلنا صراحة حضورهما “بصفتهما الحزبية” وليس بصفتهما الحكومية.

تصريحات بركة، التي قال فيها إنه يمثل حزبه لا الحكومة، فُهمت على نطاق واسع على أنها محاولة للتبرؤ من السياسات الحكومية في وقت تعرف فيه البلاد تصاعداً في الاحتجاجات الاجتماعية.

أما ككوس، فقد ذهبت أبعد من ذلك عندما قالت إن “الأغلبية الحكومية شيء، والحكومة شيء آخر”، في عبارة قرأها كثيرون باعتبارها مؤشراً على تباين واضح بين مكونات التحالف الثلاثي.

هذه المواقف دفعت مراقبين إلى الحديث عن “تملص وزراء الأغلبية من مسؤولياتهم السياسية” في مواجهة الشارع الغاضب، ومحاولة إلقاء العبء على رئيس الحكومة وحده.

وفي خضم هذه التجاذبات، لم تتأخر ردود الفعل الشعبية، إذ امتلأت مواقع التواصل الاجتماعي بتعليقات تنتقد ما وصفه ناشطون بـ“الازدواجية في المواقف”، معتبرين أن الوزراء لا يمكنهم ارتداء “قبعة الحزب” عند الأزمات و“قبعة الحكومة” عند النجاحات.

وتساءل كثيرون عن مدى التزام أحزاب الأغلبية بتحمل المسؤولية الجماعية في ظل التحديات الراهنة، مؤكدين أن محاولات النأي بالنفس عن القرارات الحكومية قد تعمق أزمة الثقة بين المواطنين والنخبة السياسية.

بالتوازي مع هذا الجدل السياسي، تتواصل في الشارع مظاهر الاحتجاج الاجتماعي التي انطلقت قبل أيام من العالم الافتراضي، ثم تحولت إلى مظاهرات سلمية في مدن عدة مثل الرباط والدار البيضاء وطنجة وفاس.

شباب من جيل “زد” قادوا هذه التحركات رافعين شعارات تطالب بتحسين ظروف العيش، وتوفير فرص العمل، والعدالة الاجتماعية، ومكافحة الفساد، في مشهد يعكس تحولاً نوعياً في التعبير عن الغضب الاجتماعي، حيث طغى الطابع السلمي والتنظيم المحكم على معظم الوقفات.

ورغم الطابع السلمي العام، لم تخلُ بعض المناطق من توترات محدودة، كما حدث في إنزكان وآيت اعميرة وسلا، حيث سجلت أعمال تخريب متفرقة استهدفت مؤسسات مصرفية وتجارية وسيارات أمن.

وتدخلت السلطات بسرعة لاحتواء الوضع، مؤكدة في بيانات رسمية احترامها لحق التظاهر السلمي في إطار القانون، لكنها شددت في المقابل على رفضها لأي تجاوزات تمس بالأمن العام أو الممتلكات الخاصة.

ويرى عدد من المهتمين بالشأن السياسي أن المواقف المتباينة داخل التحالف الحاكم قد تضعف قدرة الحكومة على التواصل الموحد مع الرأي العام، في وقت تحتاج فيه البلاد إلى خطاب سياسي متماسك ورسائل واضحة تعكس وحدة القرار التنفيذي.

في المقابل، سعى مصطفى بايتاس إلى نفي وجود أي خلافات حقيقية داخل التحالف، مؤكداً أن أحزاب الأغلبية الثلاثة “منسجمة وواعية بدقة المرحلة”، وتعمل على تسريع وتيرة الأوراش ذات البعد الاجتماعي التي تهم المواطنين.

وأوضح أن اجتماعات متواصلة تعقد بين مكونات التحالف لتقييم الوضع ومتابعة المطالب الاجتماعية التي عبّر عنها المحتجون، مبرزاً أن الحكومة منفتحة على الحوار ومستعدة لاتخاذ إجراءات عملية تخفف من حدة التوتر.

لكن ذلك لم يمنع من بروز مؤشرات أخرى على وجود تصدعات داخلية، كان آخرها استقالة النائب البرلماني محمد التويمي بنجلون عن حزب الأصالة والمعاصرة، التي أعلنها شفهياً خلال جلسة برلمانية قبل أن يتراجع عنها لاحقاً.

هذه الخطوة، وإن لم تُستكمل رسمياً، اعتُبرت رسالة سياسية تعبّر عن تململ داخل صفوف الأغلبية في ظرف حساس سياسياً واجتماعياً.

وسط هذه التفاعلات، يبدو أن الحكومة مطالبة اليوم أكثر من أي وقت مضى باستعادة ثقة الشارع وتوحيد خطابها السياسي، في ظل الاحتجاجات الأخيرة.

آخر الأخبار