صادق مجلس الحكومة المنعقد يوم الخميس 9 أكتوبر 2025 على مشروع القانون رقم 71.24 بتغيير وتتميم القانون رقم 15.95 المتعلق بمدونة التجارة، في إطار التوجهات الاستراتيجية للمملكة الرامية إلى تحديث البيئة القانونية والتشريعية المتعلقة بالمعاملات المالية والتجارية.
ويأتي هذا القرار انسجاما مع التطورات السريعة في مجال الأوراق التجارية، وتماشيا مع متطلبات السياسة الجنائية في مجال المال والأعمال، وذلك لكون مشكلة إصدار الشيكات بدون رصيد ما فتئت تؤرق المجتمع وخاصة المستثمرين لما لها من أخطار ووقع اقتصادي واجتماعي على جميع الأطراف، لاسيما الساحب والمستفيد.
وخلال الندوة الصحافية التي أعقبت اجتماع مجلس الحكومة، قدم مصطفى بايتاس، الوزير المنتدب المكلف بالعلاقات مع البرلمان والناطق الرسمي باسم الحكومة، تفاصيل هذا المشروع الذي من المنتظر أن يُحدث تحوّلاً عميقاً في السياسة الجنائية المرتبطة بالمعاملات المالية، مؤكداً أن الهدف الأساسي منه هو “استرجاع الثقة في الشيك كوسيلة أداء آمنة وموثوقة، وتخفيف العبء عن المحاكم والمؤسسات السجنية”.
وأوضح بايتاس أن الأرقام الصادرة عن بنك المغرب تعكس حجم الإشكال، إذ بلغ عدد عمليات الأداء بواسطة الشيك خلال سنة 2024 نحو 30 مليون عملية بقيمة مالية تناهز 1319 مليار درهم، بينما سُجل ما يقارب مليون حالة عارض أداء بسبب غياب أو عدم كفاية المؤونة.
وأضاف أن عدد الشكايات المتعلقة بالشيكات ما بين سنتي 2022 ويونيو 2025 تجاوز 180 ألف شكاية، أسفرت عن متابعة أكثر من 76 ألف شخص، بينهم حوالي 59 ألفاً في حالة اعتقال، معتبراً أن هذه المعطيات “تكشف عن أزمة هيكلية تستدعي إصلاحاً عميقاً ومتوازناً بين الحق المالي والعدالة الإنسانية”.
ويهدف مشروع القانون الجديد إلى إعادة هيكلة الإطار القانوني للشيكات بما يضمن مصداقيتها ويعزز الأمن المالي، إلى جانب إقرار آليات جديدة للتسوية الودية قبل اللجوء إلى القضاء.
كما يسعى إلى الحد من العقوبات السالبة للحرية عبر إقرار بدائل قانونية وتشجيع الصلح في مختلف مراحل الدعوى.
ويتيح النص الجديد، وفق بايتاس، إمكانية وقف المتابعة القضائية بمجرد أداء قيمة الشيك، سواء أثناء التحقيق أو خلال المحاكمة أو حتى أثناء تنفيذ العقوبة، مقابل أداء غرامة مالية لا تتعدى 2 في المائة من قيمة الشيك، بعدما كانت تصل في السابق إلى 25 في المائة.
وأكد المتحدث باسم الحكومة أن هذا التغيير يمثل “تحولاً جذرياً” في التعامل مع الشيكات، إذ يسمح بإنهاء النزاع بمجرد التسوية، دون الحاجة إلى المرور عبر جميع درجات التقاضي.
كما أشار إلى أن النص الجديد يمنح النيابة العامة صلاحية إشعار الساحب بضرورة توفير المؤونة خلال أجل 30 يوماً قابلاً للتمديد مرة واحدة بموافقة المستفيد، مع إمكانية إخضاع المعني بالأمر لتدبير المراقبة القضائية عبر السوار الإلكتروني بدل الاعتقال، مما يسهم في تخفيف الضغط على المحاكم والسجون مع الحفاظ على حقوق الدائنين.
ومن بين المستجدات التي أثارت اهتمام الرأي العام، ما نص عليه المشروع من إعفاء جنحي في حالة وقوع الفعل بين الأزواج أو الأصول والفروع، وهو ما عبّر عنه بايتاس بقوله: “لم يعد ممكناً أن يُسجن ابنٌ والده أو زوجٌ زوجته بسبب شيك”.
وأوضح أن هذا المقتضى يندرج ضمن مقاربة إنسانية تهدف إلى الحفاظ على التماسك الأسري وتجنب تحويل الخلافات المالية إلى نزاعات قضائية مؤلمة.
وأشار الوزير إلى أن الإصلاح الجديد يستند إلى مقاربة مزدوجة، تجمع بين الحفاظ على النظام المالي وتشجيع الأداء المسؤول، وبين تمكين المواطنين من تصحيح أوضاعهم القانونية دون المرور عبر السجن.
كما شدد على أن الحكومة “تراهن على إعادة الثقة في الشيك كوسيلة أداء تجارية، بعدما فقد الكثير من مصداقيته نتيجة كثرة العوارض وتزايد القضايا المرتبطة به”.
ويرى بايتاس أن هذا الإصلاح من شأنه “تحسين مناخ الأعمال وتشجيع المبادرة والاستثمار الوطني”، مشيراً إلى أن العديد من الفاعلين الاقتصاديين والمقاولين الصغار تأثروا سلباً بالقانون السابق الذي كان يقود إلى المتابعة الجنائية بشكل تلقائي، ما تسبب في حالات اجتماعية صعبة وأعاق حركة الاقتصاد.
ويأتي هذا التعديل ضمن رؤية حكومية أشمل لإصلاح السياسة الجنائية في المغرب، تقوم على تقليص الاعتماد على العقوبات السجنية في الجرائم ذات الطابع المالي، وتعويضها بآليات بديلة تركز على الأداء والتصالح والردع المالي.
كما يندرج في سياق الجهود الوطنية الرامية إلى تحديث المنظومة القانونية وتحسين العدالة الاقتصادية بما يتماشى مع متطلبات التنمية والاستثمار.
ويأمل مهتمون بالشأن الاقتصادي والقانوني أن يسهم هذا الإصلاح في إحداث توازن حقيقي بين حماية الحقوق المالية للأطراف وضمان كرامة المواطنين، وأن يكون بداية لمرحلة جديدة في مسار تحديث القوانين المغربية بما يجعل العدالة أكثر فعالية وإنسانية في آن واحد.