محلل سياسي: الخطاب الملكي شدد على الجدية والمسؤولية في تدبير الشأن العام

الكاتب : انس شريد

10 October 2025 - 10:00
الخط :

في قراءة تحليلية شاملة لخطاب العرش الذي ألقاه جلالة الملك محمد السادس بمناسبة افتتاح السنة التشريعية الخامسة، اليوم الجمعة 10 أكتوبر الجاري، أكد المحلل السياسي وأستاذ القانون الدستوري بجامعة محمد الخامس بالرباط، عباس الوردي، أن الخطاب الملكي السامي جاء ليؤسس لمرحلة جديدة في مسار التنمية بالمغرب، قوامها الجدية والمسؤولية الجماعية، واستحضار مطالب الجيل الصاعد في كل السياسات العمومية.

وقال الوردي في حديثه للجريدة 24، إن جلالة الملك وجّه بوصلة العمل السياسي والبرلماني نحو الميدان، من خلال التركيز على القضايا الملموسة التي تمس حياة المواطنين اليومية، خاصة في العالم القروي والمناطق الهشة والساحلية، مؤكدا أن الخطاب الملكي لم يكن مجرد تقييم ظرفي أو دعوة شكلية، بل جاء بمضامين تعكس وعيا استراتيجيا بالتحولات الاجتماعية والاقتصادية التي يشهدها المغرب.

وأوضح المحلل السياسي أن الخطاب الملكي تميز بمراجعة شاملة للتحديات التي تواجه البلاد، سواء على مستوى العدالة الاجتماعية أو التنمية الترابية أو الفوارق المجالية، مشيرا إلى أن جلالة الملك شدد على ضرورة استمرارية المشاريع الكبرى التي انخرطت فيها المملكة خلال السنوات الأخيرة، وخاصة تلك التي تستهدف خلق فرص الشغل وتحسين مستوى العيش وتعزيز البنيات التحتية.

وأشار الوردي إلى أن جلالة الملك دعا الأحزاب السياسية والبرلمان إلى تكريس جهود أكبر لتجسيد ما بدأته المملكة من مشاريع تنموية كبرى، محذرا من الانزلاق نحو الحسابات الانتخابية الضيقة أو المزايدات السياسية التي قد تعرقل مسار الإصلاحات.

وشدد في هذا السياق على أن الخطاب الملكي جاء ليعيد التذكير بروح المسؤولية الوطنية المشتركة بين مختلف الفاعلين، ويؤكد أن التنمية الحقيقية لا تتحقق إلا من خلال وحدة الرؤية وتكامل الجهود.

وبحسب الوردي، فقد خصّ الخطاب الملكي العالم القروي بحيز مهم، حيث دعا جلالة الملك إلى إعادة الاعتبار للمناطق الجبلية والواحات والمراكز القروية باعتبارها فضاءات حيوية لتقريب الخدمات الأساسية من المواطنين، والحد من التفاوتات المجالية التي تعمّق الفوارق الاجتماعية.

كما أوضح أن هذا التوجه الملكي يعكس إرادة سياسية واضحة في تحقيق عدالة مجالية حقيقية تضمن تكافؤ الفرص وتحقق التنمية المتوازنة بين الجهات.

وأضاف الأستاذ الجامعي أن الخطاب الملكي لم يغفل كذلك الإشارة إلى دور الدبلوماسية الحزبية والبرلمانية في خدمة القضايا الوطنية، معتبرا أن توجيهات جلالة الملك في هذا الإطار تعكس وعيا متقدما بأهمية السياسة الخارجية المتعددة المستويات، التي تستند على التفاعل الإيجابي بين الدولة ومؤسساتها من جهة، والمجتمع المدني وممثليه المنتخبين من جهة أخرى.

ورأى الوردي أن الخطاب حمل في طياته رسالة واضحة مفادها أن المغرب يسير بخطى ثابتة نحو بناء نموذج تنموي جديد قائم على الاستدامة والتكامل المجالي، حيث أكد جلالته على ضرورة الحفاظ على وتيرة العمل التنموي بغض النظر عن التغيرات الحكومية أو السياسية، لأن الغاية الأساس تبقى خدمة المواطن المغربي وضمان كرامته ورفاهيته.

وتابع أن هذه الرؤية الملكية تجسد فلسفة الحكم القائمة على الاستمرارية في المشاريع والإصلاحات، باعتبارها تعبيرا عن إرادة دولة لا ترتبط بأشخاص أو حكومات، بل بمسار وطني متجذر في قيم المسؤولية والعدالة الاجتماعية.

وتزامنا مع هذا الخطاب الملكي الذي يعيد رسم أولويات المرحلة المقبلة، يعيش المغرب على وقع دينامية اجتماعية لافتة، تتجلى في موجة احتجاجات شبابية تعرفها عدة مدن منذ شهر شتنبر الماضي، تقودها فئة من جيل جديد أطلق عليه اسم "جيل زد"، وهم شباب نشأوا في عالم مفتوح على التكنولوجيا والمعلومات، بعيدين عن القوالب الحزبية التقليدية.

هذه الحركة الشبابية، التي ترفع شعارات اجتماعية واقتصادية، تطالب بتحسين جودة التعليم والصحة وتوفير فرص شغل تضمن الكرامة وتفتح آفاق الأمل أمام الطاقات الصاعدة، وتعبّر عن وعي متزايد بضرورة التغيير الإيجابي من داخل المؤسسات لا من خارجها.

ويبدو أن هذا الحراك الشعبي، رغم طابعه الاحتجاجي، يعكس تطورا في الثقافة السياسية للمغاربة، حيث اختار الشباب التعبير عن همومهم ومطالبهم بأسلوب سلمي متحضر، يعيد الثقة في العمل المدني ويعكس وعيا ناضجا بدور المواطن في مراقبة السياسات العمومية والمطالبة بإصلاحها.

وفي المقابل، تحاول السلطات العمومية التعامل مع هذه الدينامية الجديدة بقدر من التوازن، يجمع بين الحفاظ على النظام العام وضمان حرية التعبير والتجمع في إطار القانون.

وتشهد مدن كبرى مثل الرباط والدار البيضاء وفاس وطنجة مظاهرات سلمية متفرقة تعبر عن هذه الموجة الاجتماعية الجديدة، في مشهد يعيد إلى الأذهان محطات تاريخية عرفها المغرب في مسار الإصلاح، لكنه هذه المرة يأتي في سياق مختلف، يتسم بارتفاع سقف التطلعات الاجتماعية وبروز جيل واعٍ يطالب بالمشاركة الفعلية في رسم مستقبل البلاد.

آخر الأخبار